هل المطلوب تجديد فهم الشريعة أم تطويعها للغرب؟
السؤال: هناك محاولات تطويع الشريعة وأحكامها للمفاهيم الغربيَّة والسائدة حتَّى تلقى مقبوليةً عند شعوب العالم الحرّ. هل تتحمل الشريعة ذلك أم هو من معاني الاعتداء عليها؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
يحتاج الجواب إلى تفريقٍ دقيقٍ بين أمرين مختلفين: بين فهم الشريعة وتنزيلها على الواقع بلغة العصر، وبين إخضاع الشريعة للمعايير الغربيَّة حتَّى تنال رضا العالم الحديث.
أمّا الأوَّل فهو أمرٌ مشروعٌ، بل ضروريٌّ؛ لأنَّ الشريعة جاءت لهداية الإنسان في كلّ زمانٍ، ولا بدَّ من فهم موضوعاتها، ومقاصدها، وعللها، ومجالات تطبيقها، وتمييز الثابت من المتغير، والنصّ من الاجتهاد، والحكم الأوَّليّ من الحكم الثانويّ، والقاعدة العامَّة من موردها الخاصّ. وهذا يحتاج إلى عقلٍ فقهيٍّ واعٍ، يعرف النصّ، ويفهم الواقع، ولا يعيش خارج التاريخ.
أمّا الثاني وهو تطويع الشريعة بأن نجعل القيم الغربيَّة الحديثة هي الميزان الأعلى، ثمَّ نعيد تفسير القرآن والسنَّة والفقه حتَّى لا يصطدم بها، فهذا ليس تجديداً ولا اجتهاداً، بل هو اعتداءٌ على الشريعة من حيث الجوهر؛ لأنَّ الشريعة - حينئذٍ - لا تعود مرجعيَّةً، بل تصبح متّهمةً تحتاج دائماً إلى تبرير نفسها أمام منظومةٍ أخرى.
والخطورة هنا أنَّ المفاهيم الغربيَّة نفسها ليست وحياً مقدّساً ولا حقائق نهائيَّةً. هي نتاج تاريخٍ خاصٍّ، وصراعاتٍ اجتماعيَّةٍ، وتحوّلاتٍ فلسفيَّةٍ، وتجارب سياسيَّةٍ واقتصاديَّةٍ، وفيها حقٌّ وباطلٌ، وعدلٌ وانحرافٌ؛ ولذلك لا يصحّ أنْ يتعامل المسلم معها كأنَّها معيارٌ مطلقٌ يحاكم به دين الله تعالى. فلا يصحّ أنْ نرفضها كلَّها لمجرّد أنَّها غربيَّةٌ، ولا يصحّ أيضاً أنْ نقبلها كلَّها لمجرّد أنَّها سائدةٌ وقويّةٌ وذات نفوذٍ عالميٍّ.
الشريعة لا ترفض العدل، ولا الحريّة المسؤولة، ولا كرامة الإنسان، ولا حفظ الحقوق، ولا مقاومة الظلم، ولا الإنصاف بين الناس، بل هذه المعاني في أصلها حاضرةٌ في الإسلام. ولكنَّ المشكلة تقع عندما تُحمَّل هذه المفاهيم بمعانٍ فلسفيَّةٍ وثقافيَّةٍ خاصَّةٍ، ثمَّ يُطلب من الشريعة أنْ تخضع لها.
فهناك فرقٌ بين أنْ نقول: الإسلام يحفظ كرامة الإنسان، وبين أنْ نقول: يجب أنْ نقبل كلّ تصوّرٍ غربيٍّ عن الإنسان والجسد والأسرة والحريّة باسم الكرامة.
وفرقٌ بين أنْ نقول: الإسلام يقرّ العدالة، وبين أنْ نلغي أحكاماً ثابتةً لمجرّد أنَّ الذوق الغربيّ المعاصر لا يستسيغها.
وهنا يظهر معنى الاعتداء على الشريعة. الاعتداء لا يكون فقط بإنكارها صراحةً، بل قد يكون أيضاً بتفريغها من مضمونها باسم التأويل، أو بتبديل غاياتها باسم المقاصد، أو بتعليق أحكامها على رضا الآخرين، أو بجعلها تابعةً للثقافة المنتصرة في زمانٍ معيَّنٍ.
فالشريعة تتحمّل الاجتهاد، ولا تتحمّل التلاعب. تتحمّل الفهم العميق، ولا تتحمّل التحريف. تتحمّل دراسة الواقع، ولا تتحمّل الخضوع للواقع. تتحمّل بيان الحكمة، ولا تتحمّل الاعتذار الدائم عنها كأنَّها خطأٌ تاريخيٌّ يجب التخلص منه.
ومن الأخطاء الشائعة: أنْ يظنَّ بعض الناس أنَّ قبول الغرب لنا لا يتحقَّق إلَّا إذا جعلنا الشريعة نسخةً دينيَّةً من المفاهيم الغربيَّة. وهذا وهمٌ كبيرٌ؛ لأنَّ المشكلة ليست دائماً في سوء عرض الإسلام، بل في أنَّ لكلّ حضارةٍ مرجعيَّتها ومعاييرها، فإذا جعلنا غاية الخطاب الدينيّ أنْ يرضى عنه «العالم الحرّ»، فسنظلّ نراجع ديننا في كلّ جيلٍ بحسب ما يتغير من أذواقهم ومعاييرهم، وما كان مقبولاً عندهم بالأمس قد يصبح مرفوضاً اليوم، وما هو مرفوضٌ اليوم قد يصبح حقّاً مقدساً غداً. فهل يُعقل أنْ تبقى الشريعة معلَّقةً على مزاجٍ ثقافيٍّ متغيرٍ؟
إنَّ الشريعة جاءت لتقوم الناس بالقسط، لا لتكون تابعةً لرغبات الناس. جاءت لتهدي الواقع، لا لتذوب فيه. جاءت لتصنع إنساناً مسؤولاً أمام الله تعالى، لا إنساناً لا يعرف من الحريّة إلَّا الانفلات من كلّ قيدٍ. ومن هنا، لا يجوز أنْ نقرأ الدين بعين المهزوم الذي يريد فقط أنْ يثبت للآخرين أنَّه «حديثٌ» و«مقبولٌ» و«غير محرجٍ».
نعم، يجب أنْ نحسن عرض الشريعة، وأنْ نزيل عنها التشويه، وأنْ نفرّق بين الحكم الشرعيّ وبين العادات الاجتماعيَّة التي التصقت به، وأنْ نميّز بين الدين وبين سوء تطبيق المتديّنين، وأنْ نعيد قراءة المسائل الاجتهاديَّة في ضوء قواعدها الصحيحة. لكنَّ كلّ ذلك يجب أنْ يتمَّ من داخل المنهج الإسلاميّ، لا تحت ضغط عقدة النقص أمام الغرب.
والفرق بين الإصلاح والاعتداء: أنَّ الإصلاح يعود إلى أصول الشريعة ليكشف معناها الصحيح، أمّا الاعتداء فيبدأ من معيارٍ خارجيٍّ ثمَّ يجبر الشريعة على موافقته. الإصلاح يسأل: ماذا يريد الله تعالى من هذا الحكم؟ وما موضوعه؟ وما حدوده؟ وما شروط تطبيقه؟ أمّا الاعتداء فيسأل: كيف نجعل هذا الحكم مقبولاً عند الثقافة الغربيَّة ولو بتغيير معناه؟
ولهذا فالشريعة لا تخاف من الحوار مع العصر، لكنَّها ترفض أنْ تكون أسيرةً للعصر. لا تخاف من العقل، لكنَّها ترفض العقل المستسلم للثقافة الغالبة. لا تخاف من مفاهيم العدالة والحقوق والكرامة، لكنَّها ترفض أنْ تُختزل هذه المفاهيم في الصياغة الغربيَّة وحدها.
وفي المحصّلة، المطلوب أنْ نقدّم الشريعة كما هي في عمقها: عادلةً، هاديةً، رحيمةً، واقعيَّةً، ومتّصلةً بفطرة الإنسان، مع الاعتراف بأنَّ لها مرجعيَّةً مستقلَّةً قد توافق بعض المفاهيم المعاصرة وقد تخالف بعضها. أمّا أنْ نجعل رضا «العالم المعاصر» شرطاً لقبول أحكام الله تعالى، فهذا ليس خدمةً للشريعة، بل هو صورةٌ من صور الاعتداء عليها.
اترك تعليق