هل فرح معاوية بمقتل الإمام الحسن (ع)؟

السؤال: هل ثبت أنَّ معاوية بن أبي سفيان قد فرح بمقتل الإمام الحسن (عليه السلام)؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

لا يخفى على المتأمِّل في أحداث تلك المرحلة التاريخيَّة أنَّ معاوية بن أبي سفيان كان من ألدِّ أعداء أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام)، سواء على المستوى العقائديّ أم السياسيّ.

وقد تجلَّى ذلك بوضوحٍ في مواقفه المتكرِّرة تجاههم، وحروبه المعروفة ضدَّ أمير المؤمنين (عليه السلام)، وسعيه الدائم لإقصاء أهل البيت (عليهم السلام) عن موقعهم الذي جعله الله تعالى لهم.

كما ثبت أنَّ معاوية كان المحرِّض المباشر على قتل الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، لما كان يمثِّله من ثقلٍ دينيٍّ واجتماعيٍّ كبيرٍ، ولما يشكِّله وجوده من عائقٍ كبيرٍ أمام تثبيت الحكم الأمويّ، وتوريثه لولده يزيد من بعده.

ومن هنا، فإنَّ صدور مظاهر الفرح والشماتة منه عند استشهاد الإمام الحسن (عليه السلام) يُعدُّ أمراً منسجماً مع طبيعة موقفه وعدائه المعروف. ومع ذلك، توجد جملةٌ من الشواهد الروائيَّة الدالَّة على فرحه واستبشاره بمقتل الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، نُشير إلى جملةٍ منها.

1ـ ما رواه ابن سعد بسنده عن عمرو بن ميمون، عن أبيه، قال: «لمَّا جاء معاوية نعي الحسن بن عليّ، استأذن ابن عبَّاس على معاوية ـ وكان ابن عبَّاس قد ذهب بصره، فكان يقول لقائده: إذا دخلت بي على معاوية فلا تقدني، فإنَّ معاوية يشمتُ بي ـ فلمَّا جلس ابن عبَّاس قال معاوية: لأخبرنَّه بما هو أشدُّ عليه من أنْ أشمت به، فلمَّا دخل قال: يا أبا العبَّاس، هلك الحسن بن عليّ. فقال ابن عبَّاس: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، وعرف ابن عبَّاس أنَّه شامتٌ به. فقال: أما والله يا معاوية، لا يسدُّ حفرتك، ولا تخلد بعده، ولقد أصبنا بأعظم منه فجبرنا الله بعده، ثمَّ قام. فقال معاوية: لا والله ما كلمت أحداً قطُّ أعدَّ جواباً ولا أعقل من ابن عبَّاس» [الطبقات الكبرى ج1 ص361، تاريخ دمشق لابن عساكر ج73 ص208].

2ـ وما رواه ابن قتيبة الدينوريّ، وفيه قوله: «فلمَّا كانت سنة إحدى وخمسين، مرض الحسن بن عليّ مرضه الذي مات فيه، فكتب عامل المدينة إلى معاوية يخبره بشكاية الحسن، فكتب إليه معاوية: إنْ استطعت ألَّا يمضي يومٌ يمرُّ بي إلَّا يأتيني فيه خبره فافعل، فلم يزل يكتب إليه بحاله حتَّى توفِّي. فكتب إليه بذلك، فلمَّا أتاه الخبر أظهر فرحاً وسروراً، حتَّى سجد وسجد من كان معه، فبلغ ذلك عبد الله بن عبَّاس ـ وكان بالشام يومئذٍ ـ فدخل على معاوية، فلمَّا جلس قال معاوية: يا بن عبَّاس، هلك الحسن بن عليّ، فقال ابن عبَّاس: نعم هلك، إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون ـ ترجيعاً مكرَّراً ـ وقد بلغني الذي أظهرتَ من الفرح والسرور لوفاته. أما والله ما سدَّ جسده حفرتك، ولا زاد نقصان أجله في عمرك، ولقد مات وهو خيرٌ منك، ولئن أصبنا به لقد أصبنا بمن كان خيراً منه، جدُّه رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم)، فجبر الله مصيبته، وخلف علينا من بعده أحسن الخلافة» [الإمامة والسياسة ج1 ص196].

3ـ وما رواه أيضاً، وفيه قوله: «وانتهى خبر وفاة الحسن إلى معاوية ـ كتب به إليه عامله على المدينة مروان ـ فأرسل إلى ابن عبَّاس، وكان عنده بالشام ـ قدم عليه وافداً ـ فدخل عليه، فعزَّاه، وأظهر الشماتة بموته، فقال له ابن عبَّاس: لا تشمتنَّ بموته، فو الله لا تلبث بعده إلَّا قليلاً» [الأخبار الطوال ص222].

4ـ وما رواه ابن عبد ربِّه الأندلسيّ، وفيه قوله: «ولمَّا بلغ معاوية موت الحسن بن عليّ خرَّ ساجداً لله، ثمَّ أرسل إلى ابن عبَّاس وكان معه في الشام، فعزَّاه وهو مستبشرٌ، وقال له: ابن كم سنة مات أبو محمَّد؟ فقال له: سنُّه كان يُسمع في قريش، فالعجب من أنْ يجهله مثلك! قال: بلغني أنَّه ترك أطفالاً صغاراً. قال: كلُّ ما كان صغيراً يكبر، وإنَّ طفلنا لكهلٌ، وإنَّ صغيرنا لكبيرٌ، ثمَّ قال: ما لي أراك يا معاوية مستبشراً بموت الحسن بن عليّ؟! فو الله لا يُنسأ في أجلك، ولا يسدُّ حفرتك. وما أقلَّ بقاءنا بعده، ثمَّ خرج ابن عبَّاس» [العقد الفريد ج5 ص110].

5ـ وما جاء في كتاب أخبار الدولة العباسيَّة تحقيق عبد العزيز الدوريّ وعبد الجبَّار المطلبيّ، وفيه قوله: «عن الهيثم، عن ابن عبَّاس قال: حدَّثني الفضل بن الفضل قال: قال ابن عبَّاس: بينا أنا في المسجد أريد الدخول على معاوية إذْ جاء نعي الحسن بن عليّ، فكبَّر في البيت، فكبَّر أهل الخضراء، وكبَّر أهل المسجد، فسمعتُ تكبيرة فاختة بنت قرظة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف، امرأة معاوية، فقالتْ: سرَّك الله يا أمير المؤمنين، ما هذا الأمر الذي كبَّرت له؟ قال: مات الحسن بن عليّ. قالت: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، ثمَّ بكتْ وقالت: مات سيِّد المسلمين، وابن بنت رسول الله» [أخبار الدولة العباسيَّة ص53].

ومن الواضح أنَّ تكبيره هذا كان فرحاً وشماتةً بمقتل الإمام السبط (عليه السلام)، وهو ما فهمته زوجته المشار إليها وأكَّده هو أيضاً، وذلك حين قالتْ له: «سرَّك الله يا أمير المؤمنين، ما هذا الأمر الذي كبَّرت له؟ قال: مات الحسن بن عليّ».

6ـ وما حكاه الزمخشريّ، وفيه: «لمَّا بلغ معاوية موت الحسن بن عليّ (رضي الله عنه) سجد معاوية وسجد من حوله شكراً. فدخل عليه ابن عبَّاس فقال له: يا بن عبَّاس، أمات أبو محمَّد؟ قال: نعم، وبلغني سجودك. والله يا ابن آكلة الكبود، لا يسدنَّ حسدك إيَّاه حفرتك، ولا يزيد انقضاء أجله في عمرك» [ربيع الأبرار ج5 ص134].

إلى غير ذلك من مصادر العامَّة الناقلة لهذا الحدث.

وأمَّا ما جاء من طرق الشيعة (أنار الله برهانهم)، فهو كثيرٌ أيضاً، نقتصر على بعضٍ منه فقط، رعايةً للاختصار وخشيةً من التطويل.

1ـ ما حكاه السيِّد المرتضى، وفيه: «ولمَّا أتى معاوية نعي الحسن بن عليّ (عليهما السلام) بعث إلى ابن عبَّاس ـ وهو لا يعلم الخبر ـ فقال له: هل عندك خبرٌ من المدينة؟ قال: لا، قال: أتانا نعي الحسن، وأظهر سروراً» [أمالي المرتضى ج1 ص277، العقد المفصَّل للسيِّد حيدر الحلِّي ج2 ص336].

2ـ وما قاله العلَّامة الإربليّ، وفيه: «وجاء الخبر إلى معاوية بموت الحسن بن عليّ (عليهما السلام) فسجد شكراً لله تعالى، وبان السرور في وجهه» [كشف الغمَّة ج2 ص49].

3ـ وما قاله العلَّامة القرشيّ، وفيه: «كان معاوية يتشوَّف بفارغ الصبر أنباء يثرب ويترقَّب ساعةً فساعةً، قد ألحَّ على عامله أنْ يعرِّفه بأخبار الإمام في كلِّ يومٍ، ولمَّا انتهى إليه النبأ بموت الإمام لم يملك نفسه من السرور حتَّى خرَّ ساجداً، وكبَّر وكبَّر مَن كان معه في الخضراء، ولمَّا سمعت ذلك زوجه فاختة بنت قرظة، خرجت من خوخةٍ لها، فرأت زوجها قد غمره الفرح والسرور، فقالت له: سرَّك الله يا أمير المؤمنين، ما هذا الذي بلغك فسررتَ به؟ فقال: موت الحسن» [حياة الإمام الحسن ج2 ص502].

إلى غير ذلك من الكلمات الدالَّة على سرور معاوية بمقتل الإمام السبط.

والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، أنَّ فرح معاوية واستبشاره بمقتل الإمام الحسن (عليه السلام) من القضايا الثابتة وفق المعطيات العلميَّة، كما بيَّنَّا. فسلامُ الله عليه يوم وُلِد، ويوم قُتِل، ويوم يُبعث حيّاً.. والحمد لله ربِّ العالمين.