هل حديث المنزلة يدل على أن خلافة أمير المؤمنين (ع) هي خلافة مذمومة؟

السؤال: (ولما رجع موسى إلى قومه من بني إسرائيل غضبانَ حزيناً؛ لأنَّ الله قد أخبره أنَّه قد فتن قومه، وأنَّ السامريَّ قد أضلَّهم، قال موسى: بئس الخلافة التي خلفتموني من بعدي) [التفسير الميسر ص169]. استخلاف النبيّ لعليّ بن أبي طالبٍ حينما ذهب إلى غزوة تبوك، وقوله (صلى الله عليه وآله): أنت منّي بمنزلة هارون من موسى. موسى وصف استخلافه لأخيه هارون بأنَّه بئس الخلافة، وهذه هي أيضاً منزلة عليّ، وبئس الخلافة هي.

: الشيخ أمير الخزاعي

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

من العجائب حقّاً مثل هذا الاستدلال وهذا النمط من الاستنتاج، خصوصاً في عصرٍ أصبحت فيه المصادر متاحةً، ويمكن لأيّ شخصٍ أنْ يرجع إلى القرآن الكريم بنفسه ويقرأ الآيات ضمن سياقها الكامل، لا عبر اجتزائها وبترها وتحريف دلالتها؛ فإنَّ الآية في حقيقتها لا تنقض ما يعتقده الشيعة في أمير المؤمنين (عليه السلام)، بل تؤكّده وتنسجم معه تماماً؛ لأنَّها تثبت أنَّ ما جرى لهارون (عليه السلام) قد جرى نظيرُه لأمير المؤمنين (عليه السلام)، وهو عين ما دلَّ عليه حديث المنزلة.

فحين رجع موسى (عليه السلام) من ميقات ربّه، وأخبره الله تعالى بما وقع من قومه من الضلال والانحراف، غضب وأسِف على ما فعلوه، وقال: ﴿بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾، وهذا الخطاب متوجّهٌ إلى القوم الذين خذلوا هارون ونقضوا العهد الذي أخذه عليهم، لا إلى هارون نفسِه ولا إلى أصل خلافته، وهذا المعنى كاد يكون متَّفقاً عليه بين مفسّري العامَّة والخاصَّة؛ إذ لم يُفهم من الآية أنَّ موسى كان يذمّ هارون أو يطعن في صلاحيّته للخلافة، وإنَّما الذمّ متوجّه إلى بني إسرائيل بسبب ما ارتكبوه بعد غياب موسى (عليه السلام).

ثمَّ إنَّ القرآن نفسَه يفسّر المراد بوضوحٍ تامٍّ بعده حين ينقل جواب هارون (عليه السلام): ﴿يَا ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾، وهذا نصٌّ صريحٌ في أنَّه كان صاحب الحقّ والطاعة، لكنَّ القوم تمرّدوا عليه، واستضعفوه، وكادوا يقتلونه، وأنَّ الخلل في موقف القوم منه وعصيانهم له؛ ولذلك اضطرَّ إلى الصبر وانتظار رجوع موسى (عليه السلام) دفعاً للفتنة والانقسام.

ولهذا عقَّب موسى (عليه السلام) بعد ذلك بقوله: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ، فلو كان هارون مذنباً أو كانت خلافته موضع ذمٍّ، لما دعا له موسى بهذا الدعاء، ولا قرنه بنفسه في طلب الرحمة والمغفرة، وهذا يكشف بوضوحٍ أنَّ قوله: ﴿بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي﴾ ليس معناه: (بئس الخليفة هارون)، بل معناه: بئس ما فعلتم بعدي، وبئس ما صنع القوم في غياب قائدِهم، وإلَّا فما معنى اعتذار هارون بأنَّهم استضعفوه وكادوا يقتلونه؟ وما معنى دعاء موسى له بعد ذلك؟ فإنَّ مجموع الآيات تفسّر بعضها بعضاً، ويؤكّد أنَّ المذموم هو انحراف القوم وتمرّدُهم، لا خلافة هارون (عليه السلام).

وهذا بعينه ما تقوله الشيعة في أمير المؤمنين (عليه السلام)؛ فإنَّهم يرون أنَّ النبيَّ (صلى الله عليه وآله) نصَّ عليه، وأنَّ القوم خذلوه ونكثوا ما أُخذ عليهم، كما خذل بنو إسرائيل هارون (عليه السلام)، فالآيات ليست ذمّاً لهارون، بل ذمٌّ للقوم الذين تركوه وخالفوه، وكذلك الحال في القياس على أمير المؤمنين (عليه السلام).

وعليه، فإنَّ تفسير قوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي﴾ على أنَّه ذمٌّ لهارون أو نفيٌ لخلافته، هو قلبٌ لمعنى الآية.

ومن هنا يتّضح أنَّ المستشكل قد وقع في عدَّة مغالطاتٍ منهجيَّةٍ ولغويَّةٍ أدَّت إلى هذا القلب؛ فأوَّل ما وقع فيه هو مغالطة الإيهام في مرجع الضمير والفاعل؛ إذ فهم قوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي﴾ على أنَّه ذمٌّ لهارون (عليه السلام) وخلافته، مع أنَّ المخاطب في الآية هم بنو إسرائيل الذين عبدوا العجل وخالفوا أمر موسى.

كما وقع في مغالطة التباس معنى (الخلافة)، فخلط بين الخلافة بمعنى (التصرّف الذي وقع بعد غياب النبيّ) وبين الخلافة بمعنى (المنصب والنيابة)، مع أنَّ الآية تتحدّث عن سوء فعل القوم بعد موسى، لا عن بطلان استخلاف هارون أو ذمّ مقامه.

هذا كلّه ناشئٌ أصلاً من مغالطة اقتطاع النصّ وإهمال السياق؛ لأنَّه عزل قوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي﴾ عن بقيَّة الآيات التي تبرّئ هارون بوضوحٍ، بل وتثبت مظلوميَّته وكونَه صاحب الحقّ، ثمَّ تختم بدعاء موسى له بقوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي﴾، فلو كان المذموم هو هارون أو أصل خلافته، لما كان لهذا السياق كلّه أيُّ معنىً.