هل تشابه أتباع ضياء العوضي مع بعض المتدينين يثبت بطلان النبوة؟

السؤال: ظاهرة ضياء العوضيّ (صاحب نظام الطيّبات الغذائيّ) من أكثر الظواهر المعاصرة المشابهة لظاهرة محمد أو غيره من مدّعي النبوّة شخصٌ يقول كلاماً ظاهر الخطأ، متناقضاً ومضطرباً، ومع ذلك له أتباعٌ يدافعون عنه، ويؤولون كلامه، أو يشككون في صحة نسبته إليه، أو يقولون إنه تراجع عنه، وإنه لم يكن يقصد ذلك أصلاً، وإنه كان يمزح، أو كان متعصّباً، وإنكم تقتطعون كلامه من سياقه... إلخ. وانقسم أتباعه إلى شيعٍ، يدّعي كلٌّ منهم أنه هو الذي يفهمه على الوجه الصحيح، وأن الباقين أخطأوا في فهم العلّامة العوضيّ. كلّ هذا يحدث ونحن نعيش في زمنٍ أكثر تقدّماً، والبشر أكثر علماً وفهماً من أيّ زمنٍ سابق، فما بالكم بزمن أدعياء النبوّة؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

هذا الكلام خالٍ من أيّ منطق، بل هو مجرد مقارنةٍ هزليَّةٍ بين نبيٍّ جاء بعقيدةٍ وشريعةٍ وكتابٍ غيّر مجرى التاريخ، وبين صاحب نظامٍ غذائيٍّ له أتباعٌ يختلفون في كلامه!

فحتى لو سلّمنا جدلاً بكل ما قيل عن ضياء العوضيّ وأتباعه، فالقياس على النبوّة لا ينتج شيئاً؛ لأنَّ الشبهة تستدلّ بسلوك الأتباع على بطلان المتبوع، وهذه مغالطةٌ واضحةٌ، فوجود أتباعٍ يتعصّبون لشخص، أو يؤوّلون كلامه، أو يختلفون في فهمه، لا يثبت شيئاً عن صدق دعواه أو كذبها؛ لأنَّ الدعوى تُحاكم بأدلتها، لا بسلوك أتباعها.

فإذا أراد المعترض أن ينقض نبوّة محمّد (صلى الله عليه وآله)، فعليه أنْ يناقش النبوّة نفسها: أين التناقض في القرآن؟ أين الكذب الثابت في دعوى النبيّ (ص)؟ أين الدليل على أنَّه اختلق الوحي؟ أما أن يستبدل كل ذلك بملاحظة أنّ «بعض الأتباع يبرّرون لمتبوعهم»، فهذه ليست حجَّةً على النبوّة، بل هروبٌ من مناقشتها.

والأغرب أنَّه جعل من أبسط قواعد البحث العلميّ مادّةً للسخرية؛ فالتأكّد من صحّة نسبة الكلام إلى صاحبه، وقراءة العبارة في سياقها، والتمييز بين القول الأصليّ والاقتباس المبتور، ليست حِيَلاً دفاعيّة، بل هي الحدّ الأدنى من الأمانة العلميَّة، ومَن يسخر من هذه الإجراءات لا ينتقد التعصّب، بل يسخر من المنهج الذي يمنع الكذب والتدليس على الناس.

أمّا اختلاف المسلمين في تفسير بعض النصوص، فلا يثبت أنَّ أصل النبوّة باطل، كما أنَّ اختلاف الفلاسفة في فهم أرسطو لا يثبت أنَّ أرسطو شخصيّةٌ وهميّةٌ، واختلاف الفقهاء في القانون لا يثبت أنَّ القانون بلا معنى، الاختلاف في الفهم شيء، وبطلان الأصل شيءٌ آخر.

ثم إنَّ الانتقال من ظاهرةٍ معاصرةٍ إلى القول: «هكذا ظهر محمدٌ وغيره من مدّعي النبوّة» قفزةٌ بلا أيّ رابطٍ استدلاليٍّ، وجود شخصٍ معاصرٍ التفّ حوله أتباع لا يخبرنا كيف نشأت النبوّة قبل أربعة عشر قرناً، وإلَّا جاز أنْ نرى طبيباً مزيّفاً له أتباعٌ ثمّ نقول: إذن كلّ الأطباء في التاريخ كانوا مزيّفين، أو نرى عالماً أخطأ وله تلاميذ يدافعون عنه ثمّ نستنتج أنَّ العلم نفسه نشأ بهذه الطريقة.

وأمّا قوله إنّنا «في زمنٍ أكثر علماً وفهماً»، فهو أيضاً كلامٌ مضلّل؛ لأنّ تراكم المعرفة العلميَّة لا يعني أنَّ كلَّ إنسانٍ معاصرٍ أصبح أعقل من كلّ من عاش قبله، ولا أنَ البشر تخلّصوا من الهوى والتعصّب والخداع، بل وجود الظاهرة التي استشهد بها نفسه يكفي لإبطال هذا التباهي الساذج بالعصر الحديث.

وفي المحصّلة، صاحب الاعتراض لم يقدّم دليلاً واحداً على بطلان نبوّة محمّد (صلى الله عليه وآله)، وإنّما صنع تشبيهاً بين بعض السلوكيات الجماهيريَّة ثمّ حاول أنْ يجعل التشابه في الأطراف دليلاً على وحدة الحقيقة في الأصل، وهذا لا يصحّ لا منطقيّاً ولا تاريخيّاً.

فإنْ كان عنده اعتراضٌ على القرآن فليأتِ به، وإنْ كان عنده دليلٌ على كذب النبيّ (ص) فليثبته، وإنْ كان عنده برهانٌ تاريخيٌّ على اختلاق النبوّة فليقدّمه، أمّا الانتقال من خلافات أتباع نظامٍ غذائيٍّ إلى تفسير ظهور الإسلام، فليس نقداً للنبوّة، بل إعلانٌ عن عجز صاحبه عن مناقشتها في ميدانها الحقيقيّ.