من هو الناعي في زيارة الناحية المقدسة؟

السؤال: ورد في زيارة الناحية المُقدَّسة: «فقام ناعيك عند قبر جدك الرسول، ونعاك إليه بدمع الهطول قائلاً: يا رسول الله قتل سبطك وفتاك، واستبيح أهلك وحماك، وسبيت بعدك ذراريك، وووقع المحذور بعترتك وذويك». من هو ناعي الإمام الحسين (عليه السلام) الذي ذكر في هذه الزيارة؟

: السيد أبو اَلحسن علي الموسوي

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم – أيّدك الله – أنّ المراد بـ «النَّاعي» الوارد في هذا المقطع من زيارة الناحية المُقدَّسة، في قول الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف): «فقام ناعيك عند قبر جدك الرسول، ونعاك إليه بدمع الهطول...»، لم تُبيِّن هويّته تعييناً في الروايات والزيارات، ولم يرد نصٌّ صريح يحدّد شخصه. ومن ثمَّ يبقى المقام من موارد الاحتمال التفسيريّ الذي يُرجع فيه إلى القرائن التاريخية والروائية، لا إلى الجزم والقطع.

وعليه، نذكر عدة احتمالات في تفسير المراد من هذا الناعي:

الاحتمال الأول: أن يكون الناعي مَلَكًا من ملائكة الله تعالى:

وهذا الاحتمال منسجمٌ مع ما دلّت عليه النصوص الكثيرة من مشاركة الملائكة في مصيبة الإمام الحسين (عليه السلام)، وحضورهم مشاهد كربلاء، وبكائهم عليه، واستئذانهم في نصرته، فضلاً عما ثبت من عرض أعمال الأمة وأحوالها على النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله). وبناءً على ذلك، فلا يبعد أنْ يكون المراد بالناعي ملكًا من الملائكة يتوجه إلى قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ويُخبره بما جرى على سبطه الشهيد، ويصف له تفاصيل الفاجعة العظمى، من قتله، وسبي عياله، وانتهاك حرمته، فيكون قوله: «فقام ناعيك عند قبر جدك الرسول» تصويرًا لهذا المشهد الغيبيّ المؤلم.

الاحتمال الثاني: أن يكون الناعي هو بشر بن حذلم الأسديّ:

تنصّ المصادر المعتبرة على أنّ الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)، عند عودته من الشام إلى المدينة المنورة، أمر بشر بن حذلم أن يدخل المدينة وينعى الإمام الحسين (عليه السلام) إلى أهلها، فكان أول من أعلن النعي الرسميّ بعد رجوع السبايا.

وقد روى السيد ابن طاووس هذه الواقعة بتفصيلها، حيث قال بشر بن حذلم: إنّ الإمام السجاد (عليه السلام) قال له: «ادخل المدينة وانع أبا عبد الله (عليه السلام)»، فدخل المدينة، ووقف عند مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأطلق صرخته المشهورة:

يا أهلَ يثربَ لا مُقامَ لكم بها * قتلَ الحسينُ فأدمعي مدرارُ

الجسمُ منه بكربلاءَ مضرَّجٌ * والرأسُ منه على القناةِ يُدارُ

ثم أعلن للناس وصول الإمام السجاد (عليه السلام) ونساء أهل البيت (عليهم السلام)، فخرج أهل المدينة رجالاً ونساءً بالبكاء والعويل، حتى وصف بشرٌ ذلك اليوم بأنّه لم يُرَ يومٌ أشد حزنًا على المسلمين بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله). ثم ألقى الإمام زين العابدين (عليه السلام) خطبته المعروفة في أهل المدينة. [ينظر: الملهوف ص82].

ومن هنا يمكن أن يكون تعبير «ناعيك» في زيارة الناحية إشارةً إلى هذا النعي التاريخيّ الذي تولاه بشر بن حذلم بأمر الإمام السجاد (عليه السلام)، وإن كانت الزيارة لم تُصرِّح باسمه.

الاحتمال الثالث: أن يكون المراد الإمام السجاد (عليه السلام):

وذلك لأنه هو الذي أمر بشر بن حذلم بالنعي، فيكون الإمام (عليه السلام) ناعياً بالتسبيب، وحذلم ناعياً بالمباشرة؛ لأنه لا ينعى الإمام الحسين (عليه السلام) بتمام نعيه إلّا معصوم مثلثه يستحقّ أن يطلق عليه من المعصوم كلمة «ناعيك»، ولو كان غيره لقال: «الناعي».

الاحتمال الرابع: أن يكون المراد مطلق الناعي دون إرادة شخص بعينه:

وهذا الاحتمال له وجهٌ بلاغيٌّ وعقديّ، فإنّ إبهام هوية الناعي قد يكون مقصودًا؛ ليكون النعي رمزًا لكلّ من حمل لواء إحياء مصيبة الحسين (عليه السلام)، ولكلّ من نقل مظلوميته إلى الناس عبر الأجيال.

وعلى هذا التفسير، لا يراد شخصٌ تاريخيّ معينٌ، وإنما يراد تصوير حقيقة النعي بوصفها رسالةً خالدةً لا تنقطع بانقطاع الأزمنة، وكأنّ كلّ من يُحيي ذكر الحسين (عليه السلام) ويُظهر مظلوميته داخلٌ في عنوان «الناعي»، فتظل فاجعة كربلاء حاضرةً في ضمير الأمة، ويتجدد الحزن عليها في كلّ عصرٍ، وهو ما ينسجم مع عالمية النهضة الحسينية وخلودها.

والحاصل: أنّ هوية الناعي المذكور في زيارة الناحية المُقدَّسة لم تثبت بدليلٍ قطعيٍّ، فلا يصح الجزم بتعيين شخصٍ بعينه، والاحتمالات متعددة، والله العالم بحقائق الأمور.

نكتفي بهذا القدر والحمد لله أولاً وآخراً