هل يدل عدم ورود أحاديث المناقب والمثالب عن علي (ع) على أنها مجعولة؟
السؤال: لم يذكر عليُّ بن أبي طالبٍ الأحاديث والروايات المكذوبة التي يروِّجها الرافضة مثل: الفئة الباغية، وكلاب الحوأب، وقسيم الجنَّة والنار. ولم يقُل: الحقُّ معي يدور أينما أدور. ولا: لا يحبُّني إلَّا مؤمنٌ ولا يبغضني إلَّا منافقٌ، ولا غيرها من الخرافات التي صدَّعت الرافضة بها رؤوسنا؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
لا يخفى أنَّ تحامل السائل على شيعة أهل البيت (عليهم السلام) ناشئٌ عن جهلٍ مركَّبٍ، أو عصبيةٍ ممقوتةٍ، أو غير ذلك؛ ولذلك يتَّهمهم بوضع حديث الفئة الباغية الوارد في حقِّ معاوية وأنصاره، وحديث كلاب الحوأب الوارد في مسير عائشة إلى البصرة، وحديث قسيم الجنَّة والنار، وحديث دوران الحقِّ مع أمير المؤمنين (عليه السلام) أينما دار، وكذلك حديث: لا يحبُّك إلَّا مؤمنٌ، ولا يبغضك إلَّا منافقٌ.
ولبيان الحقِّ في جميع ذلك، نعقد الكلام بذكر أمور:
الأمر الأوَّل: أنَّ عدم رواية الأخبار المذكورة عن خصوص أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يعني كونها مكذوبةً أو غير صحيحةٍ، إذْ لا ملازمة بين ثبوتها وحقَّانيتها وبين ورودها عنه (عليه السلام) حصراً، وعليه فلا ضير في رواية هذه الأخبار عن غيره (عليه السلام)، على أنَّ بعضها مرويٌّ عن لسانه (عليه السلام)، كما في حديث «أنا قسيم النار، إذا كان يوم القيامة قلتُ هذا لك، وهذا لي» [لاحظ: البداية والنهاية ج7 ص392، وغيره من المصادر الكثيرة].
الأمر الثاني: لا ملازمة بين صدور الأخبار عنه (عليه السلام) وبين وصولها إلينا، فكم من الأخبار التي صدرت عنه (عليه السلام) ولم تصل إلينا لأسبابٍ متعدِّدةٍ، منها: ضياع الكثير من الكتب، أو إخفاؤها المتعمَّد، أو غير ذلك من الأسباب، وهذه من المسائل الواضحة عند أهل العلم.
الأمر الثالث: أنَّ المتتبِّع لتراث المسلمين كافَّة يجد هذه الأحاديث ثابتةً ومرويةً في مصادر متعدِّدةٍ، الأمر الذي يشير إلى صدقها وأحقِّيتها، خلافاً لما زعمه السائل من كونها من وضع الشيعة على لسان أمير المؤمنين (عليه السلام). وسوف نقتصر على ذكر بعض ما ورد منها في كتب العامَّة فقط، إلزاماً للسائل بما يعتقده ويراه.
أوَّلاً: حديث الفئة الباغية:
1ـ روى أحمد بسندٍ صحيحٍ إلى عكرمة: «أنَّ ابن عبَّاس قال له ولابنه عليٍ: انطلقا إلى أبي سعيد الخدريّ، فاسمعا من حديثه. قال: فانطلقنا، فإذا هو في حائطٍ له، فلما رآنا أخذ رداءه، فجاءنا، فقعد، فأنشأ يحدِّثنا حتَّى أتى على ذكر بناء المسجد قال: كنَّا نحمل لبنةً لبنةً، وعمَّار بن ياسر يحمل لبنتينِ لبنتينِ. قال: فرآه رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) فجعل ينفض التراب عنه. ويقول: يا عمَّار، ألا تحمل لبنةً كما يحمل أصحابك؟ قال: إنّي أريد الأجر من الله. قال: فجعل ينفض التراب عنه ويقول: ويح عمَّار، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنَّة ويدعونه إلى النار» [مسند أحمد ج18 ص367، ط الرسالة].
2ـ وروى ابن قانع البغداديُّ بسنده إلى محمَّد بن مسلم بن شهاب، عن أبي اليسر وزياد بن القرد: «أنَّهما شهدا أنَّهما سمعا رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) يقول لعمَّار وهو يمسح التراب عن وجهه في المسجد: يا عمَّار، تقتلك الفئة الباغية» [معجم الصحابة ج5 ص1759].
وانظر أيضاً: [صحيح البخاريّ ج4 ص21، صحيح ابن حبَّان ج15 ص554، المعجم الأوسط ج6 ص248، المستدرك ج2 ص149، دلائل النبوَّة ج2 ص546، وغيرها من المصادر الكثيرة عند القوم].
ثانياً: حديث كلاب الحوأب:
1ـ روى أحمد بسندٍ صحيحٍ إلى قيس قال: «لما أقبلت عائشة بلغت مياه بني عامر ليلاً، نبحت الكلاب. قالت: أي ماءٍ هذا؟ قالوا: ماء الحوأب. قالت: ما أظنَّني إلَّا أنَّي راجعةٌ! فقال بعض من كان معها: بل تقدمين، فيراك المسلمون، فيصلح الله (عزَّ وجلَّ) ذات بينهم. قالت: إنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) قال لها ذات يومٍ: كيف بإحداكنَّ تنبح عليها كلاب الحوأب؟» [مسند أحمد ج40 ص298، ط الرسالة].
2ـ وروى اليعقوبيُّ: «فسارتْ إلى البصرة مخالفةً على عليٍّ، ومعها طلحة والزبير في خلقٍ عظيمٍ، وقدم يعلى بن منية بمالٍ من مال اليمن ... فأخذه منه طلحة والزبير، فاستعانا به، وسارا نحو البصرة، ومرَّ القوم في الليل بماءٍ يقال له: ماء الحوأب، فنبحتهم كلابه، فقالت عائشة: ما هذا الماء؟ قال بعضهم: ماء الحوأب. قالت: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، ردُّوني ردُّوني، هذا الماء الذي قال لي رسول الله: لا تكوني التي تنبحك كلاب الحوأب» [تاريخ اليعقوبيّ ج2 ص181].
وانظر أيضاً: [مسند أبي يعلى ج8 ص282، مصنَّف الصنعانيّ ج11 ص365، مصنَّف ابن أبي شيبة ج21 ص482، مسند إسحاق بن راهويه ج3 ص891، دلائل النبوَّة ج6 ص410، صحيح ابن حبَّان ج15 ص126، المستدرك ج3 ص120، البداية والنهاية ج6 ص236، سير أعلام النبلاء ج2 ص230، وغيرها من المصادر الكثيرة عند القوم].
ثالثاً: حديث قسيم الجنَّة والنار:
1ـ رُوي عن أحمد بن حنبل أنَّه قيل له: «يا أبا عبد الله، ما تقول في هذا الحديث الذي روي: أنَّ عليّاً قال: أنا قسيم النار؟ فقال: ما تنكرون من ذا؟ أليس روينا أنَّ النبيّ (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) قال لعليٍّ: لا يحبُّك إلَّا مؤمنٌ ولا يبغضك إلَّا منافقٌ؟ قلنَّا بلى. قال: فأين المؤمن؟ قلنَّا: في الجنَّة، قال: وأين المنافق؟ قلنَّا: في النار، قال: فعليٌّ قسيم النار» [طبقات الحنابلة ج1 ص320].
2ـ وروى ابن حجر الهيتميُّ، فقال: «أخرج الدار قُطني أنَّ عليّاً قال للستة الذين جعل عمر الأمر شورى بينهم كلاماً طويلاً من جملته: أنشدكم بالله، هل فيكم أحدٌ قال له رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم): يا عليُّ، أنت قسيم الجنَّة والنار يوم القيامة، غيري؟ قالوا: اللَّهم لا. ومعناه: ما رواه غيره عن علي الرضا أنَّه (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) قال له: أنت قسيم الجنَّة والنار، فيوم القيامة تقول للنار: هذا لي، وهذا لك» [الصواعق المحرقة ج2 ص369].
3ـ وقال ابن أبي الحديد المعتزليُّ: «فقد جاء في حقِّه الخبر الشائع المستفيض: إنَّه قسيم النار والجنَّة» [شرح نهج البلاغة ج9 ص١٦٥].
وانظر أيضاً: [غريب الحديث لابن قتيبة ج1 ص377، مناقب علي لابن مردويه ص١٣٠، الغريبين في القرآن والحديث ج5 ص1543، نثر الدر في المحاضرات ج5 ص138، الشفا بتعريف حقوق المصطفى ص338، شرح الشفا ج1 ص687، المناقب للخوارزميّ ص٢٩٤، تذكرة الخواص ج1 ص١٢٣، كفاية الطالب ص٧١، مجمع الآداب ج3 ص351، فرائد السمطين ج1 ص325، عمدة الحفاظ ج3 ص362، تفسير الألوسيّ ج15 ص331، ينابيع المودَّة ج1 ص252، وغيرها].
رابعاً: حديث عليّ مع الحق، والحقّ مع عليٍّ:
1ـ روى الخطيب البغداديُّ بإسناده إلى أبي سعيد التميميّ، عن أبي ثابتٍ مولى أبي ذرٍّ قال: «دخلتُ على أمِّ سلمة، فرأيتها تبكي وتذكر عليّاً. وقالت: سمعتُ رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) يقول: عليٌّ مع الحقّ، والحقّ مع عليٍّ، ولنْ يفترقا حتَّى يردا عليَّ الحوض يوم القيامة» [تاريخ بغداد ج16 ص470].
2ـ وروى ابن عساكر بإسناده إلى عبيد الله بن عبد الله المدينيّ، وفيه قول سعد بن أبي وقاص لمعاوية: «أمَّا إذا أبيتَ، فإنِّي سمعتُ رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) يقول لعليٍّ: أنت مع الحقّ والحقّ معك حيثما دار. قال: فقال معاوية: لتأتيني على هذا ببينةٍ؟ قال: فقال سعد: هذه أمُّ سلمة تشهد على رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم)، فقاموا جميعاً فدخلوا على أمِّ سلمة، فقالوا: يا أمَّ المؤمنين، إنَّ الأكاذيب قد كثرت على رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم)، وهذا سعد يذكر عن النبيّ ما لم نسمعه، أنَّه قال: يعني لعليٍّ، أنت مع الحقّ والحقّ معك حيثما دار. فقالت أمُّ سلمة: في بيتي هذا قال رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) لعليّ» [تاريخ دمشق ج20 ص360].
3ـ وذكر ابن أبي الحديد المعتزليُّ في كلامٍ له، وفيه قوله: «قد ثبت عنه في الأخبار الصحيحة أنَّه قال: عليٌّ مع الحقّ، والحقّ مع عليٍّ يدور حيثما دار» [شرح نهج البلاغة ج2 ص297].
وانظر أيضاً: [الإمامة والسياسة ج1 ص٩٨، مناقب علي لابن مردويه ص١١٤، ربيع الأبرار ج2 ص173، صيد الخاطر ص٣٣١، المختار من مناقب الأخيار ج1 ص١٠٦، فرائد السمطين ج1 ص177، طبقات الحنابلة ج1 ص320، وغيرها من المصادر الكثيرة عند القوم].
خامساً: حديث لا يحبُّك إلَّا مؤمنٌ:
1ـ روى مسلمُ بن الحجَّاج بسنده الصحيح إلى عدي بن ثابت، عن زر قال: «قال عليٌّ: والذي فلق الحبَّة وبرأ النسمة، إنَّه لعهد النبيّ الأميّ (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) إليَّ: أنْ لا يحبُّني إلَّا مؤمنٌ، ولا يبغضني إلَّا منافقٌ» [صحيح مسلم ج1 ص86].
2ـ وروى أحمد بن حنبل بسنده إلى المطَّلب بن عبد الله بن حنطب، عن أبيه قال: «خطبنا رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) يوم الجمعة فقال: يا أيُّها الناس، قدِّموا قريشاً ولا تقدموها، وتعلَّموا منها ولا تعلِّموها ... إلى قوله: يا أيُّها الناس، أوصيكم بحبِّ ذي قرنيها أخي وابن عمِّي علي بن أبي طالب، فإنَّه لا يحبُّه إلَّا مؤمنٌ، ولا يبغضه إلَّا منافقٌ، من أحبَّه فقد أحبَّني، ومن أبغضه فقد أبغضني، ومن أبغضني عذَّبه الله (عزَّ وجلَّ)» [فضائل الصحابة ج2 ص622].
3- وروى الترمذيُّ بسندٍ حسنٍ إلى المساور الحميريّ، عن أمِّه قالت: «دخلتُ على أمِّ سلمة، فسمعتُها تقول: كان رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) يقول: لا يحبُّ عليّاً منافقٌ، ولا يبغضه مؤمنٌ» [سنن الترمذيّ ج5 ص٦٣٥\].
وانظر أيضاً: [الجمع بين الصحيحين ج1 ص172، فضائل الصحابة للنسائيّ ص17، تاريخ دمشق ج42 ص271، الاستيعاب ج3 ص1100، ذخائر العقبى ص91، الجوهرة في نسب النبيّ وأصحابه العشرة ج2 ص232، صحيح سنن النسائيّ ج3 ص1033، وغيرها من المصادر الكثيرة].
والنتيجة النهائيَّة من جميع ذلك: أنَّ دعوى السائل بطلان هذه الأحاديث المذكورة، وكونها من وضع الشيعة، لا تمتُّ إلى الحقيقة بصلة، بل هي ناشئةٌ عن جهلٍ أصيلٍ وحقدٍ راسخٍ، كما اتَّضح ممَّا تقدَّم.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق