هل تمكين المهدي (ع) أكثر من الأنبياء (ع) ينافي عدل الله؟
السؤال: يقول الداعية عدنان إبراهيم: ليس من العدل أو العقل أن شخصاً كالمهديّ سيمكّنه الله من أمرٍ لم يمكّنه لأنبيائه ومن بينهم رسول الله، وسيملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وهذا الأمر حتى رسول الله لم يتمكّنه أو لم يفعله مع أنه أفضل ما خلق الله ـ فما جواب في هذا المقام؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
قبل مناقشة أصل الفكرة لا بدّ من التنبيه إلى أنّنا لا نستطيع نسبة هذا الكلام إلى الدكتور عدنان إبراهيم ما لم نقف عليه في مصدره مباشرة، والسائل لم يذكر لنا المصدر الذي نقل منه؛ ولذلك سيكون جوابنا منصبّاً على أصل الادّعاء نفسه بغضّ النظر عن صحّة نسبته إليه.
والإشكال مبنيٌّ على افتراضٍ غير صحيح، وهو أنَّ من مكّنه الله من إنجازٍ تاريخيّ أوسع يكون بالضرورة أفضل ممن لم يحقّق الإنجاز نفسه، وهذا لا يقول به عقلٌ ولا دين؛ لأنّ الفضل شيء، وطبيعة المهمّة والظروف التاريخيّة التي تحقّق فيها شيءٌ آخر.
فالأنبياء أنفسهم أعطاهم الله وظائف وخصائص مختلفة، فسليمان (عليه السلام) أُعطي ملكاً قال عنه: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: 35]، وسخّر له الريح والجنَّ، ولم يُعطَ رسول الله (صلى الله عليه وآله) هذا النوع من الملك. فهل أصبح سليمان (عليه السلام) أفضل من رسول الله (ص)؛ لأن مساحة ملكه وطبيعته كانت مختلفة؟
وعيسى (عليه السلام) وُلد من غير أب، وموسى (عليه السلام) كلّمه الله تعالى، ولكل نبيٍّ خصوصيةٌ في مهمته ومعجزته، ولا يعني ذلك أنَّ صاحب الخصوصية أفضل مطلقاً من غيره.
ومن هنا، فقولنا: إن الإمام المهديّ (عليه السلام) سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً، لا يعني أنّه أفضل من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، كما أنَّ ملك سليمان (عليه السلام) لا يعني أنَّه أفضل منه (صلى الله عليه وآله)، الكمال في النتيجة التاريخية لا يساوي الكمال في المقام الشخصيّ.
بل الإشكال قلب القضية؛ لأن مشروع الإمام المهديّ (عليه السلام) ليس مشروعاً مستقلّاً عن مشروع رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتّى نقارن بينهما ونقول: نجح المهديّ (عليه السلام) فيما عجز عنه الرسول (صلى الله عليه وآله)، فالإمام المهديّ (عليه السلام) - بحسب العقيدة الإسلاميَّة - من ذرية النبيّ (ص)، يحمل دينه، ويحكم بشريعته، ويتمّم المشروع الذي جاء به، فالعدل الذي يقيمه ليس «دين المهديّ»، وإنما ثمرة الرسالة المحمدية نفسها.
وبعبارةٍ أوضح: عندما يزرع شخصٌ مشروعاً عظيماً ثمّ يأتي من بعده مَن يحقّق ثماره النهائية، لا نقول: إنَّ الثاني أعظم من المؤسّس؛ لأنَّه شهد اكتمال المشروع. فالرسول (صلى الله عليه وآله) هو الذي وضع الأساس، وبلّغ الرسالة، وبنى الأمة، وأقام الحجّة، والمهديّ يتحرّك داخل هذا البناء لا خارجه.
ثم إنَّ القرآن نفسه لا يجعل انتشار الحقّ الكامل مرتبطاً بالضرورة بعمر النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وإنّما يتحدّث عن مصير الرسالة، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الصف: 9]، وقال: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105]. فالوعد متعلّقٌ بانتصار الحق في التاريخ، وليس من الضروري أن يتحقّق بجميع مراتبه في السنوات التي عاشها النبيّ نفسه.
ثم إنَّ وصف المسألة بأنها «غير عادلة» أغرب من أصل الاعتراض؛ لأنّ العدالة لا تعني أنّ يعطي الله كلّ أنبيائه وأوليائه النتائج التاريخيّة نفسها. العدل هو أن يعطي كلّ واحدٍ ما يناسب موقعه وحكمته ووظيفته، لا أن يجعل الجميع نسخاً متطابقة. وإلّا لوجب الاعتراض: لماذا أعطى سليمان (عليه السلام) ملكاً لم يعطِه لإبراهيم (عليه السلام)؟ ولماذا أعطى موسى (عليه السلام) العصا ولم يعطِها لعيسى (عليه السلام)؟
هذا ليس ظلماً، بل اختلافٌ في الأدوار.
وفي المحصّلة، تمكين الإمام المهديّ (عليه السلام) من إقامة العدل في الأرض لا يعني أنَّه أفضل من النبيّ (صلى الله عليه وآله)، ولا أنَّه حقّق ما «فشل» رسول الله (صلى الله عليه وآله) في تحقيقه؛ لأنَّ مشروع المهديّ (عليه السلام) هو امتدادٌ للرسالة المحمدية وثمرةٌ لها، ورسول الله (صلى الله عليه وآله) هو صاحب الرسالة والأصل الذي يقوم عليه كلُّ ما يأتي بعده، أمّا اختلاف النتائج التاريخيّة بين مرحلةٍ وأخرى فلا يدلّ على اختلاف المرتبة عند الله تعالى.
اترك تعليق