لماذا لم يذكر القرآن سيرة النبي محمد (ص) كاملة؟

السؤال: الله (عزَّ وجلَّ) في كتابَي التوراة والقرآن ذكر لنا سيرة النبيّ موسى من المهد إلى اللحد، وكذلك في كتب الأناجيل والقرآن ذكر لنا سيرة النبيِّ عيسى من المهد إلى آخر المطاف، في المقابل الله (عزَّ وجلَّ) لم يذكر لنا سيرة نبيِّنا محمَّد (صلى الله عليه وآله) بواضح العبارة، ما هو السبب؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

الجواب يبدأ من وظيفة القرآن نفسه؛ فالقرآن لم ينزل ليكون كتاب تاريخٍ أو سيرةٍ ذاتيَّةٍ للنبيّ (صلى الله عليه وآله)، وإنَّما نزل كتاب هدايةٍ وتشريعٍ وبناءٍ للإنسان والمجتمع؛ ولذلك لا يسرد حتَّى قصص الأنبياء الآخرين (عليهم السلام) لمجرَّد تسجيل حياتهم، وإنَّما يذكر من حياتهم ما يخدم غرض الهداية والعبرة، ولهذا قد يذكر جانباً من قصَّة موسى (عليه السلام) في موضع، ثمَّ يعود إلى جانب آخر منها في سورة أخرى؛ لأنَّ المقصود ليس ترتيب سيرته زمنيّاً، بل توظيف الحدث في الرسالة التي يريد القرآن بيانها.

ثمَّ إنَّ هناك فرقاً مهمّاً في الموضوع: نحن نقرأ القرآن اليوم بعد اكتمال حياة النبي (صلى الله عليه وآله)، فننظر إليه وكأنَّ المفترض أن يروي لنا تلك الحياة من الخارج، بينما المخاطبون الأوائل كانوا يرون النبي (صلى الله عليه وآله) أمامهم، ويشهدون هجرته وغزواته ومواقفه، والقرآن ينزل وسط هذه الأحداث موجِّهاً ومعلِّماً ومبيِّناً، فلم تكن هناك حاجة إلى تحويل الحدث الذي يعيشه الناس فعلاً إلى قصَّة تاريخيَّة متَّصلة.

أمَّا موسى (عليه السلام)، فلم يكن حاضراً بين المسلمين حتَّى يعرفوا قصَّته من خلال معايشة حياته؛ ولذلك نقل القرآن من أحداث سيرته ما يحقِّق غرض العبرة والهداية، ومع ذلك فالقرآن لا يروي حياة موسى (عليه السلام) من المهد إلى اللحد على هيئة سيرةٍ متَّصلة، وإنَّما ينتخب منها ما يخدم مقاصده، وكذلك عيسى (عليه السلام)؛ فالقرآن يذكر ولادته ومعجزاته ورسالته وما يتعلَّق بنهاية وجوده الأرضي، لكنَّه لا يقدِّم لنا سيرةً متكاملةً لكلِّ مراحل حياته، بل يسكت عن مساحاتٍ واسعةٍ منها.

وهنا ينبغي أيضاً التفريق بين القرآن والأناجيل المتداولة؛ فالأناجيل ذات بناءٍ سرديٍّ يقوم بدرجةٍ كبيرةٍ على عرض حياة المسيح وأقواله وأعماله؛ ولذلك من الطبيعي أن تحتلَّ السيرة فيها مساحة أكبر. أمَّا القرآن فليس «إنجيلاً لمحمَّد» بهذا المعنى، وإنَّما كتاب وحي وتشريع وهداية نزل على محمَّد (صلى الله عليه وآله) نفسه، ومن الخطأ أنْ نطالب كتابين مختلفين في الطبيعة والوظيفة بأن يتبعا البناء نفسه.

ثمَّ إنَّ عدم جمع السيرة في القرآن لا يعني أنَّ حياة النبي (صلى الله عليه وآله) أُهملت أو ضاعت؛ فقد كان النبيّ (صلى الله عليه وآله) نفسه البيان العملي للقرآن، ولذلك قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]، وأمر باتِّباعه وطاعته، فحفظ المسلمون أقواله ومواقفه وتفاصيل حياته في الروايات والسيرة والتاريخ، فالقرآن يقدِّم الأصول والهداية، وحياة الرسول (صلى الله عليه وآله)تقدِّم التجسيد العملي لتلك الأصول.

بل يمكن القول إنَّ طريقة القرآن في الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله) أبلغ من مجرَّد كتابة سيرته؛ لأنَّه لا يجعله شخصيَّةً تاريخيَّةً نقرأ عنها فقط، وإنَّما يجعله حاضراً داخل النص: يأمره، ويوجِّهه، ويثبِّته، ويواسيه، ويأمر المؤمنين باتِّباعه، ويعرض مواقفه أثناء تشكُّل المجتمع الإسلامي؛ ولذلك نجد حضور الرسول (صلى الله عليه وآله) ممتدّاً في القرآن كلِّه.

وفي المحصِّلة، القرآن لم يهمل سيرة النبي محمَّد (صلى الله عليه وآله)، وإنَّما لم يعرضها في صورة فصول تاريخيَّة مرتَّبة؛ لأنَّ ذلك ليس وظيفته، وقد جاءت سيرته (صلى الله عليه وآله) فيه على هيئة مواقف وتوجيهاتٍ وأحداثٍ حيَّةٍ مرتبطةٍ بحركة الرسالة نفسها، فالقرآن كتاب هداية نزل على النبي (صلى الله عليه وآله)، وفي قلب أحداث دعوته، وليس كتاباً ألَّفه شخص بعد وفاته ليحكي قصَّة حياته.