هل توجد قرابة بين عمر بن سعد والإمام الحسين (ع)؟
السؤال: ورد في بيتٍ من الشعر لعمر بن سعدٍ (لعنه الله تعالى) يقول فيه: أأترك ملك الريِّ والريُّ منيتي * أم أرجع مأثوماً بقتل حسين حسين ابن عمِّي والحوادث جمَّة * لعمري ولي في الريِّ قرَّة عين فهل توجد قرابةٌ نسبيَّةٌ بين عمر بن سعدٍ والإمام الحسين (عليه السلام)؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
في البدء لا بأس بالإشارة إلى أنَّ الأشعار المستشهَد بها على وجود القرابة بين الإمام الحسين (عليه السلام) وعمر بن سعدٍ (لعنه الله تعالى) لم ترد في جميع المصادر، بل الملاحَظ أنَّ أهمَّ المصادر القديمة لم تنقلها، وإنَّما وردت في مصادر أُخرى، كما سنبيِّن ذلك بالتفصيل إنْ شاء الله تعالى.
1ـ قال ابن الفقيه الهمذانيّ المتوفَّى سنة (340 هـ) ما نصُّه: «وكان عُبيد الله بن زيادٍ قد جعل لعمر بن سعد بن أبي وقَّاصٍ ولاية الريِّ، أنْ يخرج على الجيش الذي وجَّهه لقتال الحسين (رضي الله عنه). فأقبل يميل بين الخروج وولاية الريِّ، أو القعود:
أأترك ملك الريِّ والريُّ رغبتي * أم ارجع مذموماً بقتل حسين
وفي قتله النار التي ليس دونها * حجابٌ، وملك الريِّ قرَّة عين» [البلدان ص541].
وكذلك نقلها جمعٌ من الأعلام من دون ذكر البيت المستشهَد فيه على القرابة بينهما، [يُنظر: المصابيح لأبي العبَّاس الحسنيّ ص٣٦٨، مقتل الحسين للخوارزميّ ج1 ص351، مناقب آل أبي طالب ج3 ص247، منهاج الكرامة ص٣٥، وغيرها من المصادر الكثيرة].
2ـ وقال السيِّد ابن طاووس المتوفَّى سنة (664 هـ) ما نصُّه: «وكان عمر بن سعدٍ قد اختفى بالكوفة، فظفر به المختار وأحضره بين يديه وقال له: يا بن سعدٍ، أنت قتلت رضيع الحسين (عليه السلام) قبَّحك الله من بين الإخوة، لا ذمَّة النَّبيِّ حفظت، ولا حقَّ الإخوة رعيت، والله العظيم لئن لم تنشدني أبياتك النونيَّة لأعذبنَّك بأشدِّ العذاب. فأنشد عمر بن سعدٍ (لعنه الله) وهو يقول:
فو الله ما أدري وإنِّي لصادقٌ * أُفكِّر في أمري على خطرين
أأترك ملك الريِّ والريُّ منيتي * أم أُصبح مأثوماً بقتل حسين
حسين ابن عمِّي والحوادث جمَّة * ولكنَّ لي في الريِّ قرَّة عيني
يقولون إنَّ الله خالق جنَّةٍ * ونارٍ وتعذيبٍ وغلِّ يدين
فإنْ صدقوا ممَّا يقولون إنَّني * أتوب إلى الرحمن من سنتين
وإنْ كذبوا فزنا بدنيا عظيمةٍ * وملكٍ عقيمٍ دائم الحجلين
وإنَّ إله العرش يغفر زلَّتي * ولو كنت فيها أظلم الثقلين
ولكنَّها الدنيا بخيرٍ معجَّلٍ * وما عاقلٌ باع الوجود بدين» [اللهوف في قتلى الطفوف ص١٩٣، وينظر: التوضيح الأنور للشيخ خضر الرازيّ ص٣٩٢، تحفة الأزهار لابن شدقم ج2 ص73، الكشكول للبحرانيّ ج3 ص49، تكملة أمل الآمل ج3 ص٢٦٨، وغيرها من المصادر].
إذا بان هذا واتَّضح، فنقول:
المعروف أنَّ نسب عمر بن سعدٍ ـ ظاهراً ـ هو أنَّه: عمر بن سعد بن مالك (أبي وقَّاص) بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب. والإمام الحسين (عليه السلام): هو الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطَّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ بن كلاب.
وبناءً على هذا، فهما يلتقيان بالجدِّ الأعلى (كلاب)، ومنه يتَّضح الوجه في هذا البيت المذكور على لسان ابن سعدٍ الذي يصرِّح فيه بالقرابة بينهما.
قال الدكتور لبيب بيضون: (يتَّصل نسب عمر بن سعدٍ مع الإمام الحسين (عليه السلام) وبني هاشمٍ في كلاب بن مُرَّة. فهو عمر بن سعد بن مالك (أبي وقَّاص) ابن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب. والحسين (عليه السلام) هو ابن علي بن أبي طالب بن عبد المطَّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ بن كلاب. ولذلك كان عمر بن سعدٍ يقول في شعره: حسين ابن عمِّي والحوادث جمَّة) [موسوعة كربلاء ج2 ص241].
نعم، ورد في بعض المصادر المهمَّة:
أنَّ عمر بن سعدٍ لم ينحدر من نسل كلابٍ، وإنَّما هو من بني عَذرة. وعليه، يكون النسب المذكور بينه وبين الإمام الحسين (عليه السلام) نسباً صورياً لا حقيقياً، ويكون الالتقاء بينهما بحسب الظاهر دون الواقع. ومنه يتَّضح أنَّه لا توجد بينهما علاقةٌ نسبيَّةٌ حقيقيَّةٌ، وأنَّ الشعر المذكور ـ بناءً على ثبوته ـ إنَّما هو جارٍ على وفق ظاهر الحال، لا على وفق الواقع، كما هو واضحٌ.
قال الشيخ أبو الصلاح الحلبيّ في أحوال سعد بن مالكٍ ـ المعروف بأبي وقَّاصٍ ـ ما نصُّه: (وقد قدحوا في نسبه، بأنَّ السلافة بنت مالك العذريّ قدمت مكَّة، ومعها ابنٌ لها صغيرٌ يُدعى مالك بن غرابٍ من بني عَذرة، فنزلوا على وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلابٍ، فنكح وهبٌ السلافة، فولدت غلاماً سمَّاه مالكاً، فمات الغلام. فوثب وهب بن عبد منافٍ ـ وقيل: هو وهيبٌ ـ فأخذ ولد السلافة من غرابٍ العذريّ، فادَّعاه، وخاصم فيه العذريِّين. وفي أبي وقَّاصٍ مالك بن غرابٍ العذريّ الملصق إلى وهيب بن عبد منافٍ يقول ضرارٌ:
أمسى يناقرني لئيمٌ واضحٌ * عند المراغة مالك بن غراب
فاخِر بعذرة إنْ فخرت فإنَّهم * ولدوك واترك زهرة بن كلاب» [تقريب المعارف ص359ـ360].
ويؤكِّد هذه الحقيقة أيضاً: تعريض معاوية بن أبي سفيان بسعد بن أبي وقَّاصٍ حين ادَّعى أنَّه الأحقُّ بالخلافة.
نقل أبو الحسن المسعوديّ: «فقال سعدٌ: والله إنِّي لأحقُّ بموضعك منك، فقال معاوية: يأبى عليك بنو عَذرة. وكان سعدٌ فيما يُقال لرجلٍ من بني عَذرة» [مروج الذهب ج3 ص20].
بقي شيء:
وهو أنَّنا لو سلَّمنا بصحَّة نسب ابن سعدٍ المذكور، فإنَّ هذه القرابة لا تنفعه بشيءٍ، كما أنَّها لا تضرُّ الإمام الحسين (عليه السلام) بشيءٍ، فقد قصَّ علينا الكتاب الكريم خبر قتل قابيل لأخيه هابيل، فكانت اللعنة والخزي من نصيب القاتل، والرحمة والخلود من نصيب المقتول، وذلك ظاهرٌ لا خفاء فيه.
والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، أنَّه لا توجد علاقةٌ نسبيَّةٌ بين الإمام الحسين (عليه السلام) وعمر بن سعدٍ بالمعنى الحقيقيّ، وأنَّ الشعر المذكور ـ بناءً على ثبوته ـ إنَّما هو جارٍ على ظاهر الحال فقط، كما تبيَّن تفصيله.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق