هل يكره السكن في كربلاء المقدسة؟
السؤال: هل يُكره السكن في كربلاء المقدسة؟ ولِمَ كربلاء المقدسة دون غيرها من بقاع مشاهد الأئمة (عليهم السلام)؟!
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
بداية ينبغي أن يُعلَم أنّه ما من شكٍّ أنَّ للأماكن المقدسة - كمكّة المكرمة، والمدينة المنوّرة، ومشاهد الأئمّة (عليهم السلام) - حرمةً عظيمةً عند الله تعالى، كما هو الحال بالنسبة لجملةٍ من الأزمان المنيفة - كالأشهر الحُرُم، وليالي وأيّام الجُمَع، وليالي القدر ونحوها -.
وفي هذه الأماكن الشريفة والأزمان المنيفة كما يتضاعف الثوابُ، يشتدُّ الذنبُ ويَتضاعفُ العقابُ أيضاً.
قال الشيخ كاشف الغطاء: (فإنَّ الذي يُشمُّ من الأخبار: أنَّ أماكن الرَّحمة والمواضع الشريفة، يتضاعفُ ثوابُ الأعمال وعقابُها فيها) [كشف الغطاء ج3 ص68].
وقال الميرزا النوريّ: (وقد ثبت عندنا بملاحظة مجموع الأخبار: أنَّ الحسنات والسيئات تضاعفُ ثواباً وعقاباً بحسب المكان، والزمان، والأشخاص، والحال) [رسالة في آداب المجاورة ص75].
وفي هذا السياق أفتى بعض الفقهاء بكراهة السكنى في تلك البقاع المقدسة لمَن يخافُ من نفسه هتكَ الحرمة والتهاون في أمر الجيرة باجتراح الذنوب وركوب المعاصي.
قال المحدّث البحرانيّ: (قد دلّت هذه الأخبار – أي أخبار النهي عن مجاورة مكّة المكرّمة – وأمثالها على كراهة سكنى مكّة. ويُستنبط منها كراهةُ ذلك أيضاً في سائر الأماكن المشرّفة والمشاهد المعظّمة. والوجه في ذلك هو: أنَّ شرف المكان كما يقتضي تضاعفَ أجر الطاعات فيه من حيث شرفه يقتضي أيضاً تضاعفَ جزاء العاصي من حيث هتكُ حرمته) [الحدائق الناضرة ج17 ص346].
إذا عرفتَ هذا، فيقع الكلام حول سكنى كربلاء المقدّسة على وجه الخصوص، في مقامين:
المقام الأول: الروايات الشريفة:
إنّ النصوص الواردة حول سكنى كربلاء المقدّسة والإقامة فيها، على طائفتين:
الطائفة الأولى: ما يتعلق ببيان فضل كربلاء المقدسة وفضل الإقامة فيها:
روى عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «خلق الله تبارك وتعالى أرض كربلاء قبل أن يخلق الكعبة بأربعة وعشرين ألف عام، وقدّسها، وبارك عليها، فما زالت قبل خلق الله الخلق مقدّسة مباركة، ولا تزال كذلك حتّى يجعلها الله أفضل أرض في الجنّة، وأفضل منزل ومسكن يسكن الله فيه أولياءه في الجنّة» [الأصول الستة عشر ص17، كامل الزيارات ص451، وص454].
وروى هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) – في حديثٍ طويل –، قال: «أتاه رجلٌ – إلى أن قال – قال: فما لمَن أقام عنده؟ قال: كلّ يوم بألف شهر» [كامل الزيارات ص239].
وورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «المبيت عند عليّ (عليه السلام) يعدل عبادة سبعمائة عام، وعند الحسين (عليه السلام) سبعين عاماً» [أبواب الجنان ص295].
وورد عن الإمام الرضا (عليه السلام): «جوار أمير المؤمنين (عليه السلام) يوماً خيرٌ من عبادة سبعمائة عام، وعند الحسين (عليه السلام) خيرٌ من سبعين عاماً» [أبواب الجنان ص295].
أقول: هذه الروايات تدلّ على محبوبيّة الإقامة عند سيّد الشهداء (عليه السلام)، والمبيت عنده، ومجاورته.
الطائفة الثانية: ما يتعلق ببعض الآداب والتي استظهر بعضُهم منها كراهة السكن:
روى عليّ بن الحكم، عن بعض أصحابنا، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «إذا أردتَ زيارة الحسين (عليه السلام) فزره وأنت كئيبٌ، حزينٌ، مكروبٌ، شَعِثٌ، مُغبّرٌ، جائعٌ، عطشانٌ، فإنَّ الحسين (عليه السلام) قُتل حزيناً، مكروباً، شعثاً، مغبّراً، جائعا،ً عطشاناً، وسَلْه الحوائج وانصرف عنه، ولا تتخذه وطناً» [الكافي ج4 ص588، كامل الزيارات ص252، ثواب الأعمال ص83، تهذيب الأحكام ج6 ص76].
أقول: استُظهِر من قوله: «انصرف عنه ولا تتخذه وطناً» كراهةَ السكنى في كربلاء، كما سيأتيك توضيحه.
المقام الثاني: نظر الفقهاء في المسألة:
اختلف الفقهاء في حكم السكنى في كربلاء المشرّفة، ذهب الكثيرُ منهم إلى عدم الكراهة، في قبال بعضٍ يسيرٍ ممَّن ذهب إلى الكراهة، كالعلّامة الشيخ عبد الله المامقانيّ (طاب ثراه).
1ـ والوجه في القول بالكراهة:
أنّ الحديث السابق: «ولا تتخذه وطناً» ظاهر في كراهة استيطان كربلاء المقدّسة واتّخاذها مسكناً.
واختصاص كربلاء المقدّسة بهذا الحكم دون غيرها من مشاهد الأئمة (عليهم السلام): هو للنصِّ، واحتمال الخصوصيّة فيها؛ وهي خصوصيةُ الفاجعة الأليمة التي وقعت في كربلاء المقدسة على قلب النبي وآله (صلى الله عليه وآله)، والتي عبرت عنها الروايات الشريفة بأنَّها أفظعُ الفجائع وأقساها على قلب آل محمد (صلى الله عليه وآله)، والتي تقتضي – بطبعها – أن تكون كربلاء المقدسة دارَ حزنٍ ومصابٍ، لا دارَ عيشٍ وهناءٍ، والسكنى عادةً توجب الغفلةَ عن المصائب التي جرت على الذرية الطاهرة، والانصرافَ إلى شؤون الدنيا وعدم الحزن، مع أنَّ الذي تقتضيه خصوصيةُ المكان أن يكون الإنسانُ ما دام فيها حزيناً كئيباً [ينظر: مرآة الكمال ج3 ص230، وص285، مرآة الرشاد ص219].
أمّا روايات محبوبيّة المجاورة والمبيت والإقامة فمحمولة على المجاورة المؤقّتة، لا السكنى الدائمة.
2ـ والوجه في القول بعدم الكراهة:
أنّ عمدة دليل الكراهة هي رواية: «لا تتخذه وطناً»، والضمير فيها ليس عائداً إلى مدينة كربلاء، بل إلى قبر الإمام الحسين (عليه السلام)، أي: لا تتخذ القبرَ وطناً. والظاهرُ منه هو المقدارُ المشرفُ على القبر الشريف عرفاً، بحيث يُصدق على ساكنه أنَّه مستوطنٌ لقبر الإمام الحسين (عليه السلام)، كالحائر الأصلي وما هو بحكمه، لا مطلقَ البلد المسمّى بكربلاء، وهذا المقدارُ غيرُ متاحٍ للسكنى بفضل أعمال التوسعة للعتبة المقدّسة.
قال العلامةُ المجلسيّ: (يمكن حملُ أخبار النهي عن التوطّن في الحائر، لا في البلدة الشريفة - كما يومئ إليه بعضُ الأخبار -) [مرآة العقول ج18 ص316]. وقال أيضاً: (لأنه لا بدَّ في الحائر من استشعار الحزن وما شابه ذلك، ولا يمكن للإنسان المداومةُ على تلك الأحوال، والله يعلم) [ملاذ الأخيار ج9 ص190].
واحتمل المجلسيّ أيضاً أن يكون النهيُ إرشادياً، لا نهيَ كراهةٍ؛ وذلك حفظاً للشيعة من بطش السلطة الجائرة وأزلامها؛ إذ كانت كربلاء المقدسة آنذاك غيرَ ممصّرةٍ، وكانت السلطةُ الجائرة تسعى إلى دثر قضيّة الإمام الحسين (عليه السلام) بشتّى الوسائل وعدم تحويل قبره إلى معلَمٍ ومنارٍ. قال: (ولعلَّ النهيَ عن اتّخاذه وطناً محمولٌ على التقية والخوف كما كان الغالبُ في تلك الأعصار) [بحار الأنوار ج98 ص115].
مع أنّ أصل محبوبيّة سكنى كربلاء المقدّسة والبقاع المشرّفة أمر ثابت عقلاً وشرعاً، مع ورود نصوص محبوبيّة الإقامة والمبيت والمجاورة، وهي مطلقة غير خاصّة بالمجاورة المؤقّتة، قال الشيخ خضر بن شلّال: (ودلّ العقل والنقل على مزيد شرف المجاورة والمبيت عنده) [أبواب الجنان ص295].
وربّما يُقال باستفادة عدم الكراهة ممّا ورد عن الإمام الرضا (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن الإمام عليّ بن الحسين (عليه السلام) أنَّه قال: «كأني بالقصور وقد شُيّدت حول قبر الحسين، وكأنّي بالأسواق قد حفّت حول قبره، فلا تذهب الأيّام والليالي حتّى يُسار إليه من الآفاق، وذلك عند انقطاع ملك بني مروان» [عيون أخبار الرضا ج2 ص48].
وذلك بتقريب: أنَّ الإمام (عليه السلام) قد أنبأ عمَّا سيحصل مستقبلاً من قصورٍ مشيدةٍ وأسواقٍ قائمةٍ، وهما كنايةٌ عن الاستيطان وحصول السكنى، وصحيحٌ أنَّ الإخبارَ عن المستقبل بحدّ ذاته لا يُستظهر منه حكماً شرعيّاً، إلا أنَّ من الظاهر أنَّ الإمام (عليه السلام) في هذه الرواية في مقام الاعتزاز والفخار والإشادة بما سيؤول إليه أمرُ القبر الشريف وكربلاء المقدّسة، وليس مجرّدَ الإخبار الغيبيّ البحت، وهذا بحدّ ذاته دليلُ رضا وعدم كراهةٍ.
وفي الختام، نُنوّه إلى أنَّ المسألةَ ولكونها من الأحكام الشرعيّة ينبغي فيها الرجوعُ إلى الفقيه الجامع لشرائط الفتوى، وما قدّمناه ليس إلّا عرضاً لبعض خلفيّات هذه المسألة.
اترك تعليق