هل هدم الأمويون دار الإمام الحسين (ع)؟
السؤال: هل هدم بنو أمية دار الإمام الحسين (عليه السلام) بعيد كربلاء؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
نعم، جاء في عددٍ من مصادر العامَّة والخاصّة: أنَّ والي المدينة عمرَو بن سعيد بن العاص الأمويَّ أصدر أمراً إلى جلاوزته وشرطته يقضي بهدم دار الإمام الحسين (عليه السلام) في المدينة. وقد نصّت بعض الروايات: أنَّ داره (عليه السلام) التي هُدمت هي الدار التي كانت محلّاً لسكنى زوجته السيّدة الرباب بنت امرئ القيس أمّ السيّدة سكينة (عليهما السلام).
ولم تقتصر عمليات الهدم على دار الإمام الحسين (عليه السلام)، بل شملت هدم دار أمير المؤمنين (عليه السلام)، ودار عقيل بن أبي طالب (عليه السلام)، ولعلّها شملت دور آخرين من بني هاشم؛ حيث أشارت بعض الروايات إلى تعرّض دور بني هاشم للهدم.
والذي تدلّ عليه جملة الروايات: أنَّ عمليات الهدم قد حصلت بعد وصول نبأ استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) إلى والي المدينة عمرِو بن سعيد بن العاص، حيث أرسل منادياً ينادي في أزقّة المدينة بنبأ مقتل الإمام (عليه السلام)، بينما قام هو على منبر مسجدها خطيباً في الناس، يُعلمهم الأمر شامتاً، ويقرأ عليهم كتاب ابن زياد الذي وصل إليه يبشّره فيه بالخبر، ثمّ التفت إلى مرقد النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله) وأومأ إليه قائلاً: (يا محمّد، يوماً بيوم بدر) [شرح نهج البلاغة للمعتزليّ ج4 ص72، تاريخ الطبري ج5 ص466]
فقد روى ابن فندق البيهقيُّ: (.. فهدم [سعيد بن العاص، والي المدينة] حين سمع قتل الحسين، دار علي بن أبي طالب بالمدينة، ودار عقيل، ودار زوجة الحسين أمّ سكينة) [لباب الأنساب ص22].
وروى أبو الفرج الأصفهانيُّ الأمويُّ: (وولّى عمرو بن سعيد شرطته عمرَو بن الزبير بن العوَّام، وأمره بهدم دور بني هاشم وآل الزبير؛ ففعل، وبلغ منهم كلَّ مبلغ) [الأغاني ج5 ص82].
وعمرو بن الزبير هذا هو أخو عبد الله بن الزبير لأبيه؛ وكان مع بني أمية ضدّ أخيه [ينظر: الأعلام للزركليّ ج5 ص77].
وروى القاضي النعمان عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قال: «أنَّ سعيد بن العاص هدم دار علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ودار عقيل، ودار الرباب بنت امرئ القيس – وكانت تحت الحسين، وهي أمّ سكينة -» [شرح الأخبار ج3 ص269].
وروى ابن شهر آشوب: (ولقد هدم سعيد بن العاص دار علي، والحسين، وعقيل (عليهم السلام)، من قِبَل يزيد) [المناقب ج2 ص53].
والظاهر أنَّ في هاتين الروايتين سقطاً، فالمعروف أنَّ الهادم هو عمرو بن سعيد بن العاص.
ويرجّح بعض المحقّقين: أنَّ عمليات الهدم جاءت ردّاً على الضجيج الذي علا، والصراخ الذي دوّى في دور بني هاشم على مقتل سيد الشهداء (عليه السلام)؛ حيث اشتدّت الواعية في دور بني هاشم وكادت تؤجّج المدينة؛ فجاءت أوامر الهدم قمعاً لتلك المشاعر، وإرهاباً لأهل المدينة المتعاطفين.
يقول آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم (قده) - بعد أنْ ساق مجريات ما حدث في المدينة بعيد وصول نبأ مقتل سيد الشهداء (عليه السلام)، وتعالي صرخات السيّدة أمّ سلمة زوج النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله)، ونسوة بني هاشم، وتأجّج عواطف جمهور أهل المدينة -: (ولعلّه لذا أمر عمرو بن سعيد بن العاص بعد قتل الإمام الحسين (عليه السلام) صاحب شرطته عمرَو بن الزبير أنْ يهدم دور بني هاشم ففعل، وبلغ منهم كلَّ مبلغ... ولا يَبعُد أنْ يكون ذلك منه ردّاً على الناس وعقوبةً لهم؛ لأنّهم تحدّوا بعواطفهم موقف السلطة، وإظهاراً لصرامتها في ذلك، وردّاً لهيبتها واعتبارها) [فاجعة الطف ص102].
ويُعزي آخرون عمليات الهدم إلى أنَّها جاءت بأوامر مباشرةٍ من يزيد؛ كما يُدلّل على ذلك نصّ ابن شهر آشوب المتقدّم، وفي سياق السياسات العامّة التي اتخذها بنو أمية مسبقاً ضدّ أهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم في سبيل قمعهم وإقصائهم التام؛ حيث سبق أنْ صدر من معاوية بن أبي سفيان مرسومٌ عامٌّ يقضي بعدّة إجراءاتٍ مشابهةٍ.
فقد روى ابن أبي الحديد عن المدائنيّ: (ثمّ كتب – معاوية – نسخةً واحدةً إلى جميع البلدان: انظروا مَن قامت عليه البيّنة أنَّه يحبّ عليّاً وأهل بيته؛ فامحوه من الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه. وشفع ذلك بنسخةٍ أخرى: مَن اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكّلوا به واهدموا داره) [شرح نهج البلاغة ج11 ص45، وينظر: كربلاء الثورة والمأساة ص173].
وختاماً، ينبغي قيد هذه الفاجعة ضمن مذكّرة للتاريخ لتُضاف إلى بقية جرائم كربلاء:
الجريمة: هدم دور كلٍّ من أمير المؤمنين (عليه السلام)، والإمام الحسين (عليه السلام)، وعقيل بن أبي طالب (عليه السلام).
التاريخ: سنة إحدى وستّين للهجرة، عقب وصول نبأ استشهاد سيد الشهداء (عليه السلام) إلى المدينة، وقبل عودة ركب سبايا عترة النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) من الشام.
الآمر: السلطة الأمويَّة.
المباشر للتنفيذ: شرطة المدينة والتي كان يترأسها - حينئذٍ - عمرو بن الزبير بن العوَّام.
الهدف: الإيغال في إيذاء عترة النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله)، وممارسة الإقصاء، والتشفّي والشماتة والإهانة، وقمع صرخات بني هاشم وعواطف جميع المتعاطفين معهم.
ولا حولَ ولا قوّةَ إلّا بالله العليّ العظيم، وسيعلم الذين ظلموا آل محمّد أيَّ منقلبٍ ينقلبون.
اترك تعليق