هل استعار القرآن وصف المسيح بـ «كلمة الله» من اللاهوت المسيحي؟
السؤال: استعارة المفهوم المسيحيّ في الإسلام وتفريغه من معناه: في اللَّاهوت المسيحيّ، لم تكن عبارة «كلمة الله» مجرَّد وصفٍ تشريفيٍّ، بل هو تعبيرٌ عن مفهومٍ فلسفيٍّ ولاهوتيٍّ محدَّدٍ هو اللوغوس، كما ورد في إنجيل يوحنَّا: «في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله» [يوحنَّا 1:1]. الكلمة هنا هي عقل الله الناطق، وتجسّده الفعليّ في التاريخ. عندما جاء الإسلام، استعار اللَّفظ عينه بصفته «كلمة منه» و«روح منه»، لكنه حاول بتر هذا اللَّفظ عن جذوره الفلسفيَّة بالادَّعاء أنَّ المقصود بـ «الكلمة» هو فقط الأمر التكوينيّ «كن»، وهنا تكمن الإشكاليَّة: لماذا تُطلق هذه الصفة الفريدة «كلمة الله» و «روح منه» على عيسى دون بقية الأنبياء إذا كان مجرَّد بشرٍ عاديّ؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
تقوم هذه الشبهة على مغالطةٍ أساسيَّةٍ، وهي افتراض أنَّ استعمال لفظٍ مشتركٍ بين دينَينِ يقتضي بالضرورة وحدة المعنى والمفهوم، ثمّ اتّخاذ المعنى الذي قرَّره أحدهما معياراً للحكم على الآخر.
فالمعترض يبدأ بتفسير «الكلمة» وفق لاهوت إنجيل يوحنَّا، ثمَّ يطالب القرآن بأنْ يلتزم بهذا التفسير، فإذا وجد أنَّ القرآن يستعمل اللفظ في سياقٍ مختلفٍ اتّهمه باستعارة اللّفظ وتفريغه من معناه! والحال أنَّ المعاني لا تثبت بمجرَّد التشابه في الألفاظ، وإنّما تتحدّد من خلال السياق الذي وردت فيه، والمنظومة المعرفيَّة التي تنتمي إليها، ومن ثَمَّ فإنَّ السؤال العلميَّ الصحيح ليس: لماذا لم يحتفظ القرآن بالمعنى المسيحيّ للكلمة؟ وإنّما: ما المعنى الذي قرَّره القرآن نفسه حين وصف المسيح بأنَّه كلمةٌ من الله؟
والقرآن لم يترك هذا المعنى غامضاً حتى نبحث عنه في اللَّاهوت المسيحيّ، بل بيَّنه بياناً صريحاً لا يحتمل الالتباس، فقال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 59]. وهذه الآية جاءت في سياق الحديث عن حقيقة المسيح، فجعلت خلقه نظيراً لخلق آدم، لا من جهة الوسائط والأسباب الطبيعيَّة، وإنَّما من جهة خضوعهما للإرادة الإلهيَّة المباشرة، فإذا كانت ولادة عيسى من غير أبٍ دليلاً على ألوهيَّته، فإنَّ خلق آدم من غير أبٍ ولا أمٍّ أولى بأنْ يكون دليلاً على ذلك! ولكن القرآن ينقض هذا الاستدلال من أساسه، ويقرّر أنَّ الخلق غير المعتاد لا يحول المخلوق إلى إلهٍ، وإنَّما يكشف عن قدرة الخالق.
بل إنَّ القرآن نفسه يفسّر وصف المسيح بالكلمة حين يقول: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: 45]، ثم يقول في السورة نفسها: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 47]، فتأمَّل كيف انتقل السياق من البشارة بـ«كلمةٍ منه» إلى بيان كيفيَّة تحقّق هذه البشارة بقوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾، فهل بعد هذا البيان يصحُّ الادّعاء بأنَّ تفسير الكلمة بالأمر التكوينيّ مجرَّد محاولةٍ لاحقةٍ لتفريغ اللَََّفظ من معناه؟ إنَّ هذا التفسير مستفادٌ من القرآن نفسه، وليس مفروضاً عليه من خارجه.
أمّا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: 171]، فإنَّ المعترض اقتطع منه وصف «كلمته» و«روح منه»، وتجاهل أنَّ الآية نفسها تبدأ بتحديد هوية المسيح بأنَّه ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾، ثمّ تنهى صراحةً عن الغلو فيه، فتقول: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾. فكيف يستدلُّ بآيةٍ على ألوهيَّة المسيح وهي نفسها تنفي عنه الألوهيَّة والبنوَّة الإلهيَّة؟ إنَّ هذا ليس تفسيراً للنص، بل انتقاءٌ لبعض ألفاظه، وإلغاءٌ للدلالة الصريحة التي سيقت الآية لتقريرها.
وأمّا وصف المسيح بأنَّه ﴿رُوحٌ مِنْهُ﴾، فلا يدلُّ على أنه جزءٍ من الذات الإلهيَّة؛ لأنَّ الإضافة إلى الله في القرآن لا تعني دائما الجزئيَّة أو الاتحاد بالذات، وإنما قد تكون إضافة خلقٍ أو ملكٍ أو تشريفٍ أو اختصاص، بحسب السياق؛ فقد قال تعالى عن آدم: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: 29]، وقال أيضاً: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة: 9]. فهل يلزم من ذلك أنَّ آدم يحمل جزءاً من ذات الله؟ وهل كلُّ إنسانٍ نفخ الله فيه من روحه يصبح إلهاً أو شريكاً لله؟ إنَّ الالتزام بهذا الفهم يؤدّي إلى نتائج لا يقول بها حتى أصحاب الشبهة أنفسهم.
والقرآن يستعمل الإضافة إلى الله في موارد كثيرةٍ، فيقول: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس: 13]، ويقول: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [البقرة: 125]. وليس معنى «ناقة الله» أنها جزءٌ من ذاته، ولا معنى «بيتي» أنَّ الله يحلُّ في الكعبة، وإنما الإضافة هنا تفيد الاختصاص والتشريف، وكذلك وصف المسيح بأنَّه روحٌ من الله لا يقتضي أنه جزءٌ من الله، بل يدلُّ على أنَّه مخلوقٌ نشأ بأمره وقدرته، وله خصوصيةٌ في خلقه ومقامه.
ويبقى سؤال المعترض: لماذا اختصّ عيسى بهذا الوصف دون بقية الأنبياء؟
والجواب: أنَّ اختصاص نبيٍّ بوصفٍ معيَّنٍ لا يستلزم اختلاف حقيقته عن سائر البشر، فضلاً عن أنْ يكون دليلاً على ألوهيَّته. فقد اختصَّ الله إبراهيم بوصف الخليل، فقال: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: 125]، واختصَّ موسى بالتكليم، فقال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164]، واختصَّ عيسى بأنَّه كلمةٌ منه، لأنَّ خلقه جاء على نحوٍ غير مألوف، من أمٍّ بلا أب، فكان وجوده آيةً ظاهرةً على نفاذ الإرادة الإلهيَّة من غير توقفٍ على الأسباب المعتادة؟
فالخصوصيَّة هنا في كيفيَّة الخلق ودلالتها على قدرة الله، لا في انتقال المخلوق من مرتبة العبوديَّة إلى مرتبة الألوهيَّة.
ثم إنَّ القول بأنَّ الإسلام «استعار» هذا المفهوم من المسيحيَّة لا يثبت بمجرَّد وجود اللفظ في النصين؛ إذ لا بد من إقامة دليلٍ تاريخيٍّ على الاقتباس، لا مجرَّد افتراضه.
وحتى لو ثبت وجود اصطلاحٍ سابقٍ، فإنَّ ذلك لا يلزم منه تبني جميع المعاني الفلسفيَّة واللاهوتيَّة التي أُلحِقت به، فالقرآن يخاطب الناس بلغةٍ مفهومةٍ، وقد يستعمل ألفاظاً معروفةً في بيئتهم، لكنّه يحدّد دلالاتها ضمن رؤيته التوحيديَّة، وليس لأحدٍ أنْ يلزمه بمعنىً اصطلاحيٍّ قرَّرته منظومةٌ دينيَّةٌ أخرى.
والأهم أنَّ القرآن لم يكتف بنفي ألوهيَّة المسيح من خلال الاستدلال بخلقه، بل نقل عن المسيح نفسه قوله: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: 30]، وقال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: 75]. فالقرآن يقرّر حقيقة المسيح في عباراتٍ مباشرةٍ، ويجعل بشريَّته وعبوديَّته لله أصلاً لا يجوز تجاوزه بسبب تأويل لفظٍ من الألفاظ.
وفي المحصّلة، فإنَّ مغالطة المعترض أنَّه جعل اللَّاهوت المسيحيّ أصلاً يجب أنْ يخضع له القرآن، ثم اتَّهم القرآن بتحريف المعنى حين لم يوافقه، بينما الحقيقة أنَّ وصف المسيح بـ «كلمة الله» و«روح منه» لا يمكن فصله عن السياق القرآنيّ الذي يفسّره ويحدّد دلالته، فالقرآن لم يستعر ألوهيَّة المسيح ثمَّ يتراجع عنها، وإنَّما قرَّر منذ البداية أنَّ المسيح عبد الله ورسوله، وأنَّ خلقه المعجز آيةٌ من آيات القدرة الإلهيَّة، ومن أراد مناقشة القرآن فعليه أنْ يناقشه وفق ما يقوله بالفعل، لا وفق المعاني التي يريد أنْ يفرضها عليه من خارجه.
اترك تعليق