هل شهد أمير المؤمنين (ع) لمعاوية بالإيمان والأخوة؟
السؤال: في نهج البلاغة: «وكان بدء أمرنا أنَّا التقينا والقوم من أهل الشام، والظاهر أنَّ ربَّنا واحدٌ، ونبيَّنا واحدٌ، ودعوتنا في الإسلام واحدةٌ، ولا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله ولا يستزيدوننا، الأمر واحدٌ إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان ونحن منه براءٌ». علي بن أبي طالب في نهج البلاغة يقول عن معاوية والذين معه: 1- ربَّنا واحدٌ ونبيَّنا واحدٌ. 2- ودعوتنا في الإسلام. 3- ولا نستزيدهم في الإيمان. فمعاوية أخو الإمام عليّ في الإيمان والدين، ويأتي الشيعة الروافض وغيرهم من أهل الأهواء والبدع يقولون معاوية منافقٌ!
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
قد كثر في الآونة الأخيرة تداولُ النصوص المبتورة، واقتطاعُ العبارات من سياقها الكلّيّ، ثمّ بناءُ نتائج عقديَّةٍ وتاريخيَّةٍ كبيرةٍ عليها، من غير مراعاةٍ لمجموع الكلام، ولا للقرائن التي تفسّر المراد الحقيقيّ منه.
ومن جملة ما يُستدلّ به في هذا الباب: هذا النصّ؛ حيث تُؤخذ جملةٌ واحدةٌ من النصّ، ثم تُقدَّم للقارئ وكأنّها تزكيةٌ لمعاوية.
مع أنّ الرجوع إلى تمام الكلام، وضمّ بعضه إلى بعضٍ، يكشف بوضوحٍ أنّ النصّ في حقيقته يتضمّن ذمّاً لمعاوية وبياناً لانحرافه، لا مدحاً له. وقد تنبّه لهذا الأمر غير واحدٍ من العلماء، وردّوا على هذه الاستدلالات، ونحن نذكر هنا خلاصة الجواب بصورةٍ مختصرةٍ.
فبدايةً نذكر النصّ كاملاً كما ورد في نهج البلاغة؛ لأنّ اقتطاع العبارات من سياقها للنصّ تكشف بوضوحٍ أنّ الإمام (عليه السلام) كان يفرّق بين أصل الإسلام الظاهريّ الذي يجمع المسلمين، وبين حقيقة الانحراف والبغي الذي وقع فيه معاوية وأتباعه بعد قيام الحجَّةِ عليهم.
فقد جاء في كتابه (عليه السلام) إلى أهل الأمصار في وصف ما جرى بينه وبين أهل الشام:
«وكان بدء أمرنا أنَّا التقينا والقوم من أهل الشام، والظاهر أنَّ ربَّنا واحدٌ، ونبيَّنا واحدٌ، ودعوتنا في الإسلام واحدةٌ، لا نستزيدهم في الإيمان بالله والتصديق برسوله (صلى الله عليه وآله) ولا يستزيدوننا، والأمر واحدٌ إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان ونحن منه براءٌ...».
ثم قال (عليه السلام):
«فقلنا: تعالوا نداوِ ما لا يُدرك اليوم بإطفاء النائرة وتسكين العامَّةِ حتَّى يشتدّ الأمر ويستجمع، فنقوى على وضع الحقّ مواضعه، فقالوا: بل نداويه بالمكابرة، فأبوا حتَّى جنحت الحرب وركدت ووقدت نيرانها وحمست، فلما ضرستنا وإياهم، ووضعت مخالبها فينا وفيهم، أجابوا عند ذلك إلى الذي دعوناهم إليه... حتَّى استبانت عليهم الحجَّةُ وانقطعت منهم المعذرة، فمن تمَّ على ذلك منهم فهو الذي أنقذه الله من الهلكة، ومن لجَّ وتمادى فهو الراكس الذي ران الله على قلبه وصارت دائرة السوء على رأسه» [نهج البلاغة ج3 ص114].
فهذا النصّ نفسه الذي يُستدلّ به على اعتراف الإمام بعدالة معاوية هو في الحقيقة من أوضح النصوص في إدانته؛ لأنّ الإمام (عليه السلام) لم يقل إنَّهم على الحقّ، وإنَّما قال: «والظاهر أنَّ ربَّنا واحدٌ ونبيَّنا واحدٌ»، أي إنَّ الاشتراك كان في أصل الإسلام الظاهريّ، لا في حقيقة الموقف بعد قيام الحجَّةِ، ومن المعلوم أنَّه يكفي للحكم على أيّ شخصٍ بأنَّه مسلمٌ أن يشهد الشهادتين، ويقيم شرائع الإسلام، وحيث إنَّ أهل الشام كانوا كذلك، فإنَّ هذا الحكم يشملهم بحسب الظاهر؛ خصوصاً وأنَّ كلامه هذا ورد قبل الاقتتال وصدق المحاربة؛ ولذلك صرّح بعد ذلك مباشرةً بأنَّهم اختاروا «المكابرة»، وأنَّ الحجَّةَ قد قامت عليهم، ثم وصفهم بأنَّهم «الراكس الذي ران الله على قلبه»، فمن الواضح أنَّ حالهم كان على ظاهر الإسلام، ولكن بعد المحاربة فيصدق عليهم عنوان النصب للإمام، وهو موجبٌ للكفر بلا خلافٍ، كما يشير إليه ذيل كلامه (عليه السلام): بأنَّ من أذعن للحقّ منهم نجا من الهلكة، ومن تمادى ولجَّ صارت دائرة السوء على رأسه، وكما ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «حربك حربي»، فكيف يُترك هذا كلّّه، ثم تُقتطع جملةٌ واحدةٌ لإيهام القارئ أنَّ الإمام كان يزكّي معاوية؟!
هذا كلّّه بالنسبة إلى نفس هذه الرسالة لو قُرئت بتمامها ومن دون بترٍ أو اقتطاعٍ، أمَّا لو تنزّلنا وسلّمنا جدلاً بإمكان توهّم بعض العبارات فيها؛ فإنَّ هذا التوهّم يسقط رأساً عند ملاحظة مجموع كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) في سائر رسائله وخطبه؛ إذ إنَّ النصوص يفسّر بعضها بعضاً، ولا يجوز عزل نصٍّ واحدٍ عن السياق الكلّيّ للفكر والموقف السياسيّ والعقائديّ للإمام (عليه السلام)، فموقف أمير المؤمنين من معاوية واضحٌ جدًّا في نهج البلاغة وغيره من المصادر، فمن ذلك قوله (عليه السلام) لمعاوية: «وأرديتَ جيلاً من الناس كثيراً خدعتهم بغيّك، وألقيتهم في موج بحرك، تغشاهم الظلمات وتتلاطم بهم الشبهات...»، ثم قال: «فاتق الله يا معاوية في نفسك، وجاذب الشيطان قيادك» [نهج البلاغة ج3 ص348].
وفي موضعٍ آخر قال له (عليه السلام): «واعلم أنَّ الشيطان قد ثبَّطك عن أن تراجع أحسن أمورك وتأذن لمقال نصيحتك» [نهج البلاغة ج3 ص397].
وقال أيضاً: «وإنَّ نفسك قد أولجتك شرّاً، وأقحمتك غيّاً، وأوردتك المهالك، وأوعرت عليك المسالك» [نهج البلاغة ج3 ص348].
وقال (عليه السلام) كذلك: «وقد دعوتنا إلى حكم القرآن ولستَ من أهله» [نهج البلاغة ج3 ص78].
وفي كتابه الآخر إلى معاوية، قال (عليه السلام) بعباراتٍ أشدّ وضوحاً: «أمَّا بعد، فإنَّا كنَّا نحن وأنتم على ما ذكرتَ من الألفة والجماعة، ففرّق بيننا وبينكم أمس أنَّا آمنَّا وكفرتم، واليوم أنَّا استقمنا وفتنتم...»، ثم قال: «وإنَّك والله ما علمتَ لَأغلف القلب، المقارب العقل... وطلبتَ أمراً لستَ من أهله ولا في معدنه»، ثمّ شبّهه بأعمامه وأخواله الذين حاربوا النبيّ (صلى الله عليه وآله) فقال: «وقريبٌ ما أشبهتَ من أعمامٍ وأخوالٍ حملتهم الشقاوة وتمنّي الباطل على الجحود بمحمّدٍ (صلى الله عليه وآله)» [نهج البلاغة ج3 ص122].
وفي كتابه إلى سهل بن حنيف في وصف من التحق بمعاوية، قال (عليه السلام): «فكفى لهم غيّاً، ولك منهم شافياً، فرارهم من الهدى والحقّ وإيضاعهم إلى العمى والجهل... وإنَّما هم أهل دنياً مقبلون عليها ومهطعون إليها قد عرفوا العدل ورأوه وسمعوه ووعوه، وعلموا أنَّ الناس عنده في الحقّ أسوةٌ، فهربوا إلى الأثرة فبعداً لهم وسحقاً إنَّهم والله لم ينفروا من جورٍ ولم يلحقوا بعدلٍ» [نهج البلاغة ج3 ص131].
فإذا جُمعت هذه النصوص بعضها إلى بعضٍ، يظهر بوضوحٍ كيف كان الإمام (عليه السلام) ينظر إلى معاوية؛ حيث كان يصفه بالبغي، والضلال، والخداع، واتباع الشيطان، والركون إلى الدنيا، والفرار من الحقّ بعد معرفته. وعليه، فإنَّ اقتطاع بعض العبارات من سياقها لإيهام القارئ بخلاف ذلك ليس بحثاً علميّاً، بل هو مغالطة بتر النصوص، وإغفال مجموع الأدلّة، والتعامل الانتقائيّ مع الكلمات بما يخدم نتيجةً مسبقةً يُراد إثباتها، لا الوصول إليها عبر القراءة الموضوعيَّةِ الشاملةِ للنصوص.
والحمد لله ربّ العالمين.
اترك تعليق