هل عين الله اثني عشر حاكماً فقط لكل التاريخ؟
السؤال: أكبر كذبةٍ مقدَّسةٍ في التاريخ هي أنَّ الله هو من يعيِّن الحكَّام للناس، ولا شرعيَّة لأيِّ حاكمٍ لا يعيِّنه الله!! ثمَّ إنَّ الله، مع هذا كلِّه، لم يعيِّن سوى 12 حاكماً إلى يوم القيامة، وأيُّ حاكمٍ من غير المعيَّنين مغتصبٌ وكافر. والمُعيَّنون 12 فقط لعمر الدنيا كلِّها!! مسألةٌ مشفَّرةٌ لم نجد من يفكُّ لنا شفرتها وطلاسمها إلى الآن.
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
الإشكال مبنيٌّ أوَّلاً على تصويرٍ غير صحيحٍ للعقيدة الإماميَّة؛ فقول الشيعة باثني عشر إماماً لا يعني أنَّ الله لم يجعل للبشريَّة طوال تاريخها إلَّا اثني عشر قائداً! الحديث عن الأئمَّة الاثني عشر يتعلَّق بالمرحلة التي تلت نبوَّة النبي محمَّد (صلَّى الله عليه وآله)، أمَّا قبل ذلك فقد توالت النبوَّات والرسالات، وورد في الروايات أنَّ عدد الأنبياء بلغ مئةً وأربعة وعشرين ألف نبيٍّ. فاختزال التاريخ كلِّه في «اثني عشر حاكماً» يبدأ من حذف آلاف السنين من تاريخ النبوَّة ثمَّ التعجُّب من النتيجة!
أمَّا بعد النبيّ محمَّد (صلَّى الله عليه وآله)، فبحسب العقيدة الإماميَّة حصر الله الامتداد الإلهيّ للقيادة الدينيَّة في اثني عشر إماماً، أوَّلهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وآخرهم الإمام المهديّ (عجَّل الله فرجه).
وهنا يقع الخطأ الثاني في الاعتراض؛ إذ يتصوَّر أنَّ الإمام لا يكون إماماً إلَّا إذا جلس فعلاً على كرسيّ الحكم، وهذا غير صحيح، الإمامة منصبٌ إلهيٌّ لا تتوقَّف حقيقته على تمكين الناس لصاحبه، فأمير المؤمنين (عليه السلام) كان إماماً في المدَّة التي لم يكن الحكم السياسيّ بيده، والإمام الصادق (عليه السلام) كان إماماً مع وجود الدولة العبَّاسيَّة، وكذلك بقيَّة الأئمَّة (عليهم السلام).
فعدم تمكُّن الإمام من السلطة لا يُسقط إمامته، وإلَّا أصبحت شرعيَّة الإمام مرهونةً برضا مَن اغتصب سلطته! وحينها يصبح المنتصر بالسيف هو الذي يقرِّر مَن جعله الله إماماً، وهي نتيجة تكشف فساد هذا التصوُّر بنفسها.
ثمَّ إنَّ الإمام الثاني عشر ـ بحسب العقيدة الإماميَّة ـ ما زال موجوداً وإماماً؛ ولذلك فقول المعترض إنَّ الله «عيَّن اثني عشر ثمَّ انتهوا وبقيت الدنيا بلا إمام» غير صحيحٍ من الأساس، الاثنا عشر لم ينتهوا حتَّى نبحث عن «الإمام الثالث عشر»، بل الإمام الثاني عشر هو إمام هذا العصر نفسه، وإن كان غائباً عن الظهور العامّ.
ويبقى السؤال: لماذا وقعت الغيبة أصلاً؟
هنا ينبغي قلب الإشكال إلى موضعه الحقيقي. المشكلة لم تكن أنَّ الله وضع خطَّةً ناقصةً للقيادة، وإنَّما أنَّ الناس أنفسهم لم يلتزموا بالخطَّة التي وُضعت لهم، فقد تعرَّض الأئمَّة للإقصاء والملاحقة والسجن والقتل، ولم يتمكَّن أكثرهم من ممارسة القيادة العامَّة للأمَّة كما ينبغي.
فإذا كان المجتمع نفسه يرفض الأئمَّة الذين عيَّنهم الله واحداً بعد آخر، فما الذي يتوقَّعه المعترض؟ أنْ يرسل الله، كلَّما قتلوا إماماً، إماماً جديداً إلى ما لا نهاية، حتَّى يستمرَّ الناس في قتل القائمة كلِّها ثمَّ يسألون في النهاية: لماذا لم تعيِّنوا لنا المزيد؟
ومن هنا تُفهم الغيبة ضمن البناء الإماميّ: بعد أنْ جرى على الأئمَّة السابقين ما جرى من القتل والإقصاء، اقتضت الحكمة الإلهيَّة حفظ الإمام الأخير وإطالة عمره إلى أن تتوفَّر الظروف التي يأذن الله فيها بظهوره وقيامه بوظيفته العامَّة.
أمَّا السؤال: ماذا يحدث بعد الإمام المهديّ (عليه السلام) إذا استمرَّت الدنيا؟
فهذا سؤالٌ عن مستقبل لم نُكلَّف بمعرفة جميع تفاصيله، ولا يصحُّ تحويل جهلنا بتفاصيل مرحلةٍ مستقبليَّةٍ إلى نقضٍ لأصل الإمامة، فنحن أصلاً لا نعلم بصورة قطعيَّة مقدار ما يبقى من عمر الدنيا بعد دولته، كما أنَّ في التراث الإماميّ روايات تتحدَّث عن الرجعة وعودة بعض الحجج والصالحين وحكومات الحقِّ قبل قيام الساعة، وفي تفاصيل هذه المرحلة أبحاثٌ روائيَّةٌ وعقائديَّةٌ معروفةٌ.
والمهمُّ أنَّ العقيدة لا تقول: تنتهي إمامة المهديّ ثمَّ تستمرُّ البشريَّة آلاف السنين بلا حجَّةٍ ولا نظامٍ ثمَّ لا نعرف ماذا نفعل، هذا تصويرٌ اخترعه المعترض ثمَّ طلب من الشيعة تفسيره.
وفي المحصِّلة، الاعتراض جمع عدَّة أخطاء في جملةٍ واحدةٍ: جعل الأئمَّة الاثني عشر حكَّام التاريخ كلِّه مع أنَّ قبلهم سلسلةً طويلةً من الأنبياء، وافترض أنَّ الإمام يفقد إمامته إذا لم يتمكَّن سياسيّاً، وتجاهل أنَّ الإمام الثاني عشر ما زال ـ بحسب العقيدة الإماميَّة ـ إمام هذا العصر، ثمَّ افترض مستقبلاً بعده لا نعلم أصلاً كيف ستكون تفاصيله وجعله مشكلةً حاضرةً في العقيدة.
والأغرب أنَّه حمَّل الله مشكلة صنعها تمرُّد البشر أنفسهم؛ فالله ـ بحسب العقيدة الإماميَّة ـ عيَّن الحجج، لكنَّ الناس أقصوهم وقتلوهم، ثمَّ يأتي المعترض بعد ذلك ليقول: لماذا لم تعيِّنوا لنا حكَّاماً أكثر؟ وكأنَّ المشكلة في قلَّة الأئمَّة، لا في أمَّة لم تترك لمعظمهم فرصة أن يحكم أصلاً.
اترك تعليق