وثاقة الشيخ النجاشي

السؤال: يستند الشيعة الإماميَّة في معرفة حال الرجال على الشيخ النجاشيّ، مع أنَّ النجاشيّ نفسه لم تثبت وثاقته! فكيف تعتمدون على شخص لم تثبت وثاقته في توثيق وتضعيف الرجال؟!

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

إنَّ لنا لبيان وثاقة الشيخ النجاشيّ (طاب ثراه) وجلالة شأنه أموراً عديدة، منها:

الأمر الأوَّل: تسالم الأعلام:

فقد تسالم أعلام الإماميَّة على وثاقة وجلالة الشيخ النجاشيّ (طاب ثراه) وعدُّوه من الأعلام الكبار في مجال الرجال والتوثيق والتضعيف، بل يرى بعض الأعلام ترجيح قوله على غيره من أهل الجرح والتعديل؛ لما عُرِف عن ضبطه ودقَّته في هذا الفن، وهذا كاشفٌ عن رتبة أعلى من الوثاقة، كما لا يخفى.

قال الشيخ عبَّاس القمّيّ في حقِّه: (كان (رحمه الله) من أعظم أركان الجرح والتعديل، وأعلم علماء هذا السبيل، وهو الرجل كلُّ الرجل لا يقاس بسواه، ولا يعدل به من عداه. أجمع علماؤنا على الاعتماد عليه، وأطبقوا على الاستناد في أحوال الرجال إليه، وبالجملة فجلالة قدره وعظم شأنه في الطائفة أشهر من أنْ يحتاج إلى نقل الكلمات، بل الظاهر منهم تقديم قوله ـ ولو كان ظاهراً ـ على قول غيره من أئمَّة الرجال في مقام المعارضة في الجرح والتعديل ولو كان نصَّاً) [الكنى والألقاب ج3 ص239].

الأمر الثاني: توثيق تلميذه له:

فقد نصَّ على وثاقته وجلالة قدره تلميذه الثقة الفقيه الشيخ سُليمان بن الحسن بن سُليمان الصهرشتيّ، حيث قال في كتابه قبس المصباح: (فصل: أخبرنا الشيخ الصدوق أبو الحسن [الحسين] أحمد بن علي بن أحمد النجاشيّ الصيرفيّ، المعروف بابن الكوفيّ ـ يعني النجاشيّ صاحب الرجال ـ ببغداد في آخر شهر ربيع الأوَّل سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة، وكان شيخاً بهياً ثقةً، صدوق اللسان عند الموافق والمخالف رضي الله عنه) [يُنظر: رياض العلماء للميرزا الأفنديّ ج2 ص445، الفوائد الرجاليَّة للسيِّد بحر العلوم ج2 ص٤٠، وغيرهما من كتب الرجال والتراجم].

والصهرشتيّ هذا من أعيان الطائفة وثقاتها كما قلنا، وكتابه من الكتب المهمَّة والمعتبرة في الأدعية عند أعلام الطائفة.

قال العلَّامة المجلسيّ: (وكتاب قبس المصباح، من مؤلَّفات الشيخ الفاضل أبي الحسن سُليمان ابن الحسن الصهرشتيّ، من مشاهير تلامذة شيخ الطائفة، في الدعاء. وهو يروي عن جماعةٍ، منهم: أبو يعلى محمَّد بن الحسن بن حمزة الجعفريّ، وشيخ الطائفة، وأبو الحسين أحمد بن علي الكوفيّ النجاشيّ) [البحار ج1 ص15].

وقال أيضاً (طاب ثراه) في بيان الوثوق على الكتب المذكورة في كتابه ما هذا لفظه: (إنَّ أكثر الكتب التي اعتمدنا عليها في النقل مشهورة معلومة الانتساب إلى مؤلِّفيها: ككتب الصدوق (رحمه الله)... إلى أنْ قال: وكتاب قبس المصباح، قد عرفت جلالة مؤلِّفه، مع أنه مقصور على الدعاء) [بحار الأنوار ج1 ص٢٦ـ33].

وزبدة الكلام: إنَّ توثيق تلميذه المعاصِر له في كتابه المذكور كافٍ في تحقق الاطمئنان بوثاقة النجاشيّ وعلو شأنه.

الأمر الثالث: توثيق جمعٍ من الأعيان له:

لقد نصَّ على وثاقة الشيخ النجاشيّ وجلالة قدره جُملةٌ من أعيان المتأخِّرين، ممَّا يكشف عن وضوح هذا الأمر عندهم، فمنهم:

1ـ العلَّامة الحلّيّ، ونصُّ كلامه: (أحمد بن علي بن أحمد بن العبَّاس بن محمَّد بن عبد الله بن إبراهيم بن محمَّد بن عبد الله بن النجاشيّ، الذي ولي الأهواز ... وكان أحمد يكنَّى أبا العبَّاس (رحمه الله)، ثقةٌ معتمدٌ عليه عندي. له كتاب الرجال، نقلنا منه في كتابنا هذا وغيره أشياء كثيرة، وله كتبٌ آخر ذكرناها في الكتاب الكبير) [خلاصة الأقوال ص٧٢].

2ـ العلَّامة ابن داوود الحلّيّ، ونصُّ كلامه: (أحمد بن علي بن أحمد بن العبَّاس بن محمَّد بن عبد الله بن إبراهيم بن محمَّد بن عبد الله بن النجاشيّ الذي ولي الأهواز، مصنِّف كتاب الرجال. ثقة، لم (جش)، معظّم، كثير التصانيف) [الرجال ص٤٠].

3ـ المحقق السيد محمَّد باقر الداماد، ونصُّ كلامه: (إنَّ أبا العبَّاس النجاشيّ، شيخنا الثقة الفاضل الجليل القدر، السند المعتمد عليه، المعروف، صاحب كتاب الرجال، أحمد بن علي بن أحمد بن العبَّاس بن محمَّد بن عبد الله بن إبراهيم بن محمَّد بن عبد الله بن النجاشيّ الذي وُلِّي الأهواز) [الرواشح السماويَّة ص١٢٧].

4ـ المحدِّث الشيخ الحر العامليّ، ونصُّ كلامه: (أحمد بن العبَّاس النجاشيّ... وهو ثقةٌ، جليل القدر، معاصرٌ للشيخ، يروي عن المفيد، ووثقه العلَّامة إلَّا أنه قال: أحمد بن علي بن العبَّاس بن محمَّد بن عبد الله بن إبراهيم ابن محمَّد بن عبد الله النجاشيّ) [أمل الآمل ج2 ص١٥].

5ـ العلَّامة المجلسيّ، ونصُّ كلامه: (وكتابا معرفة الرجال والفهرست، للشيخين الفاضلين الثقتين محمَّد بن عمر بن عبد العزيز الكشيّ، وأحمد بن علي بن أحمد النجاشيّ) [بحار الأنوار ج1 ص16].

6ـ المحقق السيد محمَّد مهدي بحر العلوم، ونصُّ كلامه: (أحمد بن علي النجاشيّ (رحمه الله) أحد المشايخ الثقات، والعدول الأثبات، من أعظم أركان الجرح والتعديل، وأعلم علماء هذا السبيل، أجمع علماؤنا على الاعتماد عليه، وأطبقوا على الاستناد في أحوال الرجال إليه. وقد صرَّح بتعظيمه وتوثيقه العلَّامة (قدِّس سرُّه) وغيره ممن تقدَّم عليه أو تأخر، وأثنوا عليه بما ينبغي أنْ يذكر، وإنْ أغنى العلم به عن الخبر، تأكيداً للمرام، حيث يبتني عليه كثير من الأحكام) [الفوائد الرجاليَّة ج٢ ص٣٥].

7ـ السيد علي البروجرديّ، ونصُّ كلامه: (أحمد بن العبَّاس النجاشيّ الأسديّ ... إلى قوله: وربما ينسب إلى جدِّه فيقال: أحمد بن العبَّاس. ثقة معتمد، له كتاب الرجال) [طرائف المقال ج1 ص١٢٤].

8ـ الميرزا حسين النوريّ، ونصُّ كلامه: (الشيخ الجليل أبو العبَّاس أحمد بن علي بن أحمد بن العبَّاس بن محمَّد بن عبد الله بن إبراهيم بن محمَّد بن عبد الله النجاشيّ ... العالم النقاد البصير، المضطلع الخبير، الذي هو أفضل من خطَّ في فن الرجال بقلم، أو نطق بفم، فهو الرجل كلُّ الرجل، لا يقاس بسواه، ولا يعدل به من عداه، كلما زدت به تحقيقاً ازددت به وثوقاً، وهو صاحب الكتاب المعروف الدائر الذي اتكل عليه كافَّة الأصحاب) [خاتمة المستدرك ج3 ص١٤٦].

9ـ العلَّامة المحدِّث الشيخ عبَّاس القمّيّ، ونصُّ كلامه: (الشيخ الثقة الثبت الجليل، النقاد البصير، والمضطلع الخبير أبو العبَّاس أحمد بن علي بن أحمد العبَّاس بن محمَّد بن عبد الله بن إبراهيم بن محمَّد بن عبد الله النجاشيّ. كان (رحمه الله) صاحب كتاب الرجال المعروف الدائر الذي اتكل عليه كافَّة العلماء الإماميَّة قدَّس الله أرواحهم) [الكنى والألقاب ج3 ص239].

10ـ المحقق السيد أبو القاسم الخوئيّ، ونصُّ كلامه: (أحمد بن العبَّاس النجاشيّ، وهو خرِّيت هذه الصناعة، والمتسالم عليه بوثاقته) [معجم رجال الحديث ج2 ص166].

إلى غيرها من كلمات الأعلام في هذا الشأن.

والنتيجة النهائيَّة من جميع ذلك، أنَّ وثاقة الشيخ النجاشيّ وجلالة شأنه عند الطائفة أمرٌ في غاية الوضوح.. والحمد لله ربِّ العالمين.