لماذا استعاذ أمير المؤمنين (ع) من الخشوع؟
السؤال: ورد في دعاء أمير المؤمنين (ع): «وأعوذ بك من التعب، والنصب، والوصَب، والضيق، والضلالة، والقائلة، والذلَّة، والمسكنة، والرياء، والسمعة، والندامة، والحَزَن، والخشوع، والبغي، والفتن، ومن جميع الآفات والسيئات» [بحار الأنوار ج91 ص241]. ما معنى «والخشوع» في الدعاء حيث إنَّ الإمام يتعوذ منه؟ وما معنى «الوصب»؟ ولماذا استجار الإمام بالله من التعب، والتعب من لوازم بني آدم؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم - أيدك الله - أنَّ هذا المقطع ضمن دعاءٍ مأثورٍ عن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالبٍ (عليه السلام)، وقد رواه السيد رضيّ الدين بن طاووس في كتابه [مهج الدعوات ص98]، بنقله عن سعد بن عبد الله الأشعريّ.
وأشار إلى أنَّ الإمام (عليه السلام) دعا به في سياقٍ تاريخيٍّ لافتٍ، وهو: «قبل رفع المصاحف الشريفة» في موقعة صفين.
والسياق التاريخيّ يرشدنا لفهم الدلالة الدقيقة للفظ «الخشوع» المستعاذ منه هنا، فهو يرتبط ارتباطاً وثيقاً بظروف الواقعة؛ حيث ابتُلي الإمام (عليه السلام) بفتنة الخوارج الذين تميَّزوا بظاهرٍ متنسِّكٍ، وخشوعٍ جَسديٍّ صوريٍّ، مع خلوِّ باطنهم من البصيرة والوعيّ.
بناءً على ذلك، ينقسم الخشوع في المنظور الإسلاميّ إلى نوعين:
النوع الأوَّل: الخشوع المحمود: وهو انكسار القلب وخضوعه بين يدي الله تعالى، وتَبَعيَّة الجوارح له إخلاصاً ويقيناً.
النوع الثاني: الخشوع المذموم: وهو الخشوع الصوريّ المستعاذ منه، ويُقصد به انحراف العبادة عن مسارها الحقيقيّ وتحولها إلى رياءٍ أو خنوعٍ.
وقد وردت النصوص الشريفة عن المعصومين (عليهم السلام) في التحذير من هذا النوع المذموم:
منها: ما رواه الكلينيّ بالإسناد إلى الإمام الصادق (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «ما زاد خشوع الجسد على ما في القلب فهو عندنا نفاق» [الكافي ج2 ص396].
ومنها: ما ورد في الجعفريّات عن الإمام الصادق (عليه السلام)، عن آبائه (عليهم السلام)، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله): «مَن زاد خشوع الجسد على ما في القلب فهو خشوع نفاق» [الجعفريات ج1 ص175].
ومنها: ما رواه ابن شعبة الحرانيّ عن النبيّ (صلى الله عليه وآله): «إيَّاكم وتخشّع النفاق وهو أنْ يُرى الجسد خاشعاً والقلب ليس بخاشعٍ» [تحف العقول ص28].
ومنها: ما ذكره المتقي الهنديّ عن النبيّ (صلى الله عليه وآله): «عوذوا بالله من خشوع النفاق، قالوا: يا رسول الله، وما خشوع النفاق؟ قال: خشوع البدن ونفاق القلب» [كنز العمال ج8 ص196].
ويُفصّل العلماء الوجوه التي ينصرف إليها الخشوع المستعاذ منه في ثلاثة أوجهٍ:
1ـ خشوع النفاق - التصنّع الظاهريّ -: وهو إظهار السكون والتباكي والانحناء بالجوارح رياءً وسُمعةً، مع خلوِّ الباطن من حقيقة الإيمان.
2ـ خشوع الذلِّ والمهانة للمخلوقين: وهو الخنوع والانكسار أمام الظالمين وأصحاب الدنيا، أو الخضوع الناجم عن الفقر والمسكنة، وهو ما يتنافى مع عزة المؤمن.
3ـ الجمود الروحيّ - الخشوع غير الواعيّ -: وهو أنْ يكون الخشوع مجرد حالةٍ انفعاليَّةٍ نفسيَّةٍ أو خوفٍ طَبَعيٍّ، دون تدبرٍ، أو معرفةٍ بالمعبود، أو وعيٍّ بأسرار العبادة.
وعليه؛ فإنَّ الخشوع المستعاذ منه في الدعاء الشريف ليس هو الخشوع العباديّ الممدوح، بل هو خشوع النفاق والرياء، وتصنّع الجوارح مع غفلة القلوب، بالإضافة إلى خنوع الذلِّ والمهانة لغير الله تعالى.
وأمّا «الوَصَب» في هذا الدعاء، فهو المرض الشديد، أو الوجع الدائم والمستمر الذي يلزم الجسد ولا يفارقه.
قال أبو هلالٍ العسكريّ: (الوصب: هو الألم الذي يلزم البدن لزوماً دائماً ومنه يقال ولا واصبة إذا كانت بعيدةً كأنَّها من شدة بعدها لا غاية لها ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾) [الفروق اللغوية ج1 ص573].
وأمّا استعاذة الإمام عليٍّ (عليه السلام) من «التعب» في دعائه؛ لأنَّنا نعلم جميعاً أنَّ الحياة بطبيعتها شاقةٌ ومليئةٌ بالجهد، خاصةً لشخصيَّةٍ عظيمةٍ مثله قضى حياته في العمل والجهاد وإدارة شؤون الأمَّة.
ولكنْ، عندما يتعوّذ الإمام من التعب، فهو لا يقصد الرغبة في الكسل أو الخمول، بل يتعوّذ من الآثار السلبيَّة والنتائج المترتبة على هذا التعب، والتي منها:
1ـ التعب الذي يُعطل عن العبادة والعمل الضعف البدنيّ فعندما يصل التعب بالجسد إلى مرحلة الإنهاك الشديد، فإنَّه يمنع الإنسان من أداء واجباته الدينيَّة والدنيويَّة. وعليه؛ فالاستعاذة من التعب هنا هي طلبٌ للعافية والنشاط، ليظلَّ الجسد قادراً على طاعة الله، ومساعدة الناس، والقيام بالمسؤوليات دون عجزٍ.
2ـ التعب المستمر والمفرط قد ينعكس على نفسيَّة الإنسان، فيجعله سريع الغضب، أو قليل الصبر، أو يشعر بالضيق والإحباط؛ لذا استعاذ الإمام (عليه السلام) منه في الدعاء.
3ـ التعوذ هنا يكون من التعب الذي ينتهي بالخسران والندم يوم القيامة.
4ـ في بعض السياقات والنصوص، يأتي التعب بمعنى العذاب أو الابتلاء الشديد الذي يرهق النفس والجسد كعقوبةٍ.
فالاستعاذة منه هي طلبٌ للحماية والرحمة الإلهيَّة.
الخلاصة: إنَّ الخشوع المستعاذ منه في دعاء أمير المؤمنين (عليه السلام) ليس هو الخشوع العباديّ الممدوح، وإنَّما هو الخشوع المذموم؛ كخشوع النفاق والرياء، أو الخضوع والذلِّ لغير الله تعالى، أو الخشوع الصوريّ الخالي من البصيرة وحضور القلب. ويؤيد ذلك سياق الدعاء الوارد قبيل رفع المصاحف في صفين، وما رافق تلك المرحلة من مظاهر التدين الشكليّ التي اتصف بها الخوارج، مع مخالفتهم للحقِّ.
وأما الوَصَب فهو المرض أو الألم الملازم والدائم الذي يرهق الإنسان ويلازمه.
وأما استعاذة الإمام (عليه السلام) من التعب والنَّصَب فلا يراد بها طلب الراحة وترك الكدح، وإنَّما الاستعاذة من التعب الذي يورث العجز عن الطاعة، أو يفضي إلى ضعف البدن، واضطراب النفس، وقلة الصبر، أو يكون سبباً للخسران والندامة، أو يمثل ابتلاءً وعذاباً شديداً؛ ولذلك كانت الاستعاذة منه طلباً للعافية والتوفيق لإدامة الطاعة والقيام بالمسؤوليات.
نكتفي بهذا القدر، والحمد لله أوَّلاً وآخراً.
اترك تعليق