حال نصر بن مزاحم المنقري
السؤال: ما هو حال «نصر بن مزاحم» صاحب كتاب «وقعة صفِّين» من حيث العقيدة والوثاقة؟ وموقف أهل السنَّة منه؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم - أيَّدك الله - أنَّ الكلام في حال المؤرِّخ الإخباريّ أبي الفضل نصر بن مزاحم المنقريّ التميميّ الكوفيّ [ت212هـ]، يقع في جهتين:
الجهة الأولى: جهة وثاقته وضبطه ومكانته العلميَّة:
إنَّ نصر بن مزاحم يُعدُّ من مشاهير أصحاب الأخبار والسير في القرن الثاني والثالث الهجريّ، وقد عُرف بكثرة التصنيف والاشتغال بتدوين الوقائع التاريخيَّة الكبرى، ولا سيَّما ما يرتبط بالحروب الداخليَّة في صدر الإسلام، كوقعة الجمل وصفِّين والنهروان. ويكفي في الدلالة على سعة باعه العلميّ أنَّ جملةً من أعلام المؤرِّخين وأرباب المقاتل قد اعتمدوا على مرويَّاته ونقلوا عنها بصورةٍ مباشرةٍ أو غير مباشرةٍ.
وقد نصَّ الشيخ النجاشيّ ـ وهو من أدقِّ علماء الرجال عند الإماميَّة ـ على تعديله بقوله: (كوفيّ، مستقيم الطريقة، صالح الأمر، غير أنَّه يروي عن الضعفاء، وكتبه حسانٌ). ثمَّ عدَّد مصنَّفاته، ومنها: «كتاب صفِّين»، و«كتاب الجمل»، و«كتاب النهروان»، و«كتاب الغارات»، و«مقتل الحسين» [رجال النجاشيّ ص428].
وهذا التعبير من النجاشيّ ظاهرٌ في توثيقه له من حيث الاستقامة والصلاح، وإنْ أشار إلى ملاحظةٍ رجاليَّةٍ تتعلَّق بروايته عن بعض الضعفاء، وهي ملاحظةٌ لا تستلزم سقوطه عن الاعتبار مطلقاً، بل غايتها التحفُّظ في خصوص الأسانيد التي ينفرد بها أولئك الضعفاء.
ومن هنا اعتمد علماء الإماميَّة كتابه «وقعة صفِّين» اعتماداً واسعاً، وعدُّوه من أنفس المصادر التاريخيَّة القديمة؛ إذ يمتاز بقرب عصر مؤلِّفه من الواقعة، واحتوائه على قدرٍ كبيرٍ من الخطب والمراسلات والأشعار والتفاصيل الميدانيَّة التي لا تكاد توجد بهذا الامتداد في غيره من المصادر المتأخِّرة.
بل إنَّ بعض الباحثين يرى أنَّ قيمة الكتاب لا تنحصر في الجانب الروائيّ فحسب، بل تتعدَّاه إلى كونه وثيقةً تاريخيَّةً مبكِّرةً تعكس طبيعة الاتجاهات السياسيَّة والفكريَّة التي كانت حاضرةً في القرن الثاني الهجريّ عند رواة الكوفة وأصحاب الأخبار.
الجهة الثانية: جهة مذهبه وعقيدته وموقف الفريقين منه:
وقع الخلاف بين الأعلام في تحديد انتمائه العقديّ بدقَّةٍ:
فقد ذهب جماعةٌ إلى أنَّه من الإماميَّة أو من المتشيِّعين القريبين جدّاً من مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، واستظهروا ذلك من طبيعة رواياته ومضامين كتبه، ولا سيَّما ما يتعلَّق بفضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) ونقله لمواقف خصومه في صفِّين وغيرها.
وفي مقابل ذلك، ذهب آخرون إلى أنَّه من محدِّثي العامَّة، إلَّا أنَّه كان شديد الميل إلى التشيُّع، حتَّى عُدَّ عند أهل السنَّة من الغلاة في الرفض.
وقد تعرَّض الشيخ التستريّ لهذا النزاع، فنقل كلمات الفريقين، ثمَّ قال ما حاصله: إنَّ الظاهر كونه كأبي مخنف، من العامَّة القريبين إلى الإماميَّة، والشاهد على ذلك طبيعة مؤلَّفاته واتجاهها العامّ [ينظر: قاموس الرجال ج10 ص360].
ومن الشواهد المهمَّة على منزلته العلميَّة ما نقله ابن أبي الحديد المعتزليّ، حيث وصفه بقوله: (هو في نفسه ثبتٌ صحيح النقل، غير منسوبٍ إلى هوىً ولا إدغالٍ، وهو من رجال أصحاب الحديث) [شرح نهج البلاغة ج1 ص183].
وهذا التعبير ـ مع صدوره من عالمٍ معتزليٍّ سنِّيِّ الاتجاه ـ يكشف عن أنَّ الرجل لم يكن متَّهماً عند الجميع بالكذب والوضع، بل إنَّ طائفةً من أهل العلم كانت ترى فيه الثبت والإتقان في الجملة.
إلَّا أنَّ جمهور المحدِّثين من أهل السنَّة قد بالغوا في تضعيفه والطعن فيه، وسبب ذلك ـ في الأغلب ـ يعود إلى أمرين:
الأوَّل: تشيُّعه الواضح وميله إلى أهل البيت (ع):
الثاني: اشتمال رواياته على موادَّ تاريخيَّةٍ لا تنسجم مع الصورة المثاليَّة التي رسمتها المدرسة السنِّيَّة لبعض الصحابة والقادة الأمويِّين، كمعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وغيرهما.
ولهذا نجد أنَّ كلمات الجرح عندهم تدور غالباً حول اتِّهامه بالرفض والغلوِّ، لا حول ثبوت الكذب عليه بدليلٍ قاطعٍ.
قال العقيليّ: (كان يذهب إلى التشيُّع، وفي حديثه اضطرابٌ وخطأٌ كثيرٌ) [الضعفاء الكبير ج4 ص300].
وقال ابن الجوزيّ ناقلاً عن الجوزجانيّ وغيره: (كان نصرٌ زائغاً عن الحقِّ مائلاً). وأرادوا بذلك غلوَّه في الرفض، مع اتِّهامه بالرواية عن الضعفاء وإيراد المناكير [الموضوعات ج1 ص378].
إلَّا أنَّ المتأمِّل في كلماتهم يجد أنَّ قسماً مهمّاً من هذا التشنيع ناشئٌ من الخلفيَّة المذهبيَّة؛ لأنَّ كثيراً من الرواة الذين وُصفوا بالتشيُّع عندهم قد جُرحوا لمجرَّد الميل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) أو رواية ما لا ينسجم مع الاتجاه السياسيّ الرسميّ للدولة الأمويَّة ثمَّ العباسيَّة.
على أنَّه ينبغي الالتفات إلى أمرٍ منهجيٍّ مهمٍّ، وهو أنَّ كتب التاريخ والسير لا تُعامل دائماً معاملة كتب الأحكام والعقائد من حيث اشتراط أعلى درجات الصحَّة السنديَّة؛ إذ جرى ديدن المؤرِّخين على جمع الأخبار وتمحيصها بالمقارنة والشواهد والقرائن، لا بمجرَّد صحَّة السند الاصطلاحيَّة فقط. ومن هنا فإنَّ تضعيف نصر بن مزاحم عند بعض المحدِّثين لا يقتضي إهدار قيمة كتابه التاريخيَّة بالمرَّة، خصوصاً مع موافقة كثيرٍ من مرويَّاته لما ورد في مصادر أخرى متعدِّدة.
وعليه؛ فإنَّ الإنصاف يقتضي القول:
إنَّ نصر بن مزاحم من كبار الإخباريِّين والمؤرِّخين المتقدِّمين، وكان معروفاً بالميل إلى أهل البيت (عليهم السلام)، وقد وثَّقه أو حسَّن حاله جملةٌ من علماء الإماميَّة، واعتمدوا كتبه في التاريخ والسير، ولا سيَّما «وقعة صفِّين». وأمَّا عند جمهور أهل السنَّة فهو ضعيف الحديث، متَّهمٌ بالتشيُّع والغلوِّ فيه، ولذلك لا يعتمدون على منقولاته المنفردة، لا سيَّما فيما يتعلَّق بمثالب بعض الصحابة وأحداث الفتن السياسيَّة.
نكتفي بهذا القدر، والحمد لله أوَّلاً وآخراً.
اترك تعليق