هل زرعت مؤسسة يهودية عقائد الإمامية؟

السؤال: الباحث العراقيّ عليّ الكاش، في كتابه «اغتيال العقل الشيعيّ»، يقول فيه إنَّ: «المعرفة العالية بتعاليم اليهوديَّة وما تضمّنته من أفكارٍ تؤكّد - بما لا يقبل الشكّ - وجود شخصيّاتٍ - وليس شخصيَّةً واحدةً - من اليهود هي مَن زوَّدت الإماميَّة بأفكار اليهود». ويلاحظ أنَّ: «البعض ممّن يتعجّب من وجود شخصٍ واحدٍ هو ابن سبأ الذي يلعب بالعقيدة الإسلاميَّة بمعزلٍ عن تدخّل واعتراض الصحابة وبقيّة المسلمين، لا يعني مطلقاً بأنَّه كان وحده يلعب في الميدان، بل هناك مؤسّسةٌ يهوديَّةٌ كبيرةٌ وراءه، وهو واجهتها الأماميَّة».

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

هذا الكلام يبدأ بافتراض وجود تشابهٍ بين بعض الأفكار اليهوديَّة وبعض العقائد الإماميَّة، ثمّ ينتقل من هذا التشابه إلى القول بوجود أشخاصٍ يهودٍ نقلوا تلك الأفكار، ثمّ ينتقل خطوةً أخرى إلى افتراض وجود «مؤسّسةٍ يهوديَّةٍ كبيرةٍ» تقف خلفهم! والمشكلة أنَّ كلّ انتقالٍ من هذه الانتقالات يحتاج إلى دليلٍ مستقلٍّ، ولا يكفي أنْ نفترض النتيجة ثمّ نجعلها دليلاً على نفسها.

فعبارة: «المعرفة العالية بتعاليم اليهوديَّة تؤكّد وجود شخصيّاتٍ يهوديَّةٍ زوَّدت الإماميَّة بأفكار اليهود» تقوم أساساً على مصادرةٍ واضحةٍ؛ فمن أين ثبتت هذه «المعرفة العالية» أصلاً إذا كان الدليل عليها هو وجود بعض أوجه التشابه؟ ثمّ أصبح التشابه نفسه دليلاً على وجود اليهود الذين نقلوا الأفكار، فنحن أمام استدلالٍ دائريٍّ: التشابه يثبت التأثّر باليهوديَّة، والتأثّر باليهوديَّة يفسّر التشابه!

والتشابه وحده لا يثبت الاقتباس، فالأديان الإبراهيميَّة تشترك بطبيعتها في كثيرٍ من المفاهيم: التوحيد، والنبوَّة، والوحي، والاصطفاء، والشرائع، والجزاء، وانتظار الخلاص، وغيرها، والقرآن نفسه يتحدّث طويلاً عن موسى وبني إسرائيل وأنبيائهم، فوجود مفهومٍ له شبيهٌ في التراث اليهوديِّ لا يعني أنَّ يهوديَّاً تسلّل إلى المسلمين وزرعه في عقيدتهم.

ولو جعلنا مجرّد التشابه دليلاً على الاقتباس، لانقلب الدليل على الإسلام كلّه؛ ففي الإسلام أمورٌ كثيرةٌ تشترك مع اليهوديَّة في أصل التوحيد والنبوَّة وبعض الأحكام والقصص والمفاهيم الدينيَّة، فهل نستنتج من ذلك أنَّ «مؤسّسةً يهوديَّةً» أنشأت الإسلام؟ بالطبع لا؛ لأنَّ التشابه بين فكرتين شيءٌ، وإثبات أنَّ إحداهما مأخوذةٌ تاريخيَّاً من الأخرى شيءٌ آخر تماماً.

بل حتى الأرقام والرموز لا تصلح وحدها دليلاً على الاقتباس، فإذا قيل مثلاً إنَّ وجود اثني عشر إماماً يشبه بعض التصوّرات الموجودة عند بني إسرائيل، فالقرآن نفسه يقول: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً﴾ [المائدة: 12]، كما أنَّ فكرة «الاثني عشر» ليست حكراً على الإماميَّة أصلاً، وقد وردت أحاديث الاثني عشر خليفة في مصادر إسلاميَّةٍ غير شيعيَّةٍ أيضاً. فمجرّد تكرّر العدد لا يكشف طريقاً تاريخيَّاً للانتقال، فضلاً عن أنْ يثبت مؤامرةً يهوديَّةً.

ولكي يثبت الباحث أنَّ عقيدةً إماميًّةً معيَّنةً منقولةً من اليهوديَّة، لا بدّ أنْ يثبت أموراً واضحةً: أنَّ الفكرة اليهوديَّة المحدّدة كانت موجودةً قبل ظهور الفكرة الإماميَّة، وأنَّها متطابقةٌ معها في عناصر مميّزةٍ لا في عموميَّاتٍ مشتركةٍ، وأنَّ هناك قناةً تاريخيَّةً معروفةً للانتقال، وأنَّ أشخاصاً معيّنين نقلوها، وأنَّ المصادر المبكّرة تشهد لهذا الانتقال، وأنَّ التفسير الداخليَّ الإسلاميَّ لظهور العقيدة لا يكفي لتفسيرها.

أمّا أن يقال: هناك تشابهٌ، إذن هناك يهودٌ، وإذن وراءهم مؤسّسةٌ؛ فهذا ليس بحثاً تاريخيَّاً، وإنّما بناء فرضيَّةٍ فوق فرضيَّةٍ.

والأغرب هو الانتقال من شخصٍ واحدٍ هو عبد الله بن سبأ إلى «مؤسّسةٍ يهوديَّةٍ كبيرةٍ»، فما الدليل على وجود هذه المؤسّسة؟ مَن هم رجالها؟ أين كانت؟ متى تأسّست؟ ما وثائقها؟ ما وسائل اتّصالها؟ مَن هم الذين نقلوا عنها؟ وكيف أمكن إثبات أنَّها كانت توجّه ابن سبأ؟ لا يقدّم الادّعاء شيئاً من ذلك، وإنّما يتمّ افتراض المؤسّسة لحلِّ مشكلةٍ تواجه النظريَّة نفسها: إذا كان من المستبعد أنْ يصنع فردٌ واحدٌ مذهباً كاملاً بين الصحابة والمسلمين، نقول إذن لم يكن وحده، بل كانت خلفه مؤسّسة!

وهذه طريقةٌ تجعل النظريّة غير قابلةٍ للاختبار؛ فكلّما غاب الدليل، قيل إنّ التنظيم كان سرّيَّاً، وكلّما لم نجد الأشخاص، قيل إنَّهم كانوا يعملون من وراء الستار، لكنّ التاريخ لا يثبت بهذه الطريقة، فالجهة السرّيّة لا تصبح حقيقةً تاريخيَّةً بمجرّد حاجتنا إليها لإنقاذ الفرضيَّة.

ثمّ إنَّ أصل التشيّع لا يحتاج إلى قصّةٍ يهوديَّةٍ لتفسير نشأته؛ فالخلاف على قيادة الأمّة بعد رسول الله، ومكانة عليٍّ وأهل البيت، وما وقع في السقيفة، ثمّ الأحداث السياسيَّة اللَّاحقة، كلّها وقائع داخل التاريخ الإسلاميِّ نفسه، قد يختلف المسلمون في تفسيرها وفي أحقيَّة كلِّ طرف، لكنّ تحويل هذا الخلاف الإسلاميَّ المعروف إلى منتجٍ استخباراتيٍّ يهوديٍّ يحتاج إلى دليلٍ أقوى بكثيرٍ من مجرّد العثور على أوجه شبهٍ عقديَّة.

بل إنّ ابن سبأ نفسه ـ على فرض التسليم بوجوده وبما نُسب إليه ـ لا تقدّمه المصادر الإماميَّة بوصفه معلّماً للأئمّة أو مؤسّساً لمذهبهم، وإنّما تنقل عنه الغلوّ في عليٍّ، وتروي تبرّؤ الأئمّة منه ولعنه، فكيف يصبح الرجل الذي تلعنه المدرسة بسبب غلوّه هو نفسه المصدر السرّيّ لعقيدتها؟!

وفي المحصّلة، التشابه لا يثبت الاقتباس، والاقتباس لا يثبت المؤامرة، والمؤامرة لا تثبت مؤسّسةً مجهولةً، وكلُّ حلقةٍ من هذه السلسلة تحتاج إلى دليلٍ مستقلٍّ.

أمّا أن يبدأ الباحث من النتيجة: «العقيدة الإماميَّة يهوديَّةٌ»، ثمّ يبحث عن أيّ تشابهٍ يؤيّدها، وحين يعجز شخصٌ واحدٌ عن تفسير الظاهرة يفترض وراءه مؤسّسةً كاملةً، فهذا لا يكشف عن تاريخ نشوء التشيّع بقدر ما يكشف عن الطريقة التي صُنعت بها الشبهة نفسها.