هل آية الاستئذان مصلحة شخصية أم تشريع أخلاقي؟

السؤال: مطبخ القرآن: تأخر بعض المدعوين إلى وليمة عرس محمد وزينب واسترسلوا في الحديث وتأخروا في الانصراف؛ ولأنَّ بطلنا وبعد الجهد الذي بذله في سبيل ذلك، كان يتحرّق للوصول إلى أحضان زينب التي وصفت بأنَّها جميلةٌ ممتلئةٌ ووضاءةٌ، وبسبب نفاذ صبره فكر كالعادة باستخدام عصاه السحريَّة (القرآن)، وبعد لحظاتٍ خرجت الطبخة القرآنيَّة بروائح الشوق وطعم اللحم المغري: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾. هذه واحدة من المواقف البسيطة التي كان محمد لا يتوانى فيها عن استخدام القرآن لحل مشاكله الآنيَّة البسيطة. فهل يستحق هذا الموقف أنْ يُثَبَّت بآيةٍ طويلةٍ في كتاب يفترض بأنَّ خالق الكون قد أرسله دستوراً دائماً لجميع البشر؟ وما هي الفائدة المرجوة من هذه الآية لمن يقرأ القرآن؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

هذا الكلام لا يعدو كونهُ محاولةً بائسةً لتحويل آيةٍ من آيات تهذيب المجتمع وتنظيم آداب البيوت إلى قصةٍ مبتذلةٍ عن «المطبخ» و«اللحم» و«أحضان زينب». وصاحب هذا الأسلوب لا يناقش القرآن، وإنَّما يعرّي قاموسه النفسيّ، ويكشف عن مستوى الانحطاط الذي يحكم نظرته إلى الدين والإنسان والمرأة؛ فهو لا يستطيع أنْ يرى في الزواج إلا جسداً، ولا في البيت إلا فراشاً، ولا في التشريع إلا حيلةً شخصيَّةً، ثم يظن أنَّه اكتشف سراً خطيراً غاب عن المسلمين أربعة عشر قرناً.

فالآية التي يتخذها مادةً للسخرية تقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُم وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: 53].

فأين المشكلة في هذه الآية؟

أيّ عاقلٍ محترمٍ يرى في هذه الآية درساً في الذوق والخصوصيَّة وحدود الضيافة. أما الذي لا يرى فيها غير أفكاره المريضة، فمشكلته ليست مع القرآن، بل مع مستوى ذهنه الذي لا يستطيع مغادرة الزاوية الغرائزيَّة.

ومن السخرية فعلاً أنْ يعترض صاحب الشبهة على أنَّ القرآن يعالج موقفاً اجتماعيّاً بسيطاً. كأنَّ الكتاب الإلهيّ يجب أنْ يتحدث فقط عن المجرات والنجوم، ولا شأن له بتهذيب الإنسان في بيته، وطعامه، ودخوله، وخروجه، وحدوده مع الآخرين! وكأنَّ أزمة الإنسان عبر التاريخ كانت فقط في فهم الكون، لا في سوء الأدب، والفضول، والتطفل، وانعدام الذوق، وإيذاء الناس باسم الألفة والمجاملة.

إنَّ عظمة القرآن أنَّه لا يعلّم الإنسان كيف ينظر إلى السماء فقط، بل يعلّمه أيضاً كيف يدخل بيتاً، وكيف يجلس ضيفاً، وكيف يراعي خصوصيَّة الآخرين. فالدين الذي لا يهذب السلوك اليوميّ يبقى فكرةً معلقةً في الهواء، والدين الذي لا يدخل في تفاصيل الحياة لا يصنع إنساناً ولا مجتمعاً.

ثم إنَّ الآية نفسها تكشف أخلاق النبيّ (صلى الله عليه وآله) لا ما يتوهمه صاحب الشبهة. فهي تقول: ﴿إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ﴾. أيّ إنَّ النبيّ (ص) كان يتأذى من هذا السلوك، لكنَّه يستحيي أنْ يحرج ضيوفه أو يطردهم أو يواجههم بكلامٍ قاسٍ. فأين صورة «الديكتاتور الذي يستعمل القرآن كعصا سحرية»؟ لو كان الأمر كما يزعم هذا المتحذلق، لقال لهم ببساطة: اخرجوا من بيتي. لكنَّه لم يفعل؛ لأنَّ خلقه وحياءه منعا ذلك، فجاء القرآن ليقرر قاعدةً عامَّةً تحفظ حرمة بيت النبيّ، وتؤدب المسلمين، وتمنع تكرار هذا السلوك.

واللافت أنَّ الآية لا تمدح رغبةً شخصيَّةً، ولا تبرر شهوةً، ولا تقول إنَّ المشكلة أنَّ النبيّ (ص) يريد كذا أو كذا. بل تقول إنَّ هناك أذىً واقعاً على صاحب البيت، وإنَّ الله لا يستحيي من بيان الحقّ. وهذه قاعدةٌ عظيمةٌ: قد يستحيي الإنسان الكريم من مطالبة الناس بحقّه، لكنَّ الله يعلّم الناس أنَّ الحياء لا يعني أنْ يعتدي الآخرون على خصوصيَّته.

ثم إنَّ صاحب الشبهة يتجاهل أنَّ بيت النبيّ (ص) لم يكن بيتاً عاديّاً بالمعنى الاجتماعيّ فقط، بل كان بيت النبوة، ومركز الرسالة، وموضع نزول الوحي، ومكان عيش أمهات المؤمنين. فتنظيم الدخول والخروج منه ليس مسألةً شخصيَّةً صغيرةً، بل هو جزءٌ من تنظيم العلاقة بين الأمة وبيت القيادة النبويَّة. النبيّ (ص) ليس رجلاً منعزلاً يعيش حياةً خاصَّةً لا علاقة للأمة بها، بل هو قائد الأمة ومعلّمها، وبيته كان مفتوحاً بحكم موقعه للناس والأسئلة والضيافة والحضور. ولذلك احتاج الأمر إلى تشريعٍ يضع حدوداً واضحةً بين حقّ الأمة في الاستفادة من النبيّ (ص)، وحقّ النبيّ وأهل بيته في الخصوصيَّة والراحة والستر.

وهذه القاعدة لا تخص بيت النبيّ (ص) وحده من حيث المعنى العامّ، بل تشمل كلّ بيتٍ وكلّ مجتمعٍ. فمن فوائد الآية اليوم: احترام خصوصيَّة البيوت، عدم الدخول إلا بإذنٍ، عدم الحضور قبل موعد الدعوة، عدم إطالة الجلوس بعد الطعام، عدم إحراج المضيف، عدم استغلال لطف الناس وحيائهم، ومعرفة أنَّ للبيوت حرمةً، وأنَّ للنساء خصوصيَّةً، وأنَّ العلاقات الاجتماعيَّة لا يصح أنْ تتحول إلى فوضى.

فهل هذه المعاني لا قيمة لها؟

بل لو طبق الناس هذه الآية في حياتهم اليوميَّة لارتفع كثيرٌ من الإحراج الاجتماعيّ، وانتهى كثيرٌ من التطفل الثقيل، وتعلم الناس أنَّ الزيارة ليست احتلالاً للبيت، وأنَّ الضيافة ليست تفويضاً مفتوحاً بالبقاء، وأنَّ صاحب البيت ليس مطالباً بأنْ يبتسم حتى وهو يتأذى.

أمّا قول صاحب الشبهة إنَّ هذا دليلٌ على أنَّ النبيّ (ص) كان «يستخدم القرآن لحل مشاكله الآنية»، فهو كلامٌ متهافتٌ؛ لأنَّ كثيراً من التشريعات الكبرى نزلت بسبب وقائع جزئيَّةٍ. آية الظهار نزلت بسبب امرأةٍ اشتكت زوجها، فهل نقول إنَّ القرآن صار «مطبخاً عائلياً»؟ وآيات الإرث تعالج حالات موتٍ وتقسيم مالٍ، فهل نقول إنَّ القرآن صار «دفتر تركات»؟ وآيات الدين والبيع والرهن تتحدث عن معاملات الناس، فهل نقول إنَّ القرآن صار «مكتب محاسبة»؟ وآيات الطلاق والرضاع والنكاح تعالج شؤون الأسرة، فهل نقول إنَّ القرآن صار «محكمة أحوالٍ شخصيَّةٍ»؟

هذه طريقةٌ سطحيَّةٌ لا يليق أنْ تصدر ممن يفهم معنى التشريع. الواقعة الجزئيَّة تكون مناسبةً لنزول قاعدةٍ عامَّةٍ، والحدث الخاصّ يتحول في القرآن إلى هدايةٍ دائمةٍ. وهذا بالضبط ما وقع هنا: حادثةٌ في بيت النبيّ (ص) صارت قاعدةً في آداب البيوت والضيافة والخصوصيَّة.

ثم إنَّ صاحب الشبهة يسأل بسذاجةٍ: ما الفائدة المرجوة لمَن يقرأ هذه الآية؟

والجواب: فائدتها لكلّ من يملك قدراً من الذوق الإنسانيّ. فائدتها أنْ تعرف متى تدخل، ومتى تجلس، ومتى تقوم، ومتى تكون ضيفاً لطيفاً، ومتى تتحول إلى عبءٍ ثقيلٍ. فائدتها أنْ تفهم أنَّ حياء صاحب البيت لا يمنحك حقّ إيذائه. فائدتها أنْ تدرك أنَّ للبيوت حرمةً، وأنَّ للإنسان خصوصيَّةً، وأنَّ العلاقات الاجتماعيَّة تحتاج إلى حدودٍ، لا إلى ثقل دمٍ باسم المحبة.

والأعجب أنَّ من يسخر من هذه الآية هو نفسه لو جاءه ضيفٌ ثقيلٌ، دخل قبل الموعد، وانتظر نضج الطعام، ثم أكل وبقي ساعاتٍ في بيته يتحدث بلا نهايةٍ، لكتب منشوراً طويلاً عن قلة الذوق وانعدام الخصوصيَّة. لكنَّه عندما يقرر القرآن هذه القاعدة نفسها، تصبح عنده «طبخة قرآنية»! وهذا يكشف أنَّ المشكلة ليست في مضمون الآية، بل في الحقد على مصدرها.

إنَّ صاحب الشبهة لم يستطع أنْ يناقش الآية في معناها، فاختار أنْ يلوثها بخياله. لم يجد فيها ظلماً، ولا تناقضاً، ولا حكماً فاسداً، فذهب إلى التلميحات الجنسيَّة الرخيصة. وهذه عادة من لا يملك برهاناً: يعوض ضعف الحجة بقذارة العبارة، ويستبدل التفكير بالسخرية، ويظن أنَّ الإساءة إلى النبيّ (ص) دليل ثقافةٍ وحريةٍ.

والحقيقة أنَّ الآية تقف شاهداً على عظمة التشريع القرآنيّ، لا على نقصه. فهي تعلّم الأمة أنَّ الإيمان ليس صلاةً وصياماً فقط، بل أدبٌ، وحياءٌ، واحترامٌ للخصوصيات، وحفظٌ لحرمة البيوت. وتعلّم الدعاة وأهل الفضل أنَّ لهم حقّاً في الخصوصيَّة والراحة، وأنَّ خدمتهم للناس لا تعني أنْ يصبحوا ملكاً عامّاً بلا حدودٍ. وتعلّم الناس أنَّ الكرم لا يعني إسقاط حقّ المضيف، وأنَّ الحياء لا ينبغي أنْ يُستغل، وأنَّ الحقّ قد يحتاج إلى بيانٍ واضحٍ ولو خالف مجاملات الناس.

فالقرآن هنا لا يحل مشكلةً عابرةً كما يتوهم صاحب الشبهة، بل يربي مجتمعاً كاملاً على أدب العلاقة بين العامّ والخاصّ. والذين لا يرون في هذه التربية إلا شهوةً وغرفة نومٍ، لا يكشفون عن عيبٍ في القرآن، بل عن ضيق عقولهم وانحطاط زاوية نظرهم.

وفي المحصّلة، الآية ليست دليلاً على أنَّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) كان يصنع قرآناً لمصلحته، بل دليلٌ على أنَّ القرآن كان يهذب المجتمع حتى في التفاصيل التي يستحيي الكرام من التصريح بها. وفرقٌ كبيرٌ بين كتابٍ يربي الإنسان على احترام البيوت والحياء والخصوصيَّة، وبين عقلٍ مريضٍ لا يستطيع قراءة كلّ ذلك إلا بعين الغريزة والسخرية الرخيصة.