هل جهلنا بالرسل دليل على عدم وجودهم؟
السؤال: خالق الكون بمليارات مَجرَّاته وتريليونات نجومه وكواكبه عَجِز عن إرسال نبيٍّ أو رسولٍ إلى الهنود الحُمر الذين عاشت منهم أجيالٌ وماتت أجيالٌ أخرى دون أنْ يعلموا بوجود أيِّ ديانةٍ إبراهيميَّةٍ. إذا كانت الدُّنيا دار الامتحان فمِن المنطقيّ إذن أنْ يعلم به الجميع.
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
هذه الشبهة تقوم على خلطٍ كبيرٍ بين أمرين مختلفين: بين أنَّ الله لم يرسل رسولاً، وبين أنَّنا نحن لا نملك اليوم سجلاً تاريخيّاً واضحاً عن رسولٍ وصل إلى أمَّةٍ معيَّنةٍ. والفرق بين الأمرين كبيرٌ جداً.
فالقول إنَّ خالق الكون عجز عن إرسال نبيٍّ إلى السكان الأصليّين في الأمريكيّتين ليس برهاناً عقليّاً، وإنَّما هو تعبيرٌ إنشائيٌّ يُراد منه الإثارة أكثر من الاستدلال، فالعجز لا يثبت لمجرّد أنَّنا لا نعرف تفاصيل التاريخ الدينيّ لتلك الأمم، فغياب المعلومة عندنا لا يعني غياب الهداية عندهم، وعدم وصول اسم نبيٍّ من أنبيائهم إلينا لا يعني أنَّ الله تركهم بلا حجَّةٍ، ولا عقلٍ، ولا فطرةٍ، ولا أيِّ أثرٍ من آثار الإرشاد الإلهيّ. فبين أنْ نجهل نحن ما جرى لهم، وبين أنْ نحكم بأنَّ الله لم يرسل إليهم هادياً، مسافةٌ كبيرةٌ لا يجوز القفز عليها.
وليس في القرآن ما يدلّ على أنَّ الله تعالى حصر إرسال الأنبياء في منطقة الشرق الأوسط، ولا أنَّه جعل الهداية الإلهيَّة خاصَّةً بالشعوب التي نعرف أسماء أنبيائها. بل إنَّ القرآن يقرّر قاعدةً عامَّةً وشاملةً، فيقول: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ﴾ [يونس: 47]، ويقول أيضاً: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: 24].
وهذا يعني أنَّ أصل الهداية الإلهيَّة لم يكن خاصّاً بأمَّةٍ دون أمَّةٍ، ولا بشعبٍ دون شعبٍ، بل هو ممتدٌّ في تاريخ الإنسان كلّه، فكلّ أمَّةٍ قامت عليها حجَّة الله بطريقةٍ من الطرق، وإنْ كنَّا نحن لا نعرف تفاصيل تلك الحجَّة ولا أسماء أولئك الرسل أو المنذرين.
والقرآن نفسه لم يدَّعِ أنَّه ذكر أسماء جميع الأنبياء، بل صرَّح بخلاف ذلك، فقال: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: 164]، فهناك رسلٌ ذكرهم القرآن، وهناك رسلٌ لم يذكرهم، وهناك أممٌ لا نعرف اليوم شيئاً مفصّلاً عن تاريخها الدينيّ. ولذلك لا يصحّ أنْ نجعل جهلنا بأسماء أنبياء بعض الأمم دليلاً على أنَّ الله لم يبعث إليهم هادياً، أو أنَّه تركهم بلا حجَّةٍ.
فمن أين جاء السائل بفكرة: «أنَّ كلّ نبيٍّ لا نعرف اسمه اليوم فهو غير موجودٍ»؟ هذه ليست نتيجةً علميَّةً، بل افتراضٌ بلا دليلٍ.
ثمَّ إنَّ السائل يفترض أنَّ الهداية لا تكون إلَّا بوصول «ديانةٍ إبراهيميَّةٍ» بالاسم المعروف: يهوديَّة أو مسيحيَّة أو إسلام. وهذا أيضاً خطأٌ؛ فالإسلام لا يقول: إنَّ كلّ الأمم السابقة كان يجب أنْ تعرف إبراهيم أو موسى أو عيسى أو محمَّداً بأسمائهم حتَّى تقوم عليها الحجَّة. بل يقول: إنَّ أصل الدين واحدٌ؛ الإيمان بالله، وعبادته، وترك الظلم والفواحش، والعمل بالحقّ بحسب ما يصل إلى الإنسان من هدايةٍ، قد تختلف الشرائع، وتتبدّل التفاصيل، وتضيع بعض المعالم، لكنَّ أصل الحجَّة على الإنسان لا ينحصر في معرفته باسم دينٍ إبراهيميٍّ محددٍ.
وهنا يجب الانتباه إلى نقطةٍ جوهريَّةٍ: الدنيا دار امتحانٍ، نعم، لكنَّ الامتحان لا يشترط أنْ تكون أسئلته واحدةً لكلّ البشر، امتحان الإنسان يكون بحسب ما بلغه، وما فهمه، وما قدر عليه، وما توفّر له من عقلٍ وفطرةٍ وآثار هدايةٍ. فالذي عاش في بيئةٍ وصلته رسالة نبيٍّ واضحةً لا يكون كمَن عاش في عزلةٍ تاريخيَّةٍ ولم تصله الرسالة كاملةً، والذي عرف الحقّ ثمَّ جحده ليس كمَن لم يعرف إلَّا بقايا مشوّشةً. والذي قامت عليه الحجَّة التفصيليَّة ليس كمَن لم تقم عليه إلَّا الحجَّة الفطريَّة والعقليَّة العامَّة.
ولذلك قال القرآن قاعدةً عادلةً حاسمةً: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]. أي: إنَّ الله لا يعاقب الناس لمجرّد أنَّهم لم يعرفوا ما لم يصل إليهم، ولا يحاسبهم على تفاصيل لم تقم عليهم بها الحجَّة. وهذا من كمال العدل الإلهيّ، لا من نقصه، فالسكان الأصليّون في الأمريكيّتين، وغيرهم من الأمم المعزولة، لا يُحاكمون عند الله تعالى كما يُحاكم مَن عاش بين يدي نبيٍّ ثمَّ كذّبه، أو وصلته رسالة الإسلام واضحةً ثمَّ عاندها. كلّ إنسانٍ يُحاسب بمقدار ما بلغه من الحقّ، وبمقدار ما كان قادراً على معرفته والعمل به.
ثمَّ إنَّ لله حججاً متعدّدةً على الإنسان، وليست الحجَّة محصورةً في النبيّ الخارجيّ فقط. هناك رسولٌ ظاهرٌ، وهو النبيّ والهادي والمعلّم، وهناك رسولٌ باطنٌ، وهو العقل والفطرة والضمير. وقد ورد عن أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام): «إنّ لله على الناس حجّتين: حجّة ظاهرة وحجّة باطنة، فأمّا الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، وأمّا الباطنة فالعقول» [الكافي ج1 ص16]. فحتَّى لو لم تصل رسالةٌ تفصيليَّةٌ إلى جماعةٍ معيَّنةٍ، فهذا لا يعني أنَّ أفرادها صاروا بلا أيِّ مسؤوليةٍ أخلاقيَّةٍ. فهم يدركون بفطرتهم وعقولهم قبح الظلم، والخيانة، والقتل، والاعتداء، والكذب، ويدركون حسن العدل والرحمة والوفاء. وهذه المعارف الفطريَّة والعقليَّة جزءٌ من الامتحان الإلهيّ العامّ.
نعم، لا نعلم تفصيلاً: هل وصل إلى السكان الأصليين في الأمريكيتين نبيٌّ خاصٌّ، أو بقايا دعوةٍ قديمةٍ، أو هدايةٌ فطريَّةٌ عامَّةٌ، أو آثار رسالةٍ اندثرت مع الزمن؟ لكنَّ جهلنا بالتفاصيل لا يصلح دليلاً على اتّهام الله بالعجز أو الظلم. فنحن لا نملك تاريخ كلّ قريةٍ وقبيلةٍ وأمَّةٍ عاشت قبل آلاف السنين، وكثيرٌ من الأمم اندثرت لغاتها وأساطيرها ورموزها وذاكرتها الدينيّة، فكيف نجعل فراغ معرفتنا نحن دليلاً على غياب فعل الله تعالى؟
ثمَّ إنَّ كثيراً من الرسالات في التاريخ قد تتعرّض للتحريف والنسيان. قد يأتي نبيٌّ إلى أمَّةٍ، ثمَّ يمضي الزمن، فتختلط رسالته بالأسطورة، وتتحوّل تعاليمه إلى طقوسٍ، وتضيع أسماؤه، وتتبدّل رموزه، كما وقع في أممٍ كثيرةٍ. فعدم وجود ديانةٍ محفوظةٍ عند قومٍ معيَّنين لا يعني أنَّهم لم يعرفوا في أصل تاريخهم لوناً من ألوان الهداية. التاريخ لا يحفظ كلّ شيءٍ، والذاكرة البشريَّة ليست سجلاً كاملاً لفعل الله في الأمم.
وفي المحصّلة، الشبهة لا تكشف عجزاً في الله تعالى، بل تكشف عجلةً في السائل؛ لأنَّه حوّل جهله بتاريخ الأمم إلى اتّهامٍ للخالق، وحوّل عدم معرفته بأسماء أنبيائهم إلى دليلٍ على أنَّ الله لم يهدهم. وهذا ليس برهاناً، بل مغالطةٌ واضحةٌ.
اترك تعليق