هل كان التحدي القرآني مراوغة؟

السؤال: هل التحدي القرآنيّ مراوغةً؟ هل نجح المشركون أو قريشٌ في الإتيان بمثل القرآن، أم كان محمّدٌ يراوغ فقط؟ التسلسل الزمنيّ للنزول كآلية تملّصٍ: ١ـ المرحلة المكية المبكرة (شديدة البساطة): ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (يونس: ٣٨). التحدي هنا بسيطٌ: سورةٌ واحدةٌ فقط. ٢ـ المرحلة المكية الوسطى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (هود: ١٣). بعد سورة يونس، نزلت سورة هود، التحدي ارتفع عشر سورٍ. ٣ـ المرحلة المكيَّة المتأخرة: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ﴾ (الطور: ٣٤). التحدي وصل إلى ذروته: الإتيان بكلامٍ كاملٍ يشمل الكتاب والحديث. المناورة الأولى: رفع السقف (سورة هود)؛ لإبطال مفعول المعارضات القصيرة التي قدَّمتها قريشٌ، انتقل النص إلى خطوةٍ هجوميةٍ جديدةٍ: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾. رفع العدد من سورةٍ إلى عشر سورٍ ليس دليلاً على العجز، بل مراوغةٌ تكتيكيةٌ لتعجيز الخصم. كأن لسان حال النص يقول: «حتى لو سلَّمنا جدلاً أنَّكم أتيتم بسورةٍ واحدةٍ، فلن تستطيعوا الحفاظ على نفس النَّفَس البيانيّ والتدفق الأسلوبيّ عبر عشر سورٍ كاملةٍ». هل سيقف الأمر هنا؟ بالتأكيد لا. تفكيك آيات التحدي: بدأ التحدي في مرحلته المبكرة بسيطاً ومحدداً: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾ (لغةً عربيةً طائفةً من الكلام). هذا السقف المنخفض شكَّل ثغرةً، فالبيئة الجاهلية كانت تعجّ بالشعراء والخطباء والكهان. عندما قدَّم هؤلاء قطعاً بيانيةً قصيرةً، واجهوا الدعوة بـ «هذه سورةٌ مثل سورك»، وأُجهضت الدعوة مؤقتاً. لذلك كان رفع سقف التحدي أفضل من الإبقاء على التحدي الحيّ. الإغلاق التام والتعجيز المطلق (سورة الطور): عندما وصلت قريشٌ إلى مرحلة الإحباط وعدم الاستسلام، رُفع السقف إلى المدى الأقصى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ﴾. هنا تمَّ نقل المعركة من الكمّ (سورةٌ) أو (عشر سورٍ) إلى الكيف (ماهية الحديث). وهي خطوةٌ تعجيزيةٌ اِلتفافيةٌ تجعل المحاكاة صعبةً وطويلةً، والهروب الإتيان بعشر سورٍ مفترياتٍ أصبح غير كافٍ؛ يجب أنْ يكون مكتملاً نظاماً مثل محمدٍ (صلى الله عليه وآله). والهروب لهذا المستوى من التحدي يثبت أنَّ قريشاً نجحت في الإتيان بمثل بعشر سور مفتريات.

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

من جهة المنطق والتاريخ والتحليل القرآنيّ فإنَّ هذا الادّعاء قائمٌ على مصادرةٍ واضحةٍ، فهو يفترض أنَّ قريشاً جاءت بسورةٍ مثل القرآن، ثمَّ يبني على هذا الافتراض قصّةً كاملةً عن المراوغة ورفع السقف والإغلاق التامّ، من غير أنْ يقدّم نصّاً واحداً محفوظاً، ولا شاهداً تاريخيّاً معتبراً، ولا اعترافاً من خصوم القرآن أنفسهم بأنَّهم نجحوا في المعارضة ثمَّ غيَّر القرآن شروط التحدي.

وأوّل ما ينبغي أنْ يقال هنا: إنَّ التحدي القرآنيّ لم يكن مباراةً أدبيّةً داخل مجلسٍ خاصّ حتّى يُقال: إنَّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) تملّص منها، بل كان تحدّياً عامّاً معلناً في وجه مجتمعٍ يملك اللسان، ويفتخر بالبيان، ويعيش في بيئة الشعر والخطابة والسجع والمفاخرة. ولو كان عند قريش نصٌّ واحدٌ قادرٌ على إسقاط التحدي؛ لكان إظهاره أيسر عليها من الحصار، وأرخص من الحروب، وأقوى من السخرية والاتهام، وأشد أثراً من اتّهام النبيّ (صلى الله عليه وآله) بالسحر والكهانة والشعر. ولكنَّ الذي حدث هو العكس تماماً، فلم يأتوا بمثل القرآن، ولو سورةً واحدةً، ولم يحفظ التاريخ إلّا عجزهم واضطرابهم وتناقض أوصافهم له.

ثمَّ إنَّ بناء الادّعاء على «تسلسلٍ زمنيٍّ» مزعومٍ، يكشف خللاً منهجيّاً كبيراً. فالقولُ إنَّ التحدي بدأ بسورةٍ، ثمَّ صعد إلى عشر سورٍ، ثمَّ انتهى إلى «حديثٍ مثله»، وكأنَّنا أمام حركة مراوغةٍ متدرجةٍ، قولٌ لا يستقيم حتّى على الترتيب المشهور لنزول السور؛ فآية الإسراء تقول: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: 88]، وسورة الإسراء في الترتيب المشهور قبل يونس وهود، أي إنَّ التحدي بمثل القرآن كلِّه سابقٌ على التحدي بسورةٍ وبعشر سورٍ، لا لاحقٌ لهما. كما أنَّ ترتيب النزول نفسَه فيه اختلافاتٌ، وترتيب السورة غالباً يكون باعتبار أوائل ما نزل منها لا كلِّ آياتها، فلا يصحّ بناء نظريّةٍ اتّهاميةٍ كاملةٍ على ترتيبٍ ظنيٍّ ثمَّ التعامل معه كأنَّه حقيقةٌ قطعيّةٌ.

وعليه، فالادّعاء ينهار من جهتين: من جهة التاريخ؛ لأنَّه لا يملك نصّ المعارضة المزعومة، ومن جهة ترتيب التحدي، لأنَّه يصوّر القرآن كأنَّه بدأ بسقفٍ منخفضٍ ثمَّ رفعه، مع أنَّ القرآن تحدّى بمثله كلِّه أيضاً. فليست القضية رفع سقفٍ للهروب، بل تنويعٌ في صيغة التحدي بحسب مقام الخطاب: مرّةً يتحداهم بمثل القرآن، ومرّةً بعشر سورٍ، ومرّةً بسورةٍ، ومرةً بحديثٍ مثله. وهذا التنويع لا دلَّ على اضطّرابٍ، بل دلَّ على إحكامٍ؛ لأنَّه يغلق كلَّ أبواب التعلل: إنْ قلتم إنَّ محاكاة الكتاب كلِّه صعبةٌ، فأتوا بعشر سورٍ؛ فإنْ عجزتم، فبسورةٍ؛ فإنْ قلتم إنَّ المسألة ليست في العدد، فأتوا بحديثٍ مثله. فالمعنى واحدٌ: إنْ كان هذا الكلام بشريّاً، فالباب مفتوحٌ، والعرب حاضرون، والخصومة قائمةٌ، والدافع موجودٌ، فهاتوا برهانكم.

أمّا قوله: إنَّ قريشاً قدمت «قطعاً بيانيةً قصيرةً»، وقالت: هذه سورةٌ مثل سورك. فهذا مجرّد ادّعاءٍ بلا وثيقةٍ، أين هذه القطع؟ مَن رواها؟ ومَن شهد لها؟ لماذا لم يتناقلها أعداء الإسلام؟ لماذا لم تصبح سلاحاً مركزيّاً في يد المشركين واليهود والمنافقين وكلِّ خصوم الدعوة؟ كيف يعقل أنْ تخوض قريش كلَّ هذا الصراع مع النبيّ (صلى الله عليه وآله)، ثمَّ تهمل السلاح الأسهل والأقوى لو كان موجوداً؟ إنَّ الخصم هنا لا يناقش التاريخ، بل يخترع تاريخاً ثمَّ يحاكم القرآن على أساسه.

والأعجب أنَّه يجعل كثرة الشعراء والخطباء في الجاهليّة دليلاً ضدّ التحدي، وهي في الحقيقة دليلٌ لصالحه؛ فلو كان القرآن ظهر في أمةٍ ضعيفة اللسان، لقيل: عجزوا لأنَّهم لا يحسنون البيان، لكنَّه ظهر في بيئةٍ تعتزّ بالفصاحة، وتعلّق الشعر، وتتنافس في الأسواق، وتفخر بالخطابة، ثمَّ لم تستطع أنْ تقدم نصّاً يوازيه؛ فالعجز هنا ليس عجز أمةٍ بكماء، بل عجز أمةٍ لسانها هو رأس مالها الرمزيّ والثقافيّ. وهذا أدلّ على قوة التحدّي، لا على ضعفه.

والخلل الأكبر في هذا الادّعاء أنَّه يتعامل مع التحدّي القرآنيّ كما لو كان تحدّياً في الزخرفة اللفظيّة! القرآن لم يقل لهم: ائتوا بجملٍ مسجوعةٍ، ولا قال: ائتوا بعباراتٍ جميلةٍ، ولا قال: ائتوا بقطعةٍ شعريةٍ مؤثرةٍ، فالتحدّي بمثل القرآن يعني الإتيان بكلامٍ يملك خصائص القرآن في نظمه، وبيانه، وعمقه، وهدايته، واتّساقه، وقدرته على إعادة تشكيل الإنسان والمجتمع، وجمعه بين العقيدة والتشريع والأخلاق والقصص والحجاج والإنذار والبشارة، من غير أنْ يتحوّل إلى شعرٍ، ولا إلى خطابةٍ عاديّةٍ، ولا إلى كهانةٍ، ولا إلى فلسفةٍ جافّةٍ. ولهذا كانت محاكاته أصعب من مجرّد تركيب كلماتٍ عربيّةٍ فصيحةٍ.

ولو كان الأمر مجرّد لغةٍ عربيةٍ وطائفةٍ من الكلام - كما يزعم صاحب الادّعاء -، لانتهت القضيّة منذ اليوم الأوّل، فكلّ شاعرٍ يستطيع أنْ يركب كلاماً، وكلّ خطيبٍ يستطيع أنْ يسجع، وكلّ كاهنٍ يستطيع أنْ يأتي بجملٍ غامضةٍ. ولكنَّ القرآن لم يتحداهم بأنْ يأتوا بكلامٍ عربيٍّ كيفما اتّفق، بل أنْ يأتوا بمثله. والفرق كبيرٌ بين «كلامٍ عربيٍّ» و«مثل القرآن». كلّ إنسانٍ يستطيع أنْ يرسم خطوطاً، ولكن ليس كلّ من رسم خطوطاً صار خطاطاً عظيماً، وكلّ إنسانٍ يستطيع أنْ ينظم كلاماً موزوناً، ولكن ليس كلّ موزونٍ شعراً خالداً، وكذلك كلّ إنسانٍ يستطيع أنْ يركب جملاً عربيةً، لكن أين ذلك من القرآن؟

وقد سجّل القرآن الكريم نفسُه موقف الخصوم بدقةٍ، فلم ينقل عنهم أنَّهم قالوا: «جئنا بمثله»، بل قالوا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: 26]. وهذه ليست لغة من يملك بديلاً أقوى، بل لغة مَن يخاف أثر النص في الأسماع والقلوب. الذي يملك قرآناً مقابلاً لا يحتاج إلى التشويش، والذي يملك حجّةً لا يحتاج إلى اللغو، والذي يستطيع إسقاط النصّ لا يكتفي بوصفه بالسحر والشعر والكهانة.

وفي المحصّلة، وصف التحدي القرآنيّ بالمراوغة ليس نقداً علميّاً، بل محاولة نفسيّة للتخلص من دلالة العجز التاريخيّ؛ لأنَّ السؤال البسيط يبقى قائماً: «لماذا لم يأتوا بمثله؟» لا نتحدّث عن رجلٍ واحدٍ، بل عن مجتمعٍ كاملٍ، وعن قبائل، وعن شعراء، وعن خطباء، وعن خصومةٍ وجوديةٍ، وعن مصلحةٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ ودينيةٍ في إسقاط الدعوة. ومع ذلك، لم يكن جوابهم نصّاً يقابل القرآن، بل كان جوابهم اتّهاماً، وتشويشاً، وحصاراً، واضطهاداً، ثمَّ حرباً.

ولو كان النبيّ (صلى الله عليه وآله) ـ وحاشاه ـ يراوغ، لكان أعداؤه أوّل مَن فضح هذه المراوغة. فقد عاشوا معه، وسمعوا التحدي، وواجهوا الدعوة، وكانوا يبحثون عن أيّ ثغرةٍ، ومع ذلك لم ينقل لنا التاريخ أنَّهم قالوا: قبلنا التحدي وجئنا بسورةٍ ثمَّ غيّرت الشرط. هذه الجملة التي يبني عليها المعترض كلَّ مقاله غير موجودةٍ في الواقع، وإنَّما موجودةٍ في خياله هو. ومن أبسط قواعد النقاش العلميّ أنَّ الدعوى التاريخيّة تحتاج إلى شاهدٍ تاريخيّ، لا إلى انفعالٍ لغويٍّ.