هل ندم أمير المؤمنين (ع) بسبب حروبه الثلاثة؟

السؤال: عليّ بن أبي طالبٍ عندما رأى كثرة القتلى الذين سقطوا بسبب حروبه الثلاثة، ورأى أبناء عمِّه القرشيين قد قتل بعضهم البعض، وأنَّ الثارات عصفت ببيوت قريش بسببه، ندم ندماً شديداً على ما فعله، فقال نادماً: (لو ظننتُ أنَّ الأمر يبلغ ما بلغ ما دخلتُ فيه). فهل هو نادمٌ على ما فعله؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

يُشير السائل إلى ما رواه البلاذريُّ عن عمر بن محمَّد، ومحمَّد بن حاتم، وعبد الله بن صالح، قالوا: حدَّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالحٍ قال: قال عليٌّ: «لو ظننتُ أنَّ الأمر يبلغ ما بلغ ما دخلتُ فيه» [أنساب الأشراف ج2 ص٢١٣].

ولبيان الحال في هذا نتكلَّم في جملة أمور:

الأمر الأوَّل: أنَّ سند الرواية مرسلٌ؛ وذلك لأنَّ أبا صالح ـ وهو ذكوان بن عبد الله السمَّان بقرينة رواية الأعمش عنه ـ لم تثبت روايته عن الخلفاء، وإنَّما جاءت روايته عمَّن تأخَّر عنهم من الصحابة.

وقد نصَّ بعضُ النقّاد على أنَّ روايته عن أمير المؤمنين (عليه السلام) مرسلةٌ. قال الحافظ العلائيُّ: (ذكوان أبو صالح السمَّان: معروفٌ، قال أبو زرعة: لم يلقَ أبا ذر، وهو عن أبي بكر وعن عمر وعن عليّ مرسلٌ) [جامع التحصيل في أحكام المراسيل ص174].

الأمر الثاني: أنَّ هذا الحديث مرويٌّ في كتب المخالفين لنا، ومن الواضح أنَّ رواياتهم ليست حجَّةً علينا، ولا يصحُّ إلزامنا بها، وإنَّما تكون الحجَّة علينا فيما ثبت وروده في كتبنا المعتبرة عن أئمَّتنا الطاهرين (عليهم السلام). وعليه، فحتَّى لو سلَّمنا بصحَّة هذا الحديث وفق مبانيهم، فإنَّه لا يكون حجَّةً علينا، ولا يصحُّ إلزامنا بمضمونه، وهذا من الأمور الواضحة عند الجميع.

الأمر الثالث: أنَّ متن الحديث المذكور مجملٌ، فقوله (عليه السلام): «لو ظننتُ أنَّ الأمر يبلغ ما بلغ ما دخلتُ فيه» لا يُعلَم سياقه ومحلُّه حتَّى يُنظَر في دلالته، فقول السائل: (عندما رأى كثرة القتلى الذين سقطوا بسبب حروبه الثلاثة...) هو تحميلٌ للنص فوق ما يحتمل، وتبرُّعٌ من الخيال لسياق الحديث.

ثمَّ إنَّ هذا التوجيه المطروح في السؤال لسياق الحديث مبنيٌّ على حمل كلمة «الأمر» على (القتال)، فيصير المعنى: لو ظننتُ أنَّ القتال يبلغ ما بلغ ما دخلتُ فيه. وهذا المعنى بعيدٌ في حدِّ نفسه؛ لكونه (عليه السلام) مأموراً بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين كما سيأتي إنْ شاء الله تعالى.

الأمر الرابع: نحن نعتقد بأنَّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) من أهل العصمة الواجبة، تبعاً للأدلَّة القطعيَّة المذكورة في كتب العقيدة والكلام.

وعليه، فإنَّ كلَّ فعلٍ يقوم به لا بدَّ أنْ يكون نابعاً عن الحِكمة والمصلحة الشرعيَّة، ومن ذلك حروبه الثلاثة؛ ولذلك فلا يُمكن القبول بمثل هذه الروايات الدالَّة على ندمه وأسفه، لكونها تصادم ما ثبت من عصمته المطلقة، كما هو واضحٌ.

الأمر الخامس: أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان مأموراً من قِبل رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، وهذا يعني أنَّ قتاله لهم كان بأمرٍ من السماء، فكيف يُتصوَّر أنْ يندم (عليه السلام) على فعلٍ كان مأموراً به من قِبل الله تعالى ورسوله (صلَّى الله عليه وآله)؟!

1ـ روى سُليم بن قيس الهلاليُّ: «جلستُ يوماً إلى محمَّد بن مسلمة، وسعد بن مالك، وعبد الله بن عمر، فسمعتهم يقولون: لقد تخوَّفنا أنْ نكون قد هلكنا بتخلُّفنا عن نصرة عليٍّ وعن قتالنا معه الفئة الباغية. فقلتُ: اللَّهم إنّي قد سمعتُ عليّاً (عليه السلام) يقول: أمرني رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين. قال: فبكوا، ثمَّ قالوا: صدق عليٌّ (عليه السلام) وبرَّ، ما قال على الله، ولا على رسوله قطُّ إلَّا الحقَّ» [كتاب سُليم ص٤١١].

2ـ وروى محمَّد بن سُليمان الكوفيُّ بسنده إلى ابن عبَّاس قال: «قلتُ لأمّ سلمة زوج النبيّ (صلَّى الله عليه وآله): إنك لتكثرين من القول الطيِّب في عليّ بن أبي طالب دون نساء النبيّ، فهل سمعتِ من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في عليٍّ شيئاً لم يسمعه غيرك؟! قالت: يا ابن عبَّاس، أمَّا ما سمعتُ من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) فهو أكثر ممَّا أقدر أنْ أخبرك به، ولكنّي أخبرك من ذلك بما يكفيك ويشفيك... إلى قوله: يا أمّ سلمة، عليٌّ يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين بعدي» [مناقب أمير المؤمنين ج1 ص٥٤]. 3ـ وروى أبو بكر البزّار بسنده إلى عليّ بن ربيعة، عن عليٍّ قال: «عَهِد إليَّ رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) في قتال الناكثين، والقاسطين، والمارقين» [مسند البزار ج3 ص27].

وقد صرَّح الشوكانيُّ بثبوته عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) [يُنظر: الفتح الرباني ج2 ص976].

4ـ وروى ابن مردويه الأصفهانيُّ بسنده عن أبي سعيد التميميّ، عن عليٍّ (عليه السلام) قال: «عَهِد إليَّ رسول (صلَّى الله عليه وآله) أنْ أُقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين. فقيل له: يا أمير المؤمنين، مَن الناكثون؟ قال: الناكثون أصحاب الجمل، والمارقون الخوارج، والقاسطون أهل الشام» [مناقب علي ص١٦١].

5ـ وقال ابن أبي الحديد في هذا الحديث: (وهذا الخبر من دلائل نبوته (صلوات الله عليه)؛ لأنَّه إخبارٌ صريحٌ بالغيب، لا يحتمل التمويه والتدليس، كما تحتمله الأخبار المجملة) [شرح نهج البلاغة ج1 ص٢٠١]. إلى غير ذلك من المصادر الكثيرة الناقلة لهذا الخبر المبارك، كما لا يخفى على المطلع.

وللمركز جوابٌ بعنوان: (حديث الناكثين والقاسطين والمارقين)، وجوابٌ آخر بعنوان: (هل كانت حروب عليّ (ع) بأمر النبيّ (ص))، يمكن مراجعتهما.

الأمر السادس: لم يظهر من سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) العملية أيُّ ندمٍ أو أسفٍ تجاه القوم الذين حاربهم في فترة حكمه المبارك، ممَّا يكشف عن كون ذلك مرضيّاً عنده، وإلَّا فلو كان نادماً ـ كما قيل ـ لظهر ذلك في سلوكه الخارجيّ وسيرته العمليَّة، ولنُقل إلينا بصورةٍ مستفيضةٍ؛ لكون ذلك من الأمور المهمَّة في تاريخ الإسلام، التي تتوافر الدواعي على نقلها ووصولها إلينا.

وختاماً، نذكر كلمات العلَّامة الراحل السيد جعفر مرتضى العامليُّ (طاب ثراه) في هذا المجال، فإنَّه أحسن وأجاد، قال (طاب ثراه):

(رووا عن عليٍّ (عليه السلام) أنَّه قال: «لو ظننتُ أنَّ الأمر يبلغ ما بلغ ما دخلتُ فيه»!

ونقول: إنَّ هذه الأباطيل لا يُمكن إنْ تخدع أهل الحق، وهم يعلمون أنَّ الهدف منها هو بلبلة الأفكار، وتسميمها تجاه عليٍّ (عليه السلام)، ونحن نلاحظ هنا ما يلي:

1ـ إنَّ هذا النص المزعوم يريد أنْ يبطل جميع ما صدر عن عليٍّ (عليه السلام) من أخبارٍ عن الغيب، تدلُّ على أنَّه (عليه السلام) كان عالماً بأدقِّ تفاصيل ما يجري قبل وقوعه.

2ـ إنَّهم يريدون الإيحاء بأنَّه (عليه السلام) هو الذي يقرّر الدخول في أمر الخلافة وعدمه، وأنَّه لم يكن لديه أوامر محدَّدةٌ يعمل بموجبها، ولا كان يعمل بوصية رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، ولا كان منصوصاً عليه من الله ورسوله.

3ـ إنَّهم يريدون التسويق لمقولة: أنَّه (عليه السلام) كان قاصر النظر في السياسة، ولم يكن يعرف طموحات معاوية، وطلحة والزبير، وعائشة، وعداواتهم له، وأنَّهم لا يرضون منه بالحق والعدل، بل هم سوف يواجهونه بالحرب إنْ لم يحصلوا على ما يريدون، ولم يستطع أنْ يحسب الأمور حساباً دقيقاً يمكنه من استشراف الأحداث قبل وقوعها.

4ـ إنَّه (عليه السلام) قد أقدم على أمرٍ أوجب له الندم، فدلَّ ذلك على أنَّه لم يكن مسدَّداً ولا معصوماً، ولا منزَّهاً عن الخطأ، فها هو يخطئ في تقدير الأمور، فيدخل فيها، ثمَّ يكتشف خطأه ويندم.

5ـ ويكذِّب ذلك كلَّه: أنَّ عليّاً (عليه السلام) قد أخبرهم قبل أنْ يدخل في الأمر: بأنَّهم مُقدِمون على أمرٍ له وجوهٌ وألوانٌ، وبأنَّهم يواجهون فتنًا مقبلةً عليهم كقطع الليل المظلم، فما معنى القول هنا: بأنَّه لم يكن يعلم بأنَّ الأمور تبلغ ما بلغت؟! بل هو قد أخبر بما يكون من طلحة والزبير، ومعاوية، ومن الخوارج بالتفصيل، وكان (عليه السلام) والناس كلُّهم يعلمون أنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قد عَهِد إليه بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين الذين وصفهم بأنَّهم شرُّ أهل الأرض، ولا يقتلهم إلَّا خير خلق الله) [الصحيح من سيرة الإمام عليّ (ع) ج19 ص٣٥٤].

والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك: أنَّ الخبر المنقول في السؤال - مع انفراد المخالفين بنقله - مرسلٌ من حيث السند، مجملٌ من حيث الدلالة، كما أنَّه مخالفٌ لأمر الله تعالى ورسوله (صلَّى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين (عليه السلام) بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، ومخالفٌ أيضاً لعصمته (عليه السلام) وسيرته العمليَّة، كما تبيَّن مفصَّلاً.. والحمد لله ربِّ العالمين.