لماذا قاتل علي (ع) أهل الجمل وصفين مع أن وصية النبي (ص) له بالصبر عامة؟

السؤال: لماذا لم يقاتل عليّ الخلفاء الثلاثة وقاتل معاوية والزبير مع أنَّ وصيَّة النبيّ (ص) عامَّةٌ أنه لا تُشهر سيفك؟

: الشيخ أمير الخزاعي

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

للإجابة عن هذا السؤال، لا بدَّ من التفكيك بين طائفتين من الروايات، مع الالتفات إلى اختلاف الظروف والملابسات التي أحاطت بكلٍّ منهما.

الطائفة الأولى: هناك رواياتٌ تضمَّنت أمر النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين (عليه السلام) بالصبر على ما سيجري عليه بعده من ظلمٍ وغصبٍ وإقصاءٍ، وتحدَّثت عن تفاصيل المظالم التي ستقع على أهل البيت (عليهم السلام) عموماً، وعلى السيِّدة الزهراء (عليها السلام) خصوصاً.

فمن الروايات الواردة في هذا الباب: ما جاء في وصيَّة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين (عليه السلام): «يا عليّ، تفي بما فيها من موالاة من والى الله ورسوله، والبراءة والعداوة لمن عادى الله ورسوله، والبراءة منهم، على الصبر منك، وعلى كظم الغيظ، وعلى ذهاب حقِّك، وغصب خمسك، وانتهاك حرمتك؟ فقال: نعم يا رسول الله..» [الكافي ج1 ص128].

كما وردت نصوصٌ متعدِّدةٌ تُخبر عمَّا سيقع على أهل البيت (عليهم السلام) من البلاء والاضطهاد بعد النبيّ (صلَّى الله عليه وآله)، وخصوصاً ما يرتبط بالسيِّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) [الكافي ج2 ص31].

ومن مجموع هذه الروايات يُستفاد أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان مأموراً بالصبر حتَّى تجاه المظالم الواقعة على سيِّدة نساء العالمين (عليها السلام)، وأنَّ أمر النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) له بالصبر لم يكن أمراً مجرَّداً أو منفصلاً عن الواقع السياسيّ والاجتماعيّ الذي ستؤول إليه حال الأُمَّة بعده، بل كان نابعاً من قراءةٍ كاملةٍ ودقيقةٍ لما سيحدث بعد رحيله، بما أطلعه الله تعالى عليه من أحوال الأُمَّة ومستقبلها.

ومن أبرز تلك المعطيات التي كانت تفرض هذا الموقف:

1 ـ تفرُّق كلمة المسلمين بعد النبيّ (صلَّى الله عليه وآله)، وظهور بوادر الانقسام حتَّى في أواخر حياته الشريفة، وكانت رزيَّة يوم الخميس ـ الواردة في صحاح القوم ـ من أوضح الشواهد على ذلك؛ إذ كشفت عن حجم الاختلاف الذي وقع بحضرته (صلَّى الله عليه وآله)، وعدم استعداد قسمٍ من الصحابة للتسليم الكامل لأوامره.

2 ـ قلَّة الناصرين لأمير المؤمنين (عليه السلام) في مسألة الخلافة وقيادة الأُمَّة بعد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وهو ما ظهر جليّاً في أحداث السقيفة وما تلاها؛ حيث تقاعس كثيرٌ من المهاجرين والأنصار عن نصرته.

وقد وردت مجموعةٌ من الروايات التي تشير إلى هذه الحقائق [ينظر: كتاب سليم بن قيس ص134، وص302، تاريخ اليعقوبيّ ج2 ص126].

الطائفة الثانية: هي الروايات التي تضمَّنت أمر النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين (عليه السلام) بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، وهي رواياتٌ متعدِّدةٌ وردت بطرقٍ مختلفةٍ في مصادر الفريقين.

فقد رُوي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّه قال: «أُمرتُ بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين» [ينظر: المعجم الأوسط للطبراني ج8 ص213، تاريخ مدينة دمشق ج42 ص469]. وقد علَّق نور الدين الهيثميّ على الرواية بقوله: «رواه البزَّار والطبرانيّ في الأوسط، وأحد إسنادي البزَّار رجاله رجال الصحيح غير الربيع بن سعيد، ووثَّقه ابن حبَّان» [مجمع الزوائد ج7 ص238].

كما ورد الحديث من طرقٍ أخرى في [أنساب الأشراف ج2 ص138، مسند أبي يعلى ج1 ص397، ص186، تاريخ دمشق ج42 ص468، ومسند البزَّار]. وكذلك رُوي من أسانيد أخرى في [تاريخ بغداد ج8 ص336، تاريخ دمشق ج42 ص470، مناقب عليّ لابن مردويه ص161]. والروايات في هذا الباب كثيرةٌ جدّاً بألفاظٍ مختلفةٍ، ومن أراد التوسُّع فيمكنه مراجعة جواب منشور على المركز بعنوان: (هل كانت حروب علي بأمر النبي؟).

كما أنَّ هويَّة هذه الفئات كانت معلومةً ومحدَّدةً، ولم تكن عناوين عامَّةً مبهمةً؛ فقد روى الخوارزميّ في [المناقب ج1 ص176 ح212] بسنده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّه قال: «عهد إليَّ رسول الله (ص) أن أقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين». فقيل له: يا أمير المؤمنين، من الناكثون؟ قال: «الناكثون: أصحاب الجمل، والمارقون: الخوارج، والقاسطون: أهل الشام».

ولذلك فإنَّ (أل) الداخلة على هذه العناوين هي (أل) العهديَّة، لا الجنسيَّة الاستغراقيَّة؛ أي إنَّها تشير إلى أفرادٍ مخصوصين معروفين مسبقاً، لا إلى جميع أفراد الجنس، للمزيد يُنظر جوابٌ سابقٌ عن المركز بعنوان: (حديث الناكثين والقاسطين والمارقين).

وعليه، فالإمام عليّ (عليه السلام) كان مأموراً بقتال فئاتٍ محدَّدةٍ خرجت عليه بعد انعقاد بيعته واستقرار خلافته الظاهريَّة، لا أنَّه مأمورٌ بقتال عموم الصحابة أو كلِّ من خالفه مطلقاً، ومن هنا يظهر الفرق الجوهريّ بين هذه الطائفة من الروايات وبين الروايات المتقدِّمة الآمرة له بالصبر بعد وفاة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله).

فإنَّ الظروف والملابسات بين المرحلتين كانت مختلفةً تماماً:

ففي المرحلة الأولى ـ أي بعد رحيل النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) مباشرةً ـ كان المجتمع الإسلاميّ يعيش حالة اضطرابٍ شديدٍ، مع قلَّة الناصر، وحداثة عهد الناس بالإسلام، وخطر الانقسام الداخليّ، ممَّا استدعى الصبر وتقديم حفظ أصل الإسلام على المواجهة العسكريَّة.

وفي المرحلة الثانية، كان أمير المؤمنين (عليه السلام) هو الخليفة الرسميّ للمسلمين، وقد انعقدت له البيعة العامَّة، ثمَّ خرجت عليه جماعاتٌ مسلَّحةٌ تمرَّدت على السلطة الشرعيَّة، فكان القتال حينئذٍ دفاعاً عن كيان الدولة الإسلاميَّة وحفظاً لوحدة الأُمَّة، وفي إطار التكليف الخاصّ الذي أخبره به النبيّ (صلَّى الله عليه وآله).

ومن هنا، فلا بدَّ من التفكيك بين الطائفتين من الروايات وعدم الخلط بينهما؛ لأنَّ كلَّ طائفةٍ تتحدَّث عن ظرفٍ تاريخيٍّ مختلفٍ، وحكمٍ يرتبط بملابساته وشروطه الخاصَّة، فالإمام عليّ (عليه السلام) كانت له وصيَّتان من النبيّ (صلَّى الله عليه وآله): وصيَّةٌ بالصبر بعد وفاته عند قلَّة الناصر وخوف تفرُّق المسلمين وتهديد أصل الإسلام، ووصيَّةٌ أُخرى بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين بعد أن أصبح الخليفة الرسميّ للمسلمين وخرجت عليه جماعاتٌ متمرِّدةٌ، فلكلِّ حكمٍ ظرفه وموضوعه الخاصّ.

وقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) نفسه ما يوضِّح هذا المعنى ويجيب بصورةٍ مباشرةٍ عن الإشكال المتقدِّم، وذلك فيما رواه [الاحتجاج ج1 ص279]، حيث سُئل الإمام (عليه السلام) عن السبب في عدم مقاتلته لأبي بكرٍ وعمر، مع أنَّه قاتل طلحة والزبير ومعاوية بعد ذلك.

فقد رُوي أنَّه كان جالساً في بعض مجالسه بعد رجوعه من النهروان، فجرى الحديث حتَّى قيل له: «لم لا حاربت أبا بكرٍ وعمر كما حاربت طلحة والزبير ومعاوية؟ فقال عليّ (عليه السلام): إنِّي كنت لم أزل مظلوماً مستأثراً على حقِّي. فقام إليه الأشعث بن قيس، فقال: يا أمير المؤمنين، لِمَ لَمْ تضربْ بسيفك، ولم تطلب بحقِّك؟

فقال: يا أشعث، قد قلتَ قولاً فاسمع الجواب وعه، واستشعر الحجَّة، إنَّ لي أُسوةً بستَّةٍ من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين.

أوَّلهم: نوح حيث قال: {رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ}. فإن قال قائلٌ: إنَّه قال هذا لغير خوفٍ فقد كفر، وإلَّا فالوصيّ أعذر.

وثانيهم: لوط حيث قال: {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ}. فإن قال قائلٌ: إنَّه قال هذا لغير خوفٍ فقد كفر، وإلَّا فالوصيّ أعذر.

وثالثهم: إبراهيم خليل الله حيث قال: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ}. فإن قال قائلٌ: إنَّه قال هذا لغير خوفٍ فقد كفر، وإلَّا فالوصيّ أعذر.

ورابعهم: موسى (عليه السلام) حيث قال: {فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ}. فإن قال قائلٌ: إنَّه قال هذا لغير خوفٍ فقد كفر، وإلَّا فالوصيّ أعذر.

وخامسهم: أخوه هارون حيث قال: {قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي}. فإن قال قائلٌ: إنَّه قال هذا لغير خوفٍ فقد كفر، وإلَّا فالوصيّ أعذر.

وسادسهم: أخي محمَّد خير البشر (صلَّى الله عليه وآله)، حيث ذهب إلى الغار ونوَّمني على فراشه. فإن قال قائلٌ: إنَّه ذهب إلى الغار لغير خوفٍ فقد كفر، وإلَّا فالوصيّ أعذر.

فقام إليه الناس بأجمعهم فقالوا: يا أمير المؤمنين، قد علمنا أنَّ القول قولك ونحن المذنبون التائبون، وقد عذرك الله».

وهذه الرواية توضِّح بشكلٍ صريحٍ أنَّ الإمام (عليه السلام) كان يرى موقفه بعد وفاة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) امتداداً لسنَّة الأنبياء في التعامل مع ظروف الاستضعاف وقلَّة الناصر وخطر الانقسام، وأنَّ عدم لجوئه إلى القتال في تلك المرحلة لم يكن تنازلاً عن الحقّ، بل كان تصرُّفاً منسجماً مع الحكمة الإلهيَّة وحفظ أصل الدين وأمرٍ نبويٍّ، بخلاف المراحل اللاحقة التي تغيَّرت فيها الظروف وأصبح فيها الإمام (عليه السلام) هو الخليفة الظاهريّ للمسلمين، فكان القتال حينئذٍ ضمن تكليفٍ آخر مختلفٍ في موضوعه وشرائطه. والحمد لله ربِّ العالمين.