هل يجوز للعاصي أن ينهى غيره عن المعصية التي يرتكبها؟

السؤال: إذا ارتكب الانسان بعض المعاصي، والشيطان يغلبه على ذلك، هل يجوز له أنْ ينهى الآخرين عن ارتكاب المعاصي نفسها؟ والله (عزَّ وجلَّ) يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

نعم، بل قد يجب عليه ذلك إذا توفَّرت شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنَّ ارتكاب الإنسان المعصية لا يُسقط عنه واجب النهي عنها، وإلَّا لكان معنى ذلك أَّنَّ المعصية الواحدة تبيح لصاحبها معصيةً أخرى، وأنَّ من عجز عن إصلاح نفسه فقد سقطت عنه مسؤوليَّة الإصلاح في المجتمع، وهذا منطقٌ لا يقرُّه عقلٌ ولا شرعٌ.

والخطأ في هذا الإشكال هو الخلط بين واجبين مستقلين: واجب الإنسان في اجتناب المعصية، وواجبه في نهي الآخرين عنها، فمن ارتكب محرَّماً فقد خالف التكليف الأول، ولكنَّه لا يُصبح بذلك معذوراً في مخالفة التكليف الثاني، فهل يعقل أنْ نقول لمن ابتلي بشرب الخمر: بما أنَّك تشرب الخمر فلا يجوز لك أنْ تنصح أبناءك أو أصدقاءك بالابتعاد عنها؟!

وهل يصبح السكوت عن المنكر فضيلةً لمجرّد أنَّ الناهي عنه لم يستطع التخلّص منه؟!

إنَّ الشيطان يريد من الإنسان أنْ يرتكب المعصية، فإذا ارتكبها أراد منه أنْ يسكت عن إنكارها، وبذلك يجمع عليه هزيمتين بدلاً من واحدة.

أمَّا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3]، فهو توبيخٌ لمن يخالف عمله قوله، وليس ترخيصاً له في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالآية تطالبه بأنْ يُصلح عمله ليوافق قوله، ولا تطالبه بأنْ يترك قول الحقّ حتى يوافق عمله الفاسد!

وكذلك قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44]، فالاعتراض القرآنيُّ ليس على أمر الناس بالبرّ، وإنَّما على نسيان النفس وترك العمل بالبرّ؛ ولذلك لم يقل القرآن: لماذا تأمرون الناس بالبرّ؟ وإنما قال: ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾، وهذا فرقٌ جوهريٌّ في فهم الآية.

وقد جاء عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «وأمُرُوا بالمعروف وائتمروا به، وانهَوْا عن المنكر وتناهَوا عنه» [وسائل الشيعة ج16 ص151]، فجمع الإمام بين المسؤوليتين: أنْ يأمر الإنسان غيره بالمعروف، وأنْ يلتزم به في نفسه، وأنْ ينهى غيره عن المنكر، وأنْ ينتهي عنه هو أيضاً، فلم يجعل أحد الواجبين بديلاً عن الآخر.

نعم، ينبغي التفريق بين من يرتكب المعصية وهو يعترف بخطئه ويجاهد نفسه للتخلّص منها، وبين من يتظاهر بالصلاح ويجعل من نهي الآخرين وسيلةً للتعالي عليهم، أو إخفاء فساده؛ فالأول مؤمنٌ مبتلىً يحتاج إلى مجاهدة نفسه، ولا ينبغي أنْ يمنعه ابتلاؤه من نصح غيره، أما الثاني فيضيف إلى معصيته آفة الرياء والنفاق العمليّ.

ومن هنا، فإنَّ من غلبته نفسه على معصية، ثم رأى غيره يقع فيها، يستطيع أنْ ينهاه عنها بصدقٍ وإخلاصٍ، بل قد تكون تجربته مع المعصية سبباً في إدراكه خطورتها، فيكون أقدر على تحذير الآخرين من عواقبها، وليس من الضروري أنْ يقدّم نفسه مثالاً للكمال، وإنَّما يكفي أنْ يبيّن حكم الله ويحذّر من مخالفته، وهو يعلم أنَّه أوَّل المحتاجين إلى هذه الموعظة.

وفي المحصّلة، ليس المطلوب من الإنسان أنْ يكون معصوماً حتى يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وإنّما المطلوب أنْ يجاهد نفسه على الطاعة، وأنْ يدعو غيره إليها، فلا يجوز أنْ يجعل من معصيته مبرّراً للسكوت عن الحقّ، كما لا يجوز أنْ يجعل من دعوته إلى الحقّ مبرّراً للاستمرار في المعصية، فالواجب أنْ يصلح نفسه وينصح غيره، وإذا عجز عن الأول فلا ينبغي أنْ يتخلَّى عن الثاني؛ لأنَّ العجز عن أداء واجبٍ لا يبرّر التفريط في واجبٍ آخر.