هل صح أن القنبرة تلعن مبغضي أهل البيت (ع)؟
السؤال: روى الكلينيّ عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) عن أبيه، عن جدِّه (عليهما السلام) قال: «لا تأكلوا القنبرة، ولا تسبُّوها، ولا تعطوها الصبيان يلعبون بها، فإنَّها كثيرة التسبيح لله تعالى، وتسبيحها لعن الله مبغضي آل محمَّد (عليه السلام)». فهل صحَّ أنَّ القنبرة تلعن مبغضي أهل البيت؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
يُشير الأخ السائل إلى ما رواه الشيخ الكلينيّ (طاب ثراه) بسنده عن سُليمان الجعفريّ، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، عن أبيه، عن جدِّه (عليهما السلام) قال: «لا تأكلوا القنبرة، ولا تسبُّوها، ولا تعطوها الصبيان يلعبون بها، فإنَّها كثيرة التسبيح لله تعالى، وتسبيحها لعن الله مبغضي آل محمَّد (عليه السلام)» [الكافي ج6 ص ٢٢٥].
إذا بان هذا، فلنا بعض التعليقات، نوجزها بذكر أمور:
الأمر الأوَّل: إنَّ مبدأ اللعن وأساسه هو القرآن الكريم؛ وذلك لكونه وارداً في العديد من الآيات الكريمة، أمثال قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩]، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦١]، وغيرهما من الآيات المباركة؛ ولذلك فلا ينبغي الريب في أصل ثبوته ومشروعيّته في الإسلاميّ.
الأمر الثاني: لقد صرَّح القرآن الكريم في بعض الآيات المباركة بأنَّ جميع المخلوقات تُسبِّح لله تعالى، غير أنَّ الإنسان لا يفقه حقيقة هذا التسبيح وكيفيّته، كما في قوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤]. وهذه الآية المباركة تدلُّ بعمومها على أنَّ جميع الموجودات داخلةٌ في هذا التسبيح، من الحيوان والنبات والجماد وسائر المخلوقات الأخرى.
الأمر الثالث: كما صرَّح القرآن الكريم أيضاً بأنَّ الطير بكافة ألوانه وأصنافه أممٌ أمثالنا، كما وأنَّ له نوعاً من الفهم والإدراك والمنطق الخاصّ به كما في قصَّة الهدهد الذي كلَّمه النبيّ سُليمان (عليه السلام)، كما أنَّ له صلاةً وتسبيحاً مختصَّين به، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ ۖ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور: ٤١].
الأمر الرابع: إنَّ رواية لعن القنبرة لأعداء أهل البيت (عليهم السلام) من الروايات المستفيضة في تراث الفريقين، نذكر قسماً منها:
1ـ روى الشيخ التلعكبريّ بإسناده عمَّن أخبره، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، عن آبائه (عليهم السلام) قال: «قال رجلٌ من اليهود لرسول الله (صلى الله عليه وآله): يا محمَّد، أخبرني ما يقول الحمار في نهيقه ... وما تقول القنبرة في صوتها؟ ـ إلى أنْ قال ـ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أمَّا الحمار فيلعن العشَّار... وأمَّا القنبرة فتقول: لعن الله مَن يبغض أهل بيت رسول الله» [الأصول الستة عشر ص278].
2ـ وروى الشيخ الكلينيّ بإسناده إلى أبي أيوب المدنيّ، عن سليمان الجعفريّ، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، عن أبيه، عن جدِّه (عليهما السلام)، قال: «لا تأكلوا القنبرة، ولا تسبُّوها، ولا تعطوها الصبيان يلعبون بها، فإنَّها كثيرة التسبيح لله تعالى، وتسبيحها لعن الله مبغضي آل محمَّد (عليهم السلام)» [الكافي ج6 ص225].
ورواه الشيخ الكلينيّ من طريقٍ ولفظ آخرَين [يُنظر: الكافي ج6 ص225]، ورواه أيضاً الشيخ الطوسيّ بالإسناد إلى أبي أيوب المدنيّ [تهذيب الأحكام ج9 ص20، الأمالي ص687].
3ـ وروى الشيخ الصدوق بالإسناد إلى عكرمة، عن ابن عبَّاس قال: «لما كان في عهد خلافه عمر أتاه قوم من أحبار اليهود، فسألوه عن أقفال السماوات ما هي.. وما يقول الديك والفرس والحمار والضفدع والقنبر؟ فنكَّس عمر رأسه. فقال: يا أبا الحسن، ما أرى جوابهم إلَّا عندك.. فقال (عليه السلام): أمَّا أقفال السماوات فهو الشرك بالله.. والقنبر يقول: اللَّهم العن مبغضي محمَّد وآل محمَّد» [يُنظر: قصص الأنبياء للراونديّ ص255].
وروى الثعلبيّ هذه الرواية مفصَّلاً، وفيه: «قالوا: فأخبرنا، ما يقول القنبر في صفيره؟ قال: يقول: اللهم العن مبغضي محمَّد وآل محمَّد» [عرائس المجالس ص413].
4ـ وروى أيضاً بإسناده إلى أبي صالح، عن ابن عبَّاس أنَّه قال: «معاشر الناس، اعلموا أنَّ الله (تبارك وتعالى) خلق خلقاً ليس هم من ذرِّية آدم، ويلعنون مبغضي أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقيل له: ومَن هذا الخلق؟ قال: القنابر، تقول في السحر: اللهم العن مبغضي علي، اللهم أبغض مَن أبغضه، وأحب مَن أحبَّه» [علل الشرائع ج1 ص143].
5ـ وروى الشيخ المفيد عن ابن عبَّاس قال: «شهدنا مجلس أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، فإذا نحن بعدِّةٍ من العجم، فسلَّموا عليه، فقالوا: جئناك لنسألك عن ست خصال ـ إلى أنْ قال ـ قالوا: أخبرنا ما يقول الفرس في صهيله، والحمار في نهيقه، والدرَّاج في صياحه، والقنبرة في صفيرها؟... فقال عليٌ (عليه السلام):... وتقول القنبرة في صفيرها: اللهم العن مبغضي آل محمَّد. قال: فقالوا: آمنا وصدَّقنا، وما على وجه الأرض مَن هو أعلم منك» [الاختصاص ص136].
ورواه ابن حاتم العامريّ عن عبد الله بن الحسين، عن أبيه، عن جدِّه، قال: «شهدنا مجلس أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فأتاه نفر من العجم، فسلَّموا عليه...» [الدر النظيم ص389]، ولكن تغيَّرت فيه كلمة «القنبرة» إلى «القمريّ».
6ـ وروى الحافظ رجب البرسيّ عن محمَّد بن مسلم، قال: «خرجت مع أبي جعفر (عليه السلام)، فإذا نحن بقاعٍ مجدب يتوقَّد حرَّاً ـ إلى أنْ قال ـ فقال (عليه السلام):... وأمَّا القنابر فإنَّهم من موالينا أهل البيت، وإنَّهم يقولون في صفيرهم: بوركتم أهل البيت، وبوركت شيعتكم، ولعن الله أعداءكم» [مشارق الأنوار ص90].
7ـ وروى ابن المغازليّ بإسناده إلى ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) خلق خلقاً ليس من ولد آدم ولا من ولد إبليس، يلعنون مبغضي علي بن أبي طالب. قالوا: يا رسول الله، مَن هم؟ قال: هم القنابر، ينادون في السحر على رؤوس الشجر: ألا لعنة الله على مبغضي علي بن أبي طالب» [مناقب علي ص131].
ونقله ابن شاذان والديلميّ وابن حسنويه وغيرهم [يُنظر: الروضة ص85، إرشاد القلوب ج2 ص236، در بحر المناقب (خ) ص48، بناء المقالة الفاطميَّة ص229].
8ـ ونقل الإمام محمَّد بن المطهَّر الزيديّ، فقال: «وعنه (صلى الله عليه وآله) من طريق جعفر الصادق، عن أبيه، عن جدِّه، عن الإمام الحسن السبط، عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) أنَّه قال: إذا صاح النسر قال: ابن آدم، عش ما شئت آخره الموت... وإذا صاح القنبر قال: إلهي ألعن مبغضي آل محمَّد» [عقود العقيان ص102].
أقول: اختلفت المصادر في سياقة هذا الحديث، فقد نقله المفسِّر القرطبيّ عن الحسن عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) [الجامع لأحكام القرآن ج13 ص166]. ونقله الثعلبيّ عن جعفر الصادق، عن أبيه، عن جدِّه، عن الحسن بن علي [الكشف والبيان ج7 ص195]. ونقله المفسِّر البغويّ عن جعفر الصادق، عن أبيه، عن جدِّه، عن الحسين، عن علي [معالم التنزيل ج3 ص409]. ونقله الخازن والشربينيّ عن جعفر الصادق، عن أبيه، عن جدِّه الحسين بن علي [تفسير الخازن ج3 ص340، السراج المنير ج3 ص47].
9ـ وروى المفسِّر الواحديّ بإسناده إلى سهل، عن أبيه، عن ابن عبَّاس: «قام قومٌ من أهل العراق، فقالوا: أنت ابن عبَّاس؟ قال: فقلت: نعم. قالوا: أنت ابن عم الذي يزعم أنَّه رسول الله، والسفير فيما بينه وبين الله جبريل؟ قال: نعم، وأنا على ذلك من الشاهدين. قالوا: فإنَّا قومٌ قد قرأنا الكتب وعرفنا ما فيها، ونحن سائلون عن سبعة أشياء... أمَّا القنبر فإنَّه يقول في صفيره: اللَّهم العن مبغضي محمَّد وآل محمَّد» [التفسير الوسيط ج3 ص372].
ونقله المفسِّر السمعانيّ والبغويّ والحدَّاد في تفاسيرهم، وكذلك الإمام محمَّد بن المطهَّر الزيديّ [يُنظر: تفسير السمعانيّ ج4 ص83، معالم التنزيل ج3 ص409، كشف التنزيل ج5 ص11، عقود العقيان ص104].
10ـ ونقل الدميريّ، فقال: «قال كعب الأحبار وفرقد السنجيّ: مرَّ سليمان (عليه السلام) على بلبلٍ فوق شجرة، يحرِّك ذنبه ورأسه، فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول هذا البلبل؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: يقول: أكلتُ نصف تمرة، فعلى الدنيا العفاء... والقنبرة تقول: اللَّهم العن مبغضي محمَّد وآل محمَّد» [حياة الحيوان الكبرى ج2 ص139].
ونقل شهاب الدين العلويّ الحضرميّ فقال: «وعن كعب الأحبار وفرقد السنجيّ: أنَّ القنبرة تقول: اللَّهم العن مبغضي محمَّد وآل محمَّد» [رشفة الصادي ص95].
ويتحصَّل من هذه الأحاديث والآثار والمصادر: أنَّ خبر القنبرة ولعنها لأعداء أهل البيت (عليهم السلام) قد روي بعدَّة طرق، فقد ورد عن النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام)، وعن الإمام الحسن أو الحسين (عليهما السلام)، وعن الإمام الباقر (عليه السلام)، وعن الإمام الصادق (عليه السلام)، وعن الإمام الرضا (عليه السلام)، وورد أيضاً عن عبد الله بن عبَّاس، وعن كعب الأحبار، وفرقد السنجيّ عن النبيّ سليمان (عليه السلام) وذلك يُحقِّق عنوان الاستفاضة، كما قلنا.
كما يتحصَّل أيضاً: أنَّ حديث القنبرة هذا يرويه أعاظم محدِّثي الإماميَّة بمختلف طبقاتهم، كالحسن بن محبوب، وأحمد البرقيّ، وأحمد الأشعريّ، والصفَّار، والعطَّار، والكلينيّ، وابن الوليد، والصدوق، وابن شاذان، وأبيه، والمفيد، والتلعكبريّن والطوسيّ، وغيرهم كثيرون. بل إنَّ خصوص رواية أحمد الأشعريّ وابن الوليد له يزيده قوَّة ومتانة؛ وذلك لما عُرفا به من التشدُّد في الأخبار، إذْ إنَّهما لا يرويان ـ عادةً ـ إلَّا الأحاديث النظيفة.
ويتحصَّل أيضاً: أنَّ حديث القنبرة لا تختص الإماميَّة بروايته، بل يرويه جملةٌ وفيرةٌ من غير الإماميَّة، من أمثال: الواحديّ، وابن المغازليّ، والقرطبيّ، والثعلبيّ، والدميريّ، والبغويّ، والخازن، والشربينيّ، والحدَّاد، والحضرميّ، وابن المطهَّر، وغيرهم.
الأمر الخامس: إنَّ ردَّ هذه الأخبار المستفيضة بدعوى أنَّ الطيور مخلوقاتٌ غير عاقلةٍ، وغير مكلَّفةٍ، أو المصير إلى تأويلها أمرٌ مرفوضٌ جداً، بعد إخبار القرآن الكريم لنا بأنَّ لها تسبيحاً وصلاةً مختصَّين بها، كما تقدَّم.
قال العلَّامة المجلسيّ في المقام: (اعلم أنَّ ردَّ الأخبار المستفيضة الواردة عن أئمَّة الأنام (عليهم الصلاة والسلام) بمحض استبعاد الأوهام، أو تقليد الفلاسفة الذين استبدُّوا بالأحلام، ولم يؤمنوا بما جاءت به الأنبياء الكرام، لا يليق بالأفاضل الأعلام.
كيف؟ وقد ورد أمثالها في القرآن الكريم من تسبيح الطير مع داوود (عليه السلام)... إلى قوله: وقصَّة الهدهد والنملة مع سليمان (عليه السلام)... إلى قوله: والأخبار الدالَّة على أنَّ لها تسبيحاً وذكراً، وأنَّها تعرف خالقهم ومصالحهم ومفاسدهم أكثر من أنْ تحصى، ولا استبعاد في كونها مكلَّفة ببعض التكاليف، وتعذَّب في الدنيا بتركها كما ورد في الأخبار الكثيرة أنه لا يصاد طيرٌ إلَّا بتركها التسبيح ... إلى قوله: وبالجملة: ردُّ ما ورد عن أرباب العصمة (صلوات الله عليهم) أو تأويلها من غير برهان قاطع اجتراء على الله ورسوله وحُججه (عليهم السلام)) [بحار الأنوار ح27 ص ٢٧٣].
والنتيجة النهائيَّة من جميع ما تقدَّم، أنَّ هذه المعُطيات المذكورة تؤكِّد صحَّة ما ورد من أخبار لعن طائر القنبرة لمبغضي أهل البيت (عليهم السلام)، كما صار واضحاً.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق