هل صنعت الشام دولة معاوية وأفشل العراق دولة علي (ع)؟

السؤال: هل للبيئة وطبيعة المجتمع دورٌ في توجيه الصراع وتحديد مساره؟ معاوية وعليٌّ، كلاهما من مكة. ذهب معاوية إلى الشام، فتطبّع بطباع أهلها، وانتفع من نوعيّة الناس هناك، فتمكّن من صناعة دولة، بعدما منحته الشام أدوات الحكم. بينما، عندما جاء عليٌّ إلى العراق، جلب الصحراء ـ فزاد الطين بلّةً ـ إلى بيئةٍ قبليّةٍ متناحرةٍ، ذات تركيبةٍ اجتماعيّةٍ صعبةٍ، فحُوصر بالشّقاق والنّفاق.

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

أوّل ما يلفت النظر في هذا الكلام قوله: إنَّ عليّاً ومعاوية «كلاهما من مكة»، ثمّ يجعل معاوية حين وصل إلى الشام ابن بيئتها، بينما يجعل عليّاً (ع) حين وصل إلى العراق حاملاً معه «الصحراء»! فإذا كانت البيئة الجديدة قادرةً على تشكيل معاوية، فلماذا لا تكون قادرةً على التأثير في تجربة عليٍّ (ع) أيضاً؟ وإذا كانت النشأة المكّيّة والصحراويّة هي العامل الحاسم عند عليٍّ (ع)، فلماذا اختفت تماماً عند الحديث عن معاوية؟ هنا يتمّ استعمال العامل نفسه بطريقتينِ مختلفتينِ بحسب النتيجة المطلوبة.

كما أنّ تصوير الشام وكأنّها مجتمعٌ منضبطٌ خالٍ من القبليَّة في مقابل عراقٍ قبليٍّ متناحرٍ، تبسيطٌ غير دقيق؛ فالقبائل والتحالفات القبليَّة كانت حاضرةً بقوّةٍ في الشام أيضاً، وكان معاوية نفسه يعتمد عليها في تثبيت حكمه، كما أنّ التركيبة القبليَّة المعقّدة في الكوفة سبقت مجيء الإمام عليٍّ (ع) إليها، فلم يكن عليٌّ (ع) هو الذي «جلب الصحراء» إلى العراق، كما يقول صاحب الادّعاء.

ويُضاف إلى ذلك: أنَّ المقارنة نفسها غير متكافئةٍ؛ فمعاوية لم يدخل الصراع مع عليٍّ (ع) وهو والٍ جديدٌ على الشام، بل كان قد أمضى سنواتٍ طويلةً في تثبيت سلطته، وبناء شبكةٍ من الولاءات والتحالفات، أمّا الإمام عليٌّ (ع)، فتولّى الخلافة في ظرف انفجارٍ سياسيٍّ بعد مقتل عثمان، ثمّ دخل مباشرةً في حرب الجمل، وبعدها صفّين، ثمّ واجه الخوارج؛ فمن الطبيعيّ أنْ يختلف موقع مَن يدخل الصراع بسلطةٍ مستقرّةٍ نسبيّاً عن موقع مَن يتسلّم دولةً تعيش أزمةً داخليَّةً عميقةً.

والعامل المهمّ الذي أغفله صاحب الادّعاء هو الفرق في طبيعة المشروع السياسيّ والأدوات المستخدمة في إدارة الصراع.

فالإمام عليٌّ (ع) لم يكن عاجزاً عن فهم أساليب السياسة والمناورة، وإنّما كان يرى أنَّ السلطة لا تبرّر الغدر والكذب وشراء المواقف ومجاوزة حدود الحقّ، وقد عبّر عن ذلك بوضوحٍ حين قال: «والله، ما معاوية بأدهى منّي، ولكنّه يغدر ويفجر، ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس».

وهذه العبارة تكشف جانباً أساسيّاً من المشكلة؛ فليس كلّ ما يحقّق مكسباً سياسيّاً كان الإمام عليٌّ (ع) مستعدّاً لفعله، كان مقيّداً بالعدل والحقّ حتى عندما تكون بعض التنازلات أو المناورات أكثر نفعاً له سياسيّاً، ومن هنا فإنّ مقارنة الطرفين بمجرّد النتيجة السياسيّة تتجاهل أنَّ أحدهما كان يضع لنفسه حدوداً أخلاقيَّةً وشرعيَّةً في إدارة السلطة والصراع.

فالالتزام بالعدل يصنع في الغالب خصوماً؛ لأنَّ العدل لا يرضي دائماً أصحاب المصالح، فحين يرفض الحاكم شراء الولاءات، أو منح الامتيازات على أساس القبيلة والمصلحة، أو السكوت عن التجاوزات حفاظاً على استقرارٍ سياسيٍّ مؤقّت، فإنّه قد يخسر بعض القوى التي كان يمكن استرضاؤها بوسائل أخرى؛ ولذلك لا يصحّ أن نفسّر كلّ اضطرابٍ في دولة عليٍّ (ع) بأنّه قصورٌ في قدرته على الحكم؛ فقد يكون بعض ذلك ثمناً لاختياره أنْ يحكم وفق ما يراه حقّاً.

ومن هنا، فالمشكلة في العبارة القائلة إنّ «الشام منحت معاوية أدوات الحكم، بينما عليٌّ جلب الصحراء إلى العراق» أنّها تختزل التاريخ في طبائع الشعوب، وتتجاهل ثلاثة أمورٍ أساسيّةٍ: أنّ معاوية دخل الصراع بعد سنواتٍ من تثبيت سلطته، وأنّ العراق كان يعيش أزمةً سياسيَّةً وقبليَّةً معقّدةً قبل وصول عليّ (ع)، وأنّ الإمام عليَّاً (ع) كان يتحرّك ضمن قيود الحقّ والعدل التي لم يكن مستعدّاً للتخلّي عنها من أجل المكسب السياسيّ.

وفي المحصّلة، نعم، للبيئة دورٌ، لكنّ البيئة لا تفسّر كلّ شيء، فالشام لم تصنع معاوية وحدها، والعراق لم يُفشل عليّاً (ع) وحده، هناك فرقٌ في الظروف، والزمن، والتحالفات، والأدوات السياسيَّة، وفوق ذلك فرقٌ بين مَن يرى أنَّ السياسة يجب أنْ تبقى محكومةً بالحقّ، ومَن يسمح لنفسه بمساحةٍ أوسع من المناورة لتحقيق الغلبة.

ولهذا، فإنّ قياس نجاح السياسيّ بمجرّد قدرته على تثبيت سلطته قياسٌ ناقصٌ؛ لأنَّ القدرة على الحكم شيءٌ، والاستعداد لفعل كلِّ ما يلزم للبقاء في الحكم شيءٌ آخر.