هل في فقدان رجال الكشي لغز؟

السؤال: أين كتاب الكشيّ؟ كيف فُقِد؟ ولماذا لم يصلنا شيءٌ عنه؟ وكيف يقول الطوسيّ: إن فيه خرطاً وفساداً؟ والنجاشيّ يصف كتاب الكشيّ بنصّه: «فيه أغلاطٌ كثيرةٌ، وتصحيفاته أكثر من أن تُحصى، وإنّما السالم منه معدود». مَن الطوسيّ ليتطاول على سيّده الكشيّ؟ ولماذا سكت الجميع عن ضياع كتابه؟ هل كان الكشيّ ممّن يؤمنون برؤية الربّ؟ وإذا كان كتابه أوّل كتابٍ رجاليٍّ، كيف يتمّ فقدانه والاعتماد على أناسٍ عاشوا بعده ليقيّموا أهل زمانه؟ هل تعلمون أنّ كتاب الكشيّ تمّ إتلافه من قبل النجاشيّ والطوسيّ، وكان ذلك للطعن بأهل التوحيد، ولمنع عوامّ الشيعة من معرفة ما حدث في فترة الكلينيّ والسفراء؟

: الشيخ علي البقال

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

يتَّضح الجواب عن هذا السؤال - بشقوقه المختلفة - بالتعرُّض إلى عدَّة نقاط:

النقطة الأولى: دراسة حال الشيخ الكشيّ:

يُعدُّ الشيخ محمَّد بن عمرو بن عبد العزيز الكشيّ أحد أعلام الطائفة، كان قد تلمذ على الشيخ محمَّد بن مسعود العياشيّ وتخرَّج عليه، قال الشيخ النجاشيّ: (صحب العياشيَّ، وأخذ عنه، وتخرَّج عليه وفي داره التي كانت مرتعاً للشيعة وأهل العلم) [رجال النجاشي ص372]، ثمَّ رحل إلى الحواضر العلميَّة، وحضر على مشايخ خراسان وقم وبغداد والكوفة وغيرها، ويقال إنَّه توفِّي سنة (350هـ).

لا إشكال في وثاقته، قال الطوسيّ: (ثقة، بصير بالأخبار والرجال)، وقال النجاشيّ: (كان ثقة، عيناً) [ينظر: الفهرست ص217، رجال الطوسيّ ص440، رجال النجاشيّ ص372].

وهو أحد أسلاف الإماميَّة، كان سليم الاعتقاد، حسن المذهب، كما نصَّ على ذلك العلماء، قال الشيخ الطوسيّ: (حسن الاعتقاد)، وقال: (مستقيم المذهب) [الفهرست ص217، الرجال ص440].

وهذا التنصيص واضحٌ في عدم سلوكه المذاهب الرديئة والآراء الباطلة، ومن ذلك يُعلم جواب ما ورد في السؤال: (هل كان الكشيّ ممَّن يؤمنون برؤية الرب؟)؛ إذ كانت اعتقادات الشيخ الكشيّ سليمة، ولو ظهر منه أو حُكي عنه شيءٌ من هذا القبيل لنُقل عنه واشتهر به، ولنصَّ العلماء على ذلك في ترجمته، كما نجد الشيخ ينصُّ على ذلك ترجمة غيره بقوله: (ثقة في روايته، غير أنَّه حُكي عنه مذاهب فاسدة في الأصول، مثل القول بالرؤية وغيرها) [الفهرست ص85].

النقطة الثانية: تصنيف الكشيّ لكتاب الرجال:

اهتمَّ علماء الشيعة بنقد الأحاديث والرجال، وصنَّفوا في ذلك العديد من المصنَّفات، من أمثال: ابن فضال الذي كان له كتابٌ في الرجال [ينظر: رجال النجاشي ص94]، وتوفَّرت جملة من تلك المصنَّفات عند الشيخ الكشيّ، وتلقَّاها عن مشايخه، وصنَّف -مستفيداً منها -كتابه في الرجال، كما يُعلم ذلك عند دراسة الكتاب والاطِّلاع على مصنَّفات الإماميَّة. وبهذا يتبيَّن أنَّ ما ورد في السؤال من أنَّ كتاب الكشيّ هو (أوَّل كتابٍ رجاليٍّ) محض اشتباه. نعم، يُعدُّ كتابه من المصادر المعوَّل عليها عند مَن جاء بعده، كما أنَّه يُعدُّ بالنسبة لنا من المصادر الأوَّليَّة؛ لفقدان كثير من المصادر التي سبقته.

وقد تلقَّى الكتاب عن الكشيّ جمعٌ من الأعلام، منهم: الشيخ التلعكبريّ، والشيخ ابن قولويه القميّ، وتلقَّاه عنهما جماعةٌ من المشايخ مثل أحمد بن علي بن نوح، وتلقَّاه عنهم: الشيخ الطوسيّ والشيخ النجاشيّ.

وقد تصدَّى الشيخ الطوسيّ لاختصار الكتاب، وعُرف بعنوان: (اختيار معرفة الرجال)، وهو الذي وصل إلى المتأخِّرين، وقد يُطلق عليه (رجال الكشيّ)، وأمَّا أصل الكتاب فقد فُقِد كأكثر تراثنا، وسيأتي الكلام حول ذلك في بعض النقاط الآتية.

النقطة الثالثة: اعتناء النجاشي والطوسي برجال الكشيّ:

من الواضح أنَّ كتاب الكشيّ كان موجوداً ومتداولاً في زمان الشيخين النجاشيّ والطوسيّ، ويظهر هذا من نقلهما عنه في أكثر من مورد.

فنلاحظ مثلاً الشيخ النجاشيّ يقول - في ترجمة إبراهيم بن هاشم القميّ -: (أصله كوفيّ، انتقل إلى قم، قال أبو عمرو الكشيّ: تلميذ يونس بن عبد الرحمن من أصحاب الرضا (ع). هذا قول الكشيّ، وفيه نظر..) [رجال النجاشي ص16].

ويقول - في ترجمة إبراهيم بن أبي بكر محمَّد -: (ثقةٌ هو وأخوه إسماعيل بن أبي السمال، رويا عن أبي الحسن موسى (ع)، وكانا من الواقفة، وذكر الكشيّ عنهما في كتاب الرجال حديثاً: شكَّا ووقفا عن القول بالوقف..) [رجال النجاشي ص21].

ويقول - في ترجمة الحسن بن علي بن فضال -: (لم يذكره أبو عمرو الكشيّ في رجال أبي الحسن الأوَّل. قال أبو عمرو: قال الفضل بن شاذان: كنت في قطيعة الربيع في مسجد الربيع أقرأ على مقرئ -يُقال له: إسماعيل بن عباد -فرأيت قوماً يتناجون...) [رجال النجاشي ص34].

وكذلك الشيخ الطوسي، فإنَّه نقل عنه في فهرسته ورجاله، فقال - في ترجمة أحمد بن داود -: (فمن كتبه: كتاب الردّ على الحنبليّ، كتاب الردّ على السجزيّ، كتاب في نكاح السكران، ذكره الكشيّ في كتابه في معرفة الرجال) [الفهرست ص80].

وقال في ترجمة داود بن أبي زيد: (ثقة، صادق اللهجة، من أصحاب علي بن محمَّد الهادي (ع)، وله كتب ذكرها ابن النديم والكشيّ في كتابه) [الفهرست ص183].

وأوضح من ذلك: أنَّه صنَّف كتاب (اختيار معرفة الرجال)، والذي هو اختصار وتهذيب لكتاب رجال الكشيّ، وهذا يكشف عن وجود أصل الكتاب عنده.

وبهذا يتبيَّن أنَّ كتاب رجال الكشيّ كان مورد اعتناء الشيخين النجاشيّ والطوسيّ.

النقطة الرابعة: هل طعن الشيخان النجاشيّ والطوسيّ برجال الكشيّ؟

حاول السائل أنْ يثبت عدم اعتداد الشيخين بهذا الكتاب، اعتماداً على توصيفهما له بوجود أخطاءٍ كثيرةٍ فيه.

وفي مقام التعليق على هذه الدعوى نقول:

أوَّلاً: إنَّ توصيف رجال الكشيّ بأنَّ فيه أغلاطاً، ورد في كلام النجاشيّ، وذلك في قوله: (له كتاب الرجال، كثير العلم، وفيه أغلاطٌ كثيرة) [رجال النجاشي ص372]. ولم يرد في كلام الشيخ الطوسيّ، إذ إنَّه اقتصر في [الفهرست ص217] على عبارة: (له كتاب الرجال، أخبرنا به جماعة...)، وفي [الرجال ص440] على عبارة: (صاحب كتاب الرجال)، مع توصيفه له في الموضعين بأنَّه (بصيرٌ بالأخبار والرجال) – كما تقدَّم نقله -.

وبهذا يتبيَّن أنَّ ما ورد في السؤال: (وكيف يقول الطوسيُّ: إن فيه خرطاً وفساداً؟)، ما هي إلَّا نسبةٌ مكذوبةٌ وباطلةُ.

كما يتبيَّن أيضاً أنَّ ما ورد فيه: (والنجاشيّ يصف كتاب الكشيّ بنصّه: «فيه أغلاطٌ كثيرةٌ، وتصحيفاته أكثر من أن تُحصى، وإنَّما السالم منه معدود») فاسدٌ، فإنَّ النجاشيّ وصف الكتاب بأنَّه (كثير العلم، وفيه أغلاطٌ كثيرةٌ).

وأمَّا تتمَّة العبارة: (وتصحيفاته..) فلم ترد في عبارة النجاشيّ، وإنَّما هذه العبارة للمحقِّق التستريّ في [قاموس الرجال ج1 ص43].

وثانياً: قد تقدَّمت بعض الموارد التي قد اعتمد فيها الشيخان على ما نقله الكشيّ، وفي جملةٍ منها يظهر اعتمادهما عليه لا مجرَّد النقل فقط، وهذا يكشف عن عناية واهتمام بهما بهذا الكتاب.

وثالثاً: أنَّ أصل تأليف الشيخ الطوسيّ لكتاب (الاختيار) - الذي هو قطعةٌ مختارةٌ من كتاب الكشيّ - يكشف عن عنايةٍ واهتمامٍ بهذا الكتاب، وإلَّا لو كان الكتاب في نظره ساقطاً عن الاعتبار لكثرة الأخطاء فيه فلماذا يتكلَّف الشيخ بتهذيبه وتخليصه ممَّا علق فيه من أخطاء وتحريفات؟!

والذي يشهد بهذه المقالة - أنَّ نفس تأليف كتابٍ يختصر كتاب الكشيّ يكشف عن اهتمامٍ وعنايةٍ -: هو اختصار الشيخ لكتاب الشافي للسيد المرتضى، حيث بيَّن هناك الوجه الذي دفعه لاختصار كتاب الشافي، فقال – بعد أنْ أوضح مزايا وخصائص كتاب الشافي -: (ورأيت جماعةً من أصحابنا - أيَّدهم الله - متشوِّقين إلى تلخيص هذا الكتاب، وإسقاط ما تكرَّر منه، وردِّ كلِّ شيءٍ منه إلى نظيره، والجمع بين متفرِّقه، وترتيبه ترتيب المصنِّفين؛ فلمَّا رأيتُ حرصهم على ذلك - مع ما علمت فيه من عظم المنفعة في الدين، وجزيل الثواب عند اللّه تعالى، وجميل الذكر - قصدت إلى تلخيصه، وعمدت إلى أنْ أقدِّم في أوَّل الكتاب ما لا يُستغنى عن معرفته من كيفية اختلاف الناس في الإمامة، ثمَّ أرتِّبه حسب ما ذكرته..) [تلخيص الشافي ج1 ص61 بتصرُّف].

وهذا الوجه وإنْ كان ناظراً لكتاب الشافي، إلَّا أنَّه يمكن أنْ يُفهم منه طريقةٌ عامَّةٌ كان يتَّبعها الشيخ مع المصنَّفات المهمَّة التي تتَّصف بالطول، فيقوم باختصار مطالبها وجعلها في مصنَّف مستقل مختصر.

وسيأتي مزيد تفصيلٍ عن ذلك في النقطة اللاحقة.

ورابعاً: أنَّ هذه الأخطاء الكثيرة التي نصَّ الشيخ النجاشيّ (طاب ثراه) على وجودها في كتاب الكشيّ لا يخلو حالها من أحد احتمالين:

أحدهما: أنْ تكون من قبيل الأخطاء التي لا تضرُّ باعتبار الكتاب في الجملة، من قبيل الأخطاء الفنية كالخلط بين العنوان والمعنون، وتكرار بعض الأسماء، وتأخير ما حقُّه أنْ يقدَّم، أو تقديم ما حقُّه أنْ يؤخَّر، وما إلى ذلك، ومن قبيل الأخطاء اللفظيَّة الناشئة من التصحيف بأقسامه المختلفة.

والآخر: أنْ تكون من قبيل الأخطاء التي توجب سقوط الكتاب عن الاعتبار، ككون مؤلِّفه غير ثقةٍ لا يُعتمد عليه، أو كونه غير ضابط، أو اشتمال الكتاب على كثيرٍ ممَّا يُقطع بكذبه، أو اشتمال أغلبه على ما لا يُعتمد عليه.

ومراده من الأغلاط الكثيرة هو النحو الأوَّل لا الثاني، والذي يدلُّ على ذلك قرائن متعدِّدة:

1ـ مدح المؤلِّف والمؤلَّف كما سبق بيانه في النقاط السابقة، فهو ثقة، بصيرٌ بالأخبار والرجال، وفي كتابه علمٍ كثير؛ إذ كثرة العلم تدلُّ على كثرة المعلومات الصحيحة.

2ـ اعتماد الشيخين في مواضع متعدِّدة على ما ذكره الكشيّ، وهذا لا يعني عدم مخالفتهما له في بعض الموارد.

3ـ تكلُّف الشيخ الطوسيّ لتأليف كتابٍ يختصر مطالب كتاب الكشيّ. فلو كانت الأغلاط الكثيرة موجبةً لسقوط اعتبار الكتاب فلا معنى لهذا التكلُّف، وقد مرَّت الإشارة إلى هذا المعنى سابقاً.

ومن الواضح أنَّ اشتمال الكتاب على أخطاءٍ كثيرةٍ من النحو الأوَّل لا يوجب سقوط الاعتبار عن كتاب الكشيّ؛ لأنَّها قد تحصل نتيجة نسخ النساخ، أو قلَّة عدد النسخ ممَّا يوجب صعوبة المقابلة بينها، ولو كانت هذه الأخطاء موجبةً لسقوط اعتباره لسقط اعتبار كتاب الاختيار أيضاً، لاشتماله عليها كما نصَّ على ذلك جملةٌ من الأعلام المحقِّقين، ولا قائل بذلك من المحقِّقين ممَّن يُعوَّل على تحقيقهم [وللمزيد يُنظر: قبسات من علم الرجال ج1 ص335].

النقطة الخامسة: الوجه في اختصار الشيخ الطوسي لرجال الكشيّ:

قد يُقال: لعلَّ تأليف الشيخ الطوسي لكتاب الاختيار كان من باب التهذيب والتشذيب لكتاب الكشيّ لكثرة أخطائه الموجودة فيه، وهذا كاشفٌ عن عدم اعتباره لأصل الكتاب.

نقول: إنَّ الوجه في تأليف الشيخ الطوسيّ لكتاب الاختيار غير معلومٍ عندنا؛ ولذا نجد قسماً من الأعلام قد حاول إيجاد وجه دفع الشيخ الطوسي لتأليف كتاب الاختيار، فهل كان غرضه حذف الطبقات الموجودة في الكتاب؟ أو كان غرضه حذف أسماء المصنَّفات الموجودة فيه؟ أو كان غرضه حذف أسماء الرواة العامَّة الذين لا ينقلون عن أهل البيت (ع)؟ إلى غير ذلك من الاحتمالات. والسبب في مجهوليَّة الوجه هو فقدان مقدِّمة كتاب الاختيار للشيخ الطوسي، فلعلَّه بيَّن غرضه هناك.

وعلى أيِّ حال، فإنَّ نفس التأليف لكتاب (الاختيار) -الذي هو اختصار لكتاب الكشيّ -يكشف عن اهتمامٍ وعنايةٍ، فكيف يُقال: إنَّ الشيخ الطوسيّ قد تجرَّأ على سيِّده الكشيّ، ورمى الكتاب بكثرة الأخطاء والسقوط عن الاعتبار؟!

النقطة السادسة: لماذا فُقد كتاب رجال الكشيّ؟

ذكرنا أنَّ الكتاب كان متداولاً في زمان الشيخين الطوسيّ والنجاشيّ، وقد تلقَّياه عن مشايخهما عن مشايخهم عن الشيخ الكشيّ.

وأمَّا ضياع بعض الكتب لفترةٍ، وظهورها في فترةٍ أخرى ثمَّ اختفاؤها، أو اختفاؤها ثمَّ ظهورها في أزمنةٍ لاحقةٍ وهكذا فهو من الأمور الشائعة، وله أسبابه ومنها:

1ـ تلف خزائن العلم في ذلك العصر أو سلبها ونهبها، ومن تلك الخزائن مكتبة الشيخ الطوسيّ (رحمه الله)، فقد ذكر ابن الجوزيّ ما نصُّه: (كُبست دار أبي جعفر الطوسيّ متكلِّم الشيعة بالكرخ، وأُخذ ما وُجد من دفاتره، وكرسي كان يجلس عليه للكلام،... فأُحرق الجميع) [المنتظم ج16 ص16]، وقد جرى ذلك على جملة من الأعلام سواء السابقين للشيخين النجاشيّ والطوسيّ (رحمهما الله) أو اللاحقين لهما.

2ـ إنَّ بعض الكتب التي صُنِّفت كانت أهميَّتها في فترةٍ زمنيٍَّة معيَّنة، إلَّا أنَّه نتيجة تأليف مصنَّفٍ آخر يُعنى بالاختصار أو التبويب أو الشرح لذلك المصنَّف، فإنَّ المصنَّف الأصل قد يقلُّ الاهتمام به والاكتفاء بهذا المصنَّف الجديد، لا سيَّما إذا كانت للمصنِّف الآخر مكانةٌ علميَّةٌ – كما هو الحال بالنسبة للشيخ الطوسي.

ومن جهةٍ أخرى لوجود العقبات التي تحول دون توفير كلِّ هذه المصنَّفات في بعض الأزمنة لاستلزامها المال والجهد وغير ذلك من العقبات التي لا يُمكن تجاوزها، يتركَّز الاهتمام على المختصر ويقلُّ الاهتمام بالأصل، كما هو الحال في المجاميع الروائيَّة ممَّا أدَّى إلى قلَّة الاهتمام بالأصول حتَّى فُقدت تقريباً، وكذلك الحال في بعض الكتب الفقهيَّة التي اختُصرت وصار الدرس الحوزوي والشروحات تدور مدارها -لفترةٍ من العمر الحوزوي -كالمختصر النافع.

وأمَّا ما جاء في السؤال: (لماذا سكت الجميع عن ضياع كتابه)؟ فنقول:

أصل الدعوى مصادرةٌ على المطلوب، ثمَّ إنَّ الأعلام لمَّا لم يكن لهم سبيلٌ للوصول إلى أصل كتاب الكشيّ ولعلمهم بوجود علمٍ كثيرٍ فيه – كما ذكر ذلك النجاشيّ – ازداد اهتمامهم بالكتاب الذي يتضمَّن هذا العلم، وهو اختيار الشيخ الطوسي (رحمه الله).

وقد قام السيد أحمد بن طاووس باقتباس الاختيار وتضمينه في كتابه (حلّ الإشكال)، وقد أصاب النسخة ما أصابها حتَّى قال الشيخ حسن صاحب المعالم (قدس سره): (إنِّي لم أظفر لكتاب السيد (رحمه الله) بنسخةٍ غير نسخة الأصل التي أغلبها بخط المصنِّف، وقد أصابها تلفٌ في أكثر المواضع، بحيث صار نسخ الكتاب بكماله متعذِّراً. ورأيت بعد التأمُّل أنَّ المهمَّ منه هو تحرير كتاب الاختيار، حيث إنَّ السيد (رحمه الله) جمع في الكتاب عدَّة كتبٍ من كتب الرجال بعد تلخيصه لها، ولما كان أكثر تلك الكتب محرَّراً منقَّحاً، اقتصر فيها على مجرَّد الجمع، فيمكن الاستغناء عنها بأصل الكتب؛ لأنَّ ما عدا كتاب ابن الغضائريّ منها موجودٌ في هذا الزمان بلطف اللّه سبحانه ومنه، والحاجة إلى كتاب ابن الغضائري قليلة، لأنَّه مقصورٌ على ذكر الضعفاء.. وأمَّا كتاب الاختيار من كتاب الكشيّ عنى السيد (رحمه الله) بتبويبه وتهذيبه.. وضمَّ إليه فوائد شريفة، وزوائد لطيفة، ووزَّعه على أبواب كتابه، وحيث تعذَّر نَسْخُ الكتاب آلَ أمر تلك الفوائد إلى الضياع، مع أنَّ أغلبها -بتوفيق اللّه تعالى -سليمٌ من ذلك التلف، والذاهب منها شيءٌ يسيرٌ، قليل الجدوى، فرأيت الصواب في انتزاعه من باقي الكتاب وجمعه كتاباً مفرداً يليق أنْ يُوسم بـ «التحرير الطاووسيّ لكتاب الاختيار من كتاب أبي عمر والكشيّ»، نفع اللّه تعالى به) [التحرير الطاووسيّ ص4].

فالاهتمام بكتاب الاختيار في الواقع متفرِّعٌ عن الاهتمام بأصل كتاب الكشيّ (رحمه الله)، كما تقدَّم ذكره.

النقطة السابعة: هل أتلف الشيخان الطوسيّ والنجاشيّ رجال الكشيّ؟

إنَّ ما ورد في السؤال: من أنَّ الشيخين النجاشيّ والطوسيّ قد أتلفا الكتاب، هي دعوى مجانبةٌ للصواب، وممَّا يؤكِّد ذلك عدَّة شواهد، منها:

أوَّلاً: أنَّ أصل الكتاب وصل عند ابن شهر آشوب [ت588هـ]، الذي هو متأخِّرٌ عن الطوسيّ، وقد نقل عنه في موارد عديدة، منها: قوله: (وفي معرفة الرجال من الكشيّ: في حديثٍ عن الصادق..) [مناقب آل أبي طالب ج3 ص195]، ومنها: قوله: (معرفة الرجال عن الكشيّ: عن أبي بصير..) [المناقب ج4 ص147. وينظر أيضاً: ج3 ص220، ج4 ص١٣٨، وص٢٤٤، وص٣٧٠، وغيرها]. كما أنَّه نقل عن اختيار الطوسيّ، منها: قوله: (وفي اختيار الرجال عن الطوسي: أنَّه اجتمع أصحابنا..) [المناقب ج4 ص325. وينظر أيضاً: ج4 ص134، وغيرها]. وهذا يدلُّ على أنَّ الكتابين كانا موجودين عنده.

إنْ قيل: لعلَّ الموارد التي نقل فيها عن (معرفة الرجال) للكشيّ، هي في الواقع عن (اختيار الرجال) للطوسيّ.

قلنا: إنَّ ابن شهر آشوب نقل عن الكتابين مقابِلاً بينهما، حيث ذكر ما نصُّه: (وكذلك ذكر أبو جعفر الطوسيّ في كتاب اختيار الرجال: أنَّه قال أبو جعفر (ع): «كان الناس أهل ردَّة بعد النبيّ إلَّا ثلاثة: سلمان وأبو ذرّ والمقداد».

وفي معرفة الرجال عن الكشيّ: في حديثٍ عن الصادق (ع): «ثمَّ لحق أبو سنان وعمَّار وشتير وأبو عمرو، فصاروا سبعة») [المناقب ج3 ص194].

وثانياً: أفاد بعض المحقِّقين أنَّه يبدو من بعض كلمات السيد ابن طاووس [ت664هـ] أنَّه رأى أصل الكتاب، وذلك لمَّا قال في [الأمان ص127]: (فمن ذلك: ما رويناه من كتاب الرجال للكشيّ وقد ذكرناه في كتاب الكرامات..) [يُنظر: القبسات ج2 ص95].

ويُضاف لما ذكره (دامت بركاته): أنَّ ذلك يُستفاد ممَّا جاء في كتاب [فلاح السائل ص113]: (وقد كشفنا تقيَّتهم فيما ذكرنا في الاعتذار لمضمون كتاب الكشيّ، فإنَّ هذا القول كثيرٌ في مذهب المخالفين لهم..).

وقد ذكر إتان كلبرگ - الباحث في تراث السيّد ابن طاووس (قدس سره) - ما ترجمته: (ورغم أنَّ جميع الموارد التي نقلها السيد ابن طاووس عن الكشيّ موجودةٌ في تلخيص الشيخ الطوسيّ، إلَّا أنَّه لا يمكن نفي احتمال أنْ يكون ابن طاووس قد رأى النسخة الأصل للمؤلِّف) [كتابخانه ابن طاووس ص302].

وأمَّا ما جاء في ذيل ذلك: أنَّه تمَّ إتلاف الكتاب (للطعن بأهل التوحيد، ولمنع عوام الشيعة من معرفة ما حدث في فترة الكلينيّ والسفراء)، فليس له معنًى محصَّل، اللهمَّ إلَّا أنْ يكون مقصود السائل من (أهل التوحيد) هم الغلاة! وذلك لأنَّهم يعتبرون أنفسهم أهل التوحيد الحقيقيِّين، ولأنَّ اختيار معرفة الرجال تضمَّن نصوصاً كثيرة للطعن بالغلاة وتمييز المغالين؛ ولأنَّه برزت في زمن السفراء بعض كبار شخصيَّات الغلاة، كما أنَّ هذا ينسجم مع ما ورد في السؤال: (هل كان الكشيّ ممَّن يؤمنون برؤية الرب؟) وفق تفسير الغلاة، بأنَّ رؤية الربِّ تتمثَّل بإدراك حقيقة كون أمير المؤمنين (ع) هو مظهر اللاهوت.

على كلِّ حال، السؤال بشقوقه الكثيرة مبنيٌّ على أغلاط، وناشئٌ من سوء النيَّة تجاه علماء الطائفة المحقَّة، ويجب على المرء أنْ يتحرَّى ويتثبَّت في قوله، لا أنْ يتَّهم علماء الطائفة ويرميهم بمثل هذه الأقاويل من غير فحص وتثبُّت، فإنَّ الله عزَّ وجلَّ يقول: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].

والحمد لله ربِّ العالمين.