لماذا لم يوجه الأئمة (ع) شيعتهم إلى تعلم الفلسفة والمنطق والكلام؟

السؤال: إذا كان منطق أرسطو والفلسفة وعلم الكلام وأصول الفقه معروفةً في عصر الأئمَّة (عليهم السلام)، فلماذا لم يحثُّوا الشيعة على تعلّم هذه العلوم ولم يوجّهوهم إليها؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

قد يبدو السؤال في ظاهره وجيهاً: إذا كان منطق أرسطو، والفلسفة، وعلم الكلام، وبدايات البحث الأصوليّ معروفةً في عصر الأئمَّة (عليهم السلام)، فلماذا لم نجد منهم حثّاً واضحاً للشيعة على تعلّم هذه العلوم والانخراط فيها؟

والجواب يحتاج إلى قدرٍ من الدقة؛ لأنَّ المشكلة تبدأ من افتراضٍ غير مضبوطٍ، وهو تصوّر أنَّ هذه العلوم كانت حاضرةً في عصر الأئمَّة بالصورة نفسها التي صارت عليها في القرون اللاحقة، فليس صحيحاً أنَّ الفلسفة والمنطق وعلم الكلام وأصول الفقه كانت كلّها علوماً مكتملة المناهج، مستقرَّة المصطلحات، واضحة الحدود، كما عرفها المسلمون لاحقاً.

نعم، كانت هناك معارف فلسفيَّة ومنطقيَّة يونانيَّة وسريانيَّة، وكانت هناك مناظرات كلاميَّة، وكانت هناك ممارسات فقهيَّة واستدلاليَّة، لكنَّ تشكّل هذه العلوم بصورتها المدرسيَّة الواسعة جاء متدرّجاً، وارتبط بحركة الترجمة، واتساع الجدل المذهبيّ، وظهور الحاجة إلى تدوين القواعد وتنظيم المناهج.

ومع ذلك، فحتَّى لو سلَّمنا بأنَّ بعض هذه المعارف كان معروفاً في عصر الأئمَّة (عليهم السلام)، فإنَّ عدم توجيه الشيعة إليها لا يعني رفض العقل، ولا يعني الجهل بقيمتها، ولا يعني إغلاق باب الاستفادة من الجهد البشريّ، وإنَّما يعني أنَّ للأئمَّة وظيفةً معرفيَّةً أعمق من مجرّد إلحاق الشيعة بمدرسةٍ فلسفيَّةٍ أو منطقيَّةٍ أو كلاميَّةٍ وافدةٍ.

فالإسلام ليس فراغاً معرفيّاً يحتاج إلى الفلسفة اليونانيَّة كي تمنحه عقله ومنهجه، بل هو دينٌ يمتلك نظاماً معرفيّاً كاملاً ومتكاملاً: الوحي، والعقل، والفطرة، والسنن، والتزكية، والبرهان، والتمييز بين الحق والباطل، ومعرفة الإنسان بضعفه وقوته، ومعرفة حدود العقل ومزالق الهوى. ومهمَّة النبيّ (صلى الله عليه وآله) والأئمَّة من بعده ليست أن يستعيروا للناس رؤيةً معرفيَّةً من خارج الدين، بل أن يبيّنوا معارف الإسلام على أصولها ومناهجها الخاصَّة.

وهذا لا يعني مقاطعة المعارف البشريَّة ولا تحريم الإفادة منها، فكل جهدٍ بشريٍّ في مقاربة الحقيقة يمكن أن يكون نافعاً إذا وُضع في موضعه الصحيح. لكنَّ الفرق كبيرٌ بين أن نستفيد من أداةٍ معرفيَّةٍ، وبين أن نجعلها مرجعيَّةً حاكمةً على الوحي. فالمنطق مثلاً يمكن أن يكون أداةً نافعةً لتنظيم التفكير، وكشف التناقض، وضبط الاستدلال، لكن لا يصحّ أن يتحول إلى مصدرٍ مستقلٍّ للعقيدة، ولا أن يكون بديلاً عن البيان القرآنيّ والنبويّ والعلويّ.

ومن هنا يمكن فهم موقف الأئمَّة (عليهم السلام)، فهم لم يكونوا ضد العقل، بل كانوا من أعظم من فعَّل العقل في مواجهة الشبهات والزندقة والغلوّ والانحراف. مناظرات الإمام الصادق (عليه السلام)، وكلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) في التوحيد، وبيانات الإمام الرضا (عليه السلام) في مسائل الخلق والصفات والمعرفة، كلّها شاهدةٌ على حضور العقل والبرهان في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام). لكنَّ هذا العقل لم يكن عقلاً منفلتاً من الوحي، ولا عقلاً محكوماً مسبقاً بمقولات الفلسفة اليونانيَّة، بل كان عقلاً هادياً، منضبطاً، متصلاً بالوحي، واعياً بحدوده.

والفلسفة اليونانيَّة لم تكن مجرّد أدواتٍ محايدةً، بل كانت تحمل في كثيرٍ من مباحثها رؤيةً خاصَّةً إلى الله والعالم والإنسان. ولذلك حصل الاختلاف بينها وبين الرؤية الإسلاميَّة في قضايا كبرى مثل الخلق، وقدم العالم، والعناية الإلهيَّة، والمعاد، وحقيقة النفس، وصفات الله. فليس من الحكمة أن يوجّه الأئمَّة شيعتهم إلى تبني منظومةٍ فلسفيَّةٍ تحمل في داخلها افتراضاتٍ لاهوتيَّةً وكونيَّةً قد لا تنسجم مع القرآن وروايات أهل البيت (عليهم السلام).

نعم، حين تتناول الفلسفة بعض العناوين المشتركة مع الرؤية الإسلاميَّة، كالعقل، والوجود، والعلّيَّة، والنفس، والمعرفة، فلا مانع من الإفادة المنضبطة من مباحثها، بشرط أن تبقى خادمةً للحقيقة لا حاكمةً عليها. وهذا ما فعله كثيرٌ من علماء المسلمين لاحقاً، فقد استفادوا من المنطق والفلسفة في تنظيم البحث والدفاع عن العقيدة، لكن بقي الإشكال دائماً فيمن يجعل الفلسفة ميزاناً أعلى من النص، فإذا خالف النص بناءه الفلسفيّ أوَّله أو عطَّله أو تجاوزه.

أما المنطق الأرسطيّ تحديداً، فمع ما له من قيمةٍ في ترتيب الاستدلال، يبقى في أساسه منطقاً شكليّاً، أي إنَّه يهتم بصورة التفكير وتركيب القياس وصحة الانتقال من المقدمات إلى النتيجة. وهذه زاويةٌ مهمَّةٌ، لكنَّها ليست كل مشكلة التفكير. فقد يكون القياس من حيث الشكل صحيحاً، لكنَّ مقدماته فاسدةٌ، وقد يكون ترتيب الحجَّة سليماً، لكنَّ النفس التي تستعمله مريضةٌ بالهوى، أو الكبر، أو الشهوة، أو التعصب، أو حب الغلبة.

وهنا تظهر سعة المنهج الإسلاميّ. فالإسلام لا يعالج التفكير من جهة الصورة المنطقيَّة فقط، بل يعالج الإنسان المفكر نفسه. لذلك تحدث القرآن عن العقل، ولكنه تحدث أيضاً عن الهوى، والتقليد، والكبر، والغفلة، وحب الدنيا، وتزيين الشيطان، واتباع الظن، ومرض القلب. وهذه كلّها ليست مسائل منطقٍ صوريٍّ، لكنَّها من أخطر أسباب الانحراف في فهم الحقيقة. فالعقل لا يضل دائماً لأنَّه لا يعرف تركيب القياس، بل قد يضل لأنَّه لا يريد الحق، أو لأنَّه أسير مصلحةٍ، أو لأنَّه مشدودٌ إلى شهوةٍ، أو لأنَّه يخاف من نتائج الحقيقة.

ومن هنا لم يكن المطلوب من الأئمَّة أن يقولوا للناس: تعلموا منطق أرسطو، بل أن يبنوا فيهم ملكة التمييز بين الحق والباطل، وأن يربطوا العقل بالهداية، وأن يطهّروا المعرفة من أهواء النفس، وأن يجعلوا الإنسان قادراً على معرفة الله والعدل والحجَّة والواجب من داخل نظام الإسلام نفسه.

أما علم الكلام، فهو في جزءٍ كبيرٍ منه علمٌ نشأ في سياق الجدل بين الفرق والمذاهب، ثمَّ تأثَّر لاحقاً بالفلسفات اليونانيَّة وبمناهج الجدل العقليّ. وهو قد يكون نافعاً حين يتحول إلى دفاعٍ عن العقيدة وبيانٍ للشبهات، لكنَّه قد يصبح ضارّاً حين يتحول إلى جدلٍ لفظيٍّ، أو صناعة خصومةٍ، أو محاولةٍ لإخضاع النصوص لمنطق الفرق والمذاهب. ولذلك نجد أنَّ مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) لم ترفض أصل الاحتجاج والبرهان، لكنَّها لم تجعل الجدل الكلاميّ غايةً في نفسه، بل ربطت المعرفة بالهداية والعمل والتقوى.

وكذلك أصول الفقه، فالأئمَّة (عليهم السلام) لم يتركون الشيعة بلا منهجٍ في فهم النص، بل أرشدوهم إلى قواعد مهمَّةٍ: الرجوع إلى القرآن والسنَّة، عرض الروايات على الكتاب، التمييز بين المحكم والمتشابه، الحذر من القياس والرأي الظنّيّ، معرفة موارد التقيَّة، الرجوع إلى الثقات من الرواة والفقهاء، وتعلّم الحلال والحرام من مصادره الصحيحة، وغير ذلك ممَّا تمَّ إيضاحه في أجوبةٍ سابقةٍ، منها: (علم الأصول عند الشيعة)، وذُكر فيها: أنّ الأئمَّة (عليهم السلام) هم المؤسّسون الأوائل لعلم أصول الفقه.

إذن، عدم حث الأئمَّة على هذه العلوم بأسمائها لا يعني عدم الحاجة إلى العقل والمنهج، بل يعني أنَّ الأئمَّة كانوا يؤسسون للمنهج من داخل الإسلام، لا من خارجه، كانوا يريدون للشيعيّ أن يأخذ عقيدته من القرآن والنبيّ (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت (عليهم السلام)، وأن يستعمل عقله في الفهم والدفاع والتمييز، لا أن يجعل مرجعيَّته النهائيَّة أرسطو أو أفلاطون أو المتكلمين أو الفلاسفة.

وفي المحصلة، إنَّ الموقف الصحيح ليس رفض الفلسفة والمنطق والكلام والأصول مطلقاً، ولا قبولها مطلقاً. الموقف الصحيح هو التفريق بين الأداة والمرجعيَّة. فإذا كان المنطق أداةً لضبط التفكير فلا حرج في الإفادة منه. وإذا كان الكلام وسيلةً للدفاع عن العقيدة فلا إشكال فيه. وإذا كانت الفلسفة تساعد على توضيح بعض المفاهيم فلا مانع من استعمالها بحذرٍ. أما إذا تحولت هذه العلوم إلى سلطةٍ فوق الوحي، أو إلى بديلٍ عن البيان المعصوم، أو إلى منظومةٍ تفرض على النصوص نتائجها المسبقة، فهنا يقع الخلل.

فالأئمَّة (عليهم السلام) لم يرفضوا العقل، بل رفضوا أن ينفصل العقل عن الهداية، ولم يحاربوا المعرفة البشريَّة، بل منعوا أن تتحول إلى معيارٍ أعلى من الوحي، ولم يتركون الشيعة بلا منهجٍ، بل أعطوهم منهجاً أصيلاً يبدأ من القرآن والعترة، ويستفيد من كلّ أداةٍ نافعةٍ ما دامت في موضع الخدمة لا في موضع القيادة.