هل كل قراءة معاصرة للقرآن تعد تفسيراً صحيحاً؟
السؤال: يطرح البعض أهمية تحديث التفسير وإيجاد منظومةٍ جديدةٍ فيه؛ لأنَّ القرآن هو لكلِّ زمان، وفي كلِّ زمان له فوائد جديدةٌ تنبثق للناس، وبذلك يكون مواكباً للحياة، وعليه يجب تقبُّل ما جاء به الدكتور شحرور وسبط النيليّ من رؤى عصريَّة لا الحرب عليها والإقامة على تفاسير القدماء.
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
سبق أن ناقشنا في موقعنا ما يُسمَّى بـ«القراءات المعاصرة للقرآن»، وبيَّنَّا أنَّ المشكلة ليست في كون التفسير جديداً أو قديماً، وإنَّما في المنهج الذي يُفهم به النص، فليس كلُّ جديد صحيحاً لمجرَّد أنَّه معاصر، كما أنَّ القديم لا يصبح صحيحاً لمجرَّد قدمه.
والقول إنَّ القرآن لكلِّ زمان ومكان قول صحيح، لكن لا ينتج منه أنَّ لكلِّ عصر الحقَّ في أنْ يعيد تشكيل معاني القرآن بحسب ثقافته السائدة. فكون القرآن صالحاً لكلِّ زمان يعني قدرته على هداية الإنسان في الوقائع والأسئلة المتجدِّدة، لا أنْ تتغيَّر دلالات ألفاظه كلَّما تغيَّرت الأفكار والثقافات.
وهنا ينبغي التفريق بين أمرين: تجدُّد التفسير، وتغيير قواعد فهم النص.
فتجدُّد التفسير أمرٌ طبيعيٌّ ومطلوبٌ؛ لأنَّ كلَّ عصرٍ يطرح أسئلةً جديدةً ويواجه قضايا لم تكن مطروحةً بالصورة نفسها من قبل، ويمكن للمفسِّر أنْ يعود إلى القرآن ليستكشف موقفه منها، وأنْ يستفيد من تطوُّر المعرفة واللغة والتاريخ والعلوم الإنسانية في توسيع فهمه للنص.
أمَّا أنْ نأتي إلى القرآن ومعنا نتائج مسبقة نؤمن بها، ثمَّ نعيد تعريف ألفاظه ونغيِّر دلالاتها حتَّى توصلنا إلى تلك النتائج، فهذا ليس تجديداً للتفسير، وإنَّما تحميلٌ للنص بما هو خارج عنه.
وهذا هو الإشكال الأساسي في كثير ممَّا يُسمَّى بـ«القراءات المعاصرة»، فلا توجد أصلاً «ثقافة معاصرة» واحدة يمكن جعلها مرجعاً نهائياً لفهم القرآن؛ فالعصر نفسه مليءٌ باتِّجاهاتٍ فلسفيَّةٍ وأخلاقيَّةٍ متعارضة. فما يعتبره تيَّار معاصر تقدُّماً قد يراه تيَّار آخر انحرافاً. فإذا جعلنا «روح العصر» حكماً على القرآن، فأيُّ روحٍ نقصد؟
ومن هنا تأتي المشكلة في منهج محمَّد شحرور؛ فقد سبق أنْ أشرنا إلى أنَّ كثيراً من نتائجه لا تنطلق من دلالة النص ثمَّ تنتهي إلى النتيجة، وإنَّما تنطلق من نتيجةٍ مرغوبةٍ ثمَّ تعيد ترتيب اللغة حتَّى تصل إليها، وقد نقلنا في إجابةٍ سابقةٍ نقد السيد ماهر المنجد في كتابه «الإشكالية المنهجية في الكتاب والقرآن»، حيث بيَّن جملة من المشكلات في منهج شحرور، منها مخالفة خصائص العربية، واجتثاث المفردة من سياقها، وإهمال كثيرٍ من قواعد الصرف والاشتقاق، وإقحام تصوُّراتٍ سابقةٍ في النص.
ومثال ذلك تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]، بمعانٍ بعيدة عن القطع المعروف، سعياً إلى جعل الحكم أكثر قبولاً في الذوق المعاصر. والمشكلة هنا ليست أنَّه جاء بمعنى جديد، وإنَّما أنَّ السؤال هو: هل اللغة والسياق يسمحان بهذا المعنى أم لا؟ فإذا لم يسمحا به، فلا تنقذه كلمة «معاصر».
والأمر نفسه ينطبق على عالم سبيط النيلي أو غيره، فكونه يقدِّم «منهجاً لفظياً» أو قراءةً جديدةً لا يمنحه حصانةً من النقد، فكلُّ قاعدة يضعها لفهم القرآن يجب أنْ تخضع للاختبار: هل تنسجم مع العربية؟ هل يقرُّها الاستعمال القرآني؟ هل تصمد أمام موارد النص المختلفة؟ أم أنَّها تنتج المعنى الذي يريده صاحب المنهج مسبقاً؟
فالمعيار ليس أنْ نقول: هذا تفسيرٌ قديمٌ فنرفضه، أو تفسيرٌ حديثٌ فنقبله، وإنَّما أنْ نسأل: ما دليله؟
بل إنَّ مجرَّد الادِّعاء بأنَّ التفسير ينطلق من «استعمال القرآن نفسه» لا يكفي لإثبات صحة المنهج؛ لأنَّ السؤال الأهم هو: كيف حُدِّد معنى اللفظ من داخل القرآن؟ هل جُمعت جميع موارده، ورُوعي السياق والتركيب والنحو والاستعمال العربي والقرائن المختلفة، أم انتُقيت بعض المواضع ثمَّ وُضعت قاعدةٌ خاصَّةٌ على أساسها وأُعيد تفسير بقية الآيات وفق تلك القاعدة؟ فالمفسِّر قد يعلن أنَّه لا يخرج عن القرآن، لكنَّه في الحقيقة يدخل إليه بمجموعةٍ من الافتراضات اللغوية المسبقة ثمَّ يجعل النص شاهداً عليها، ومن هنا فالمعيار ليس رفع شعار «القرآن يفسِّر نفسه»، وإنَّما أنْ تكون الطريقة التي استُخرج بها المعنى منضبطةً وقابلةً للاختبار في جميع موارد الاستعمال، لا أنْ تنتج معنى جديداً بمجرَّد إعادة تعريف الكلمات.
ومن الخطأ أيضاً تصوير الأمر وكأنَّنا أمام خيارين فقط: إمَّا الجمود على تفاسير القدماء، وإمَّا التسليم لشحرور والنيليّ، فالمفسِّر المعاصر يستطيع أنْ ينقد القدماء ويخالفهم ويكتشف وجوهاً جديدة، ولكن عليه أنْ يفعل ذلك من داخل قواعد الفهم المنضبط، لا بإلغاء اللغة والسياق وإعادة بناء النص وفق الذوق المعاصر.
وفي المحصِّلة، نعم، القرآن لكلِّ زمان، ولذلك يجب أنْ يستمرَّ الاجتهاد في فهمه واستنطاقه في مواجهة الأسئلة الجديدة، لكن تجدُّد الأسئلة لا يعني تبدُّل معاني الألفاظ، وتجدُّد الواقع لا يمنحنا حقَّ اختراع دلالاتٍ جديدةٍ بلا دليل، ومن هنا لا نرفض شحرور أو النيلي لأنَّهما معاصران، ولا نقبلهما لأنَّهما معاصران؛ بل نعرض منهجهما على القرآن واللغة والدليل.
فالقرآن يحتاج إلى مفسِّرٍ يفهم العصر، نعم، لكنَّه لا يحتاج إلى مفسِّر يعيد كتابة القرآن حتَّى يرضى عنه العصر.
اترك تعليق