هل اختلف الأئمة (ع) في بيان لفظ الجلالة؟
السؤال: الملاحظ أنَّ معنى اسم (الله) يختلف بين أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، فعن الإمام الباقر (عليه السلام) أنَّه قال: (الله، معناه المعبود الذي أَلِهَ الخلق عن درك ماهيَّته والإحاطة بكيفيَّته). بينما قال الإمام العسكري (عليه السلام): (الله، هو الذي يَتألَّه إليه عند الحوائج والشدائد كلُّ مخلوقٍ عند انقطاع الرجاء من كلِّ من دونه). بينما قال الإمام الصادق (عليه السلام) في معنى لفظ الجلالة: (استولى على ما دقَّ وجلَّ). ما هو سبب الاختلاف في هذه الأحاديث الشريفة؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
في البداية لا بأس بأنْ نذكر الروايات الواردة في السؤال وبعدها نعلِّق عليها بما يناسب المقام إنْ شاء الله تعالى.
1ـ روى الشيخ الصدوق عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنَّه قال: «الله، معناه المعبود الذي أَلِهَ الخلق عن درك ماهيَّته، والإحاطة بكيفيته» [التوحيد ص٨٩]. أي: عجز الخلق عن إدراك حقيقة الله تعالى والإحاطة به.
2ـ وجاء في تفسير الإمام العسكريِّ (عليه السلام) أنَّه قال: «الله، هو الذي يَتألَّه إليه عند الحوائج والشدائد كلُّ مخلوق» [تفسير الإمام العسكريّ ص٢١]. أي هو الإله الذي يتوجَّه إليه الخلق عند الشدائد والحوائج.
3ـ وروى محمَّد بن مسعود العيَّاشيّ عن الحسن بن خرزاد قال: «كتبتُ إلى الصادق أسئل عن معنى الله، فقال: استولى على ما دقَّ وجلَّ» [تفسير العيَّاشي ج1 ص٢١]. أي أنَّ الله تعالى قد أحاط واستولى على كلِّ شيءٍ دقيقٍ أو جليلٍ.
إذا بان هذا، فنقول:
إنَّ سبب تعدّد كلمات الأئمَّة (عليهم السلام) في بيان معنى لفظ الجلالة هو لبيان الحيثيَّات التي يشتمل عليها لفظ الجلالة، وليس لوجود الاختلاف فيها كما قد يُتوهَّم.
فالرواية الأولى المرويَّة عن إمامنا الباقر (عليه السلام) تشير إلى أنَّ المخلوقات قد عجزت عن إدراك حقيقة ذات الله تعالى ومعرفة كنهه، فلا تستطيع أنْ تعرف حقيقة ذاته كما هي، كما أنَّها لا تستطيع أنْ تحيط بكيفيَّة ذاته، أو تتصوَّر كنهه تصوُّراً تاماً، وبذلك تكون الرواية ناظرةً إلى هذه الحيثيَّة والجهة من معنى لفظ الجلالة، مع السكوت عن باقي الجهات.
وأمَّا الرواية الثانية المرويَّة عن إمامنا العسكريّ (عليه السلام) فهي تشير إلى أنَّ الله تعالى هو الذي يتوجَّه إليه كلُّ مخلوقٍ بالعبادة والدعاء وطلب العون عند حاجته، ولا سيما حين تنزل به الشدائد والمصائب؛ وبذلك تكون الرواية المذكورة ناظرةً إلى هذه الجهة فقط، مع قطع النظر عن سائر الجهات.
وأمَّا الرواية الثالثة المرويَّة عن إمامنا الصادق (عليه السلام) فهي تشير إلى أنَّ الله تعالى له السلطان والقدرة على جميع الأشياء، صغيرها وكبيرها، ولا يخرج شيءٌ في هذا العالم عن قدرته وتدبيره، وكذلك تكون الرواية المذكورة ناظرةً إلى هذه الحيثية والجهة دون غيرها، كما صار واضحاً.
وعليه، فهذه الروايات المذكورة من قبيل المثبتات التي لا تنافي بينها؛ لكونها تشير إلى الجهات المتعدّدة في معنى لفظ الجلالة.
بقي شيءٌ:
قال الشيخ علي بن عبد الله البحرانيُّ:
«إنَّ علماء العربيَّة قد اختلفوا في لفظ الاسم المعظَّم، فمنهم من ذهب إلى أنَّه اسمٌ أصليٌّ غير مشتقٍّ من شيءٍ، جُعل ابتداءً علماً على ذات الواجب الحقّ (جلَّ وعلا) إذْ لا يشترط في كلِّ اسم أنْ يكون مشتقَّاً، ويُعزى هذا المذهب إلى الخليل بن أحمد الفراهيديّ، وعلى ما أفاد يكون الاسم علماً مرتجلاً من جملة الأعلام المرتجلة، كـ (زيد، وعمرو).
وجمهور النحويين أثبتوا أنَّه مشتقٌّ، ثمَّ اختلفوا أيضاً:
فمنهم: مَن ذهب إلى أنَّه مشتقٌّ من: (إِلَهٍ، إلهة)، فهو: (إلاه)، على وزن: (فِعال)، مكسور الفاء، كـ (عِصام، وزِمام)، بمعنى: مأْلُوه، أي: معبود، كـ(كتاب)، بمعنى: مكتوب، ثمَّ زيدت فيه (أل)، وحذفت منه الهمزة، التي هي فاؤه، فصار (الله) على وزن: (العَال)، ثمَّ جعل علماً على الذات الواجب الوجود.
ويصحّح هذا المذهب: قول مولانا أبي عبد الله جعفر بن محمَّد الصادق (عليه السلام) في خبر هشام بن الحكم: «يا هشام، الله مشتقٌّ من: إِلَهٍ، وَإِلَهٌ يقتضِي مَأْلُوهاً،، والاسم غير المسمَّى، فمن عبد الاسم دون المسمَّى فقد كفر، ولم يعبد شيئاً، ومن عبد الاسم والمسمَّى فقد أشرك، ومن عبد المسمَّى بوقوع الاسم عليه، فقد وحَّد الله»...
إلى قوله: ولكلٍّ من هذه المذاهب وجهٌ، وأصحُّ مذاهب الاشتقاق الأوَّل» [شرح لفظ الجلالة، المطبوع في مجلَّة تراثنا، العدد: 93 ص465 وما بعدها].
والنتيجة النهائيَّة من جميع ذلك: أنَّ هذه الأخبار المذكورة في صدد بيان الجهات المتعدّدة للفظ الجلالة، وليست من قبيل الاختلاف في المعنى الواحد، كما قد يُتوهَّم.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق