حديث: «احمل أخاك المؤمن على سبعين محملاً»
السؤال: هل ثبت عن أهل البيت (عليهم السلام) حديث: «احملْ أخاك المؤمن على سبعين محملاً من الخير»؟ وما المقصود منه؟ وهل له حدودٌ وضوابطٌ؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم - أيدك الله - أنَّ هذا الحديث مشهورٌ بين الناس والعلماء، لكن لم يُعثر له على سندٍ معتبرٍ أو روايةٍ ثابتةٍ بهذا اللفظ في المصادر الحديثيَّة المعروفة عند الإماميَّة.
نعم، استشهد به العالم الشيخ يوسف البحرانيُّ في كتابه الفقهيِّ قائلاً: (ويمكن الاستدلال على ذلك بالحديث المشهور: «احملْ أخاك المؤمن على سبعين محملاً من الخير») [الحدائق الناظرة ج15 ص353].
ولا يخفى أنّ جملةً من الأحاديث المرسلة بالمعنى الأعمِّ - أي التي لا وجود لسندٍ لها - معمولٌ بها بين أهل العلم. خصوصاً أنّ مثل هذا الحديث - مورد السؤال - من جملة أحاديث الأخلاق والرقائق ونحوها، التي جرى عمل المسلمين على التسامح فيها.
يضاف لذلك: أنّ المعنى العامَّ لهذا الحديث تؤيِّده نصوصٌ أخرى تدعو إلى حسن الظنِّ بالمؤمن، والبحث عن الأعذار له، وعدم التسرُّع في اتّهامه أو إساءة الظنِّ به؛ ولذلك أرسله جملةٌ من الأعاظم والأساطين في مصنَّفاتهم إرسال المسلَّمات استناداً لِلشهرة الاستدلاليَّة، من ذلك:
1ـ ما رواه أبو بكرٍ البيهقيُّ بالإسناد إلى جعفر بن محمَّدٍ [الصادق] (عليه السلام) قال: «إذا بلغك عن أخيك الشيء تنكره فالتمس له عذراً واحداً إلى سبعين عذراً، فإن أصبته وإلا قل لعلَّ له عذراً لا أعرفه» [شعب الإيمان ج6 ص323].
2ـ ما نقله أبو عبد الرحمن السلميُّ بالإسناد إلى حمدون القصار يقول: «إذا زلَّ أخٌ من إخوانكم فاطلبوا له سبعين عذراً، فإن لم تقبله قلوبكم فاعلموا أنَّ المعيب أنفسكم؛ حيث ظهر لمسلمٍ سبعون عذراً فلم تقبله» [آداب الصحبة ص45].
أما من جهة المعنى، فالحديث يرشد إلى أمرٍ أخلاقيٍّ مهمٍّ، وهو حمل كلام المؤمن وأفعاله على الوجه الحسن ما أمكن، حفاظاً على المودَّة والأخوَّة بين المؤمنين.
ويعتضد برواياتٍ معتبرةٍ ومستفيضةٍ عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام):
مثل: الأثر المرويِّ عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك منه، ولا تظنَّنَّ بكلمةٍ خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً» [الكافي ج٢ ص٣٦٢].
ومثل: ما ورد عن محمَّد بن الفضيل، عن أبي الحسن الكاظم (عليه السلام) قال: «قلت له: جعلت فداك، الرجل من إخوتي يبلغني عنه الشيء الذي أكرهه، فأسأله عن ذلك فينكر ذلك، وقد أخبرني عنه قومٌ ثقاتٌ، فقال لي: يا محمد، كذِّب سمعك وبصرك عن أخيك، فإنْ شهد عندك خمسون قسامةً، وقال لك قولاً، فصدِّقه وكذِّبهم، لا تذيعنَّ عليه شيئاً تشينه به وتهدم به مروءته، فتكون من الذين قال الله في كتابه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾» [الكافي ج٨ ص١٤٧].
ولا يخفى أنّ هذا المبدأ الخلقيَّ له محدِّداته وسياقاته وليس مطلقاً، فقد ورد: «المؤمن كيِّسٌ فطنٌ حذرٌ» [بحار الأنوار ج64 ص306]، خصوصاً في مثل هذا الزمان الذي كثر فيه الظلم والجور، وقد ورد في الأثر: «إذا كان الزمان زمان جورٍ وأهله أهل غدرٍ، فالطمأنينة إلى كلِّ أحدٍ عجزٌ» [تحف العقول ص357].
الخلاصة:
الحديث بهذا اللفظ لم يُعثر له على سندٍ، ولكنه من الأحاديث الأخلاقيَّة التي يتسامح فيها أهل العلم -إضافةً إلى كونه من المشهورات -، ومعناه صحيحٌ ومؤيَّدٌ برواياتٍ أخرى تحثُّ على حسن الظنِّ بالمؤمن والتماس العذر له.
نكتفي بهذا القدر، والحمد لله أوَّلاً وآخراً.
اترك تعليق