هل في زيارة وارث غلو؟
السؤال: جاء في زيارة وارث أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) ورث الأنبياء من آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى (عليهم السلام) ومحمد (صلى الله عليه وآله)، وذكرتم في جوابٍ سابقٍ أنَّ الوراثة هنا هي وراثة الكمالات والمقامات، أليس في هذا غلوٌّ؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
بدايةً ما من شكٍّ أنَّ المقصود هنا من الكمالات والمقامات ما عدا النبوة؛ حيث دلَّ الدليل الخاص والقطعيُّ - كتاباً وسنةً - على اختتام النبوة بالنبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأنَّه لا نبيَّ بعده.
وأمّا بما يتعلق حول حيازتهم على كمالات ومواهب جميع من سبقهم من حجج الله تعالى وأنَّه هل في ذلك غلوٌّ، نقول:
إنّ من مسلَّمات عقائد الإمامية الاعتقاد بأنَّ الأئمّة (عليهم السلام) ورثوا كمالات جميع مَن سبقهم من حجج الله تعالى؛ وذلك تبعاً للنصوص الشرعيّة الكثيرة جداً البالغة حدَّ التواتر معنىً - وسيأتي ذكر طرفٍ منها -. وليس في هذا أيُّ غلوٍّ؛ لأنَّ الغلوَّ هو تجاوز حدود الشّرع المقدَّس، وعقيدتنا هذه هي من صلب ما ثبت عندنا من الشرع المقدَّس، حيث لا مسرح للعقل في مثل هذه القضايا.
وأمّا النصوص الواردة في ذلك، فكما أسلفنا هي كثيرةٌ جداً:
منها: ما رواه الشيخ الكلينيُّ بسنده إلى إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبيه قال: «سألت أبا الحسن الكاظم (عليه السلام) قلت له: جُعلت فداك، أخبرني عن النبيِّ (صلى الله عليه وآله) ورث النبيين كلّهم؟ قال: نعم، قلت: من لدن آدم حتّى انتهى إلى نفسه؟ قال: ما بعث الله نبيّاً إلّا ومحمّد (صلى الله عليه وآله) أعلم منه. قال: قلت: إنَّ عيسى بن مريم كان يحيي الموتى بإذن الله، قال: صدقت، وسليمان بن داوود كان يفهم منطق الطير، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقدر على هذه المنازل... وإنَّ الله يقول في كتابه: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى}. وقد ورثنا نحن هذا القرآن الذي فيه ما تُسيّر به الجبال وتُقطّع به البلدان، وتُحيا به الموتى، ونحن نعرف الماء تحت الهواء، وإنَّ في كتاب الله لآيات ما يُراد بها أمراً إلّا أن يأذن الله به مع ما قد يأذن الله مما كتبه الماضون، جعله الله لنا في أمّ الكتاب، إن الله يقول: {وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَلَوْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}، ثم قال: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}، فنحن الذين اصطفانا الله عزّ وجلّ وأورثنا هذا الذي فيه تبيان كلّ شيء» [الكافي ج1 ص226].
فما من شكٍّ أنَّ الذين ورثوا القرآن الكريم - والذي هو مهيمن على جميع الكتب السماوية، وقال فيه الله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89]، وقال فيه: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَىٰ} [الرعد: 31] - لحائزون بالضرورة وبطريق أولى على كمالات ومواهب جميع مَن سبقهم من حجج الله تعالى.
ومنها: ما رواه الشيخ الصفّار بسنده إلى سدير عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «يا سدير، ما تقرأ القرآن؟ قال: قرأناه جعلت فداك، قال: فهل وجدت فيما قرأت من كتاب الله: {قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ}، قال: جعلت فداك، قد قرأته، قال: فهل عرفت الرجل، وعلمت ما كان عنده من علم الكتاب؟ قال: فأخبرني حتّى أعلم، قال: قدر قطرة من المطر الجود (أي الغزير) في البحر الأخضر (أي المحيط) ما يكون ذلك من علم الكتاب؟ قال: جعلت فداك، ما أقلّ هذا، قال: يا سدير، ما أكثره إن لم ينسبه إلى العلم الذي أخبرك به. يا سدير، فهل وجدت فيما قرأت من كتاب الله: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} كله؟ - وأومأ بيده إلى صدره -، فقال: علم الكتاب كلّه والله عندنا – ثلاثاً -» [بصائر الدرجات ج1 ص381].
ومنها: ما رواه الصفّار أيضاً بسند إلى بريد بن معاوية عن الإمام الباقر (عليه السلام) في قوله تعالى: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ الْكِتَابِ}، قال: «إيّانا عنى، وعليٌّ أوّلنا وأفضلنا وخيرنا بعد النبيِّ (صلى الله عليه وآله)»، [بصائر الدرجات ج1 ص384].
فتأمل أنّه إذا كان آصف بن برخيا - والذي عنده علم من الكتاب - جاء بعرش بلقيس من اليمن إلى فلسطين قبل أن يرتدّ للنبي سليمان (عليه السلام) طرفه، حيث يقول تعالى: {قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [النمل: 40]، فكيف هو حال مَن عندهم علم الكتاب كاملاً؟!
اترك تعليق