هل يدل عدم إغاثة فرعون من الغرق على عدم جواز الاستغاثة؟

السؤال: ذكر إبراهيم بن محمد الهمدانيّ قال: (قلت لأبي الحسن عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام): لأيِّ علةٍ أغرق الله عزَّ وجلَّ فرعون وقد آمن به وأقرَّ بالتوحيد؟ قال: أغرق الله عزَّ وجلَّ فرعون وهي: أنَّه استغاث بموسى لما أدركه الغرق ولم يستغث بالله، فأوحى الله عزَّ وجلَّ إليه: يا موسى، ما أغثت فرعون لأنَّك لم تخلقه ولو استغاث بي لأغثته) [علل الشرائع: ٥٩، عيون أخبار الرضا: ٢/ ٧٦]. نرى هنا أنَّ الله لم يجزْ الاستغاثة بالنبيّ وهو حيّ، فكيف يجيزها على قول الشيعة وهو ميتٌ؟

: الشيخ أمير الخزاعي

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

تعاني أكثر هذه الأسئلة والاستنتاجات من غياب الموضوعيَّة، والوقوع في مغالطة جمع الشواهد بصورةٍ انتقائيَّةٍ؛ إذ يُؤخذ نصٌّ أو روايةٌ منفصلةٌ، ثمَّ يُبنى عليها حكمٌ عقائديّ كاملٌ من دون ملاحظة المنظومة الدينيَّة بأجمعها، مع أنَّ المنهج الصحيح يقتضي جمع الآيات والروايات المرتبطة بالمسألةِ كلِّها، ثمَّ فهم بعضها على ضوء بعضٍ، فالدين ليس ظاهرةً بسيطةً تُفهم من مجرّد ظاهرٍ أوّليّ لروايةٍ أو تعبيرٍ معيّنٍ، بل هو منظومة مترابطة تحتاج إلى دراسةٍ شاملةٍ للسياقات، والقرائن، وكلمات العلماء، وطريقة الجمع بين النصوص.

وعليه، فالجواب عن هذا السؤال يقع في جهتين:

الأولى: بيان أصل معنى الاستغاثة، وحدودها، وجواز الاستغاثة بالأحياء والأموات.

والثانية: بيان المراد من هذه الرواية نفسها، ورفع ما قد يبدو في ظاهرها من مخالفةٍ لمشروعيَّة الاستغاثة، عبر فهمها ضمن سياقها الكامل وبقيَّة النصوص المرتبطة بالباب.

أمَّا الأولى: أصل التوسّل والاستغاثة، فالمقصود به عند الإماميَّة وسائر القائلين بجوازه ليس الاعتقاد باستقلال الأنبياء والأولياء في التأثير، بل هو طلب الحاجة من الله تعالى بجعل أنبيائه وعباده الصالحين وسيلةً وشفعاء عنده، فالعلاقة هنا طوليَّة لا عرضيَّة؛ أي إنَّهم أسبابٌ ووسائطُ بإذن الله تعالى لا شركاء له في الربوبيَّة والتأثير، وهذا نظير ما يجري في العلاقات الاجتماعيَّة حين يستعين الإنسان بشخصٍ ذي مكانةٍ وجاهٍ لقضاء حاجةٍ عند جهةٍ معيّنةٍ، مع علمه بأنَّ صاحب القرار الحقيقيّ ليس ذلك الوسيط.

وقد دلَّت على جواز ذلك نصوصٌ كثيرةٌ من القرآن والسنَّة عند أهل السنَّة أنفسهم، من أبرزها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤]، حيث فهم جماعةٌ من كبار علماء أهل السنَّة من الآية جواز التوسّل بالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) حيّاً وميتاً، وذكروا معها قصّة العُتبيّ المشهورة عند قبر النبيّ [ينظر: تفسير ابن كثير ج٢ ص٣٠٦، الردّ المحكم المتين ص٤٤].

كما استُدلَّ بحديث: «حياتي خيرٌ لكم، ومماتي خيرٌ لكم… وتُعرض عليَّ أعمالكم…»، وقد حسَّنه وصحَّحه عددٌ من حفّاظ أهل السنَّة [ينظر: طرح التثريب ص٢٩٧، مجمع الزوائد ج٩ ص٢٤، الخصائص الكبرى ج٢ ص٢٨١].

وكذا حديث الأعمى المشهور، حين علَّمه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقول: «اللهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك محمّدٍ نبيّ الرحمةِ…»، فقُضيت حاجته، وقد صحَّحه جماعةٌ من المحدّثين [ينظر: المعجم الصغير ج١ ص٣٠٧، الترغيب والترهيب ج١ ص٤٧٦، مجمع الزوائد ج٢ ص٢٩٧].

وكذلك ما رواه الهيثميّ في باب الاستغاثة بالعباد الصالحين، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا أضلَّ أحدكم شيئاً أو أراد عوناً وهو بأرضٍ ليس بها أنيسٌ فليقل: يا عباد الله أعينوني» ثمَّ قال الهيثمي: (رواه الطبرانيّ ورجاله ثقاتٌ) [مجمع الزوائد ج١٠ ص١٣٢].

كما ثبت في المصادر المعتبرة استسقاء الصحابة بالنبيّ (صلى الله عليه وآله) بعد وفاته، واستسقاء عمر بالعبّاس، وما رواه الدارميّ عن كشف قبر النبيّ (صلى الله عليه وآله) زمن القحط ليستسقي الناس به [ينظر: سنن الدارميّ ج١ ص٤١٢]، وما رواه ابن أبي شيبة عن مجيء رجلٍ إلى قبر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) زمن عمر وقوله: «يا رسول الله، استسقِ لأمّتك»، وقد صحَّحه ابن حجر وغيره [ينظر: مصنّف ابن أبي شيبة ج٧ ص٤٨٢، فتح الباري ج٢ ص٤١٢، البداية والنهاية ج٧ ص١٠١].

بل حتّى في كلمات بعض أعلام أهل السنَّة ما يدلّ على ذلك، كما نُقل عن محمّد بن المنكدر أنَّه كان يضع خدَّه على قبر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ويقول: «استغثت بقبر النبيّ» [سير أعلام النبلاء ج٥ ص٣٥٩].

وعليه، فالتوسّل والاستغاثة عند المسلمين ليست عبادةً لغير الله تعالى، وإنَّما هي طلبٌ لله تعالى عبر من جعلهم الله ذوي جاهٍ وكرامةٍ عنده، وهي جائزةٌ قطعاً، كما ذكرنا إجمالاً.

وأمَّا الثاني: فمن هنا يتّضح معنى هذه الرواية ومحلّ الإشكال فيها؛ فإنَّ فرعون حينما استغاث بموسى (عليه السلام) كشف بذلك عن حقيقة باطنه، وأنَّه لم يكن مؤمناً بالله تعالى إيماناً حقيقيّاً، ولا واثقاً به، بل كان يرى في موسى قدرةً مستقلَّةً على الإنقاذ لما شاهده على يديه من المعاجز والآيات، وما جرى منه سابقاً من إغاثته ودفع البلاء عنه رغم كفره وعناده؛ ولذلك جاء الجواب الإلهيّ في الرواية: «يا موسى ما أغثت فرعون لأنَّك لم تخلقه»، أي إنَّ موسى (عليه السلام) ليس ربّاً مستقلاً بالتصرّف، ولا يملك النفع والضرَّ بذاته حتّى يُغيث من يشاء استقلالاً عن الله تعالى، بل كلّ ذلك بإذن الله ومشيئته، فالمقصود نفي الاستقلال في التأثير، لا نفي أصل الإغاثة أو الاستغاثة بالأنبياء والأولياء.

ولهذا لا يمكن حمل الرواية على إنكار مطلق الإغاثة؛ لأنَّ القرآن نفسه أثبت وقوع الاستغاثة بموسى (عليه السلام) في مواردَ متعدّدةٍ من دون إنكار، كما في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]، فقد استغاث الإسرائيليّ بموسى وهو حيّ فأغاثه، ولم يعدَّ القرآن ذلك شركاً ولا محرّماً.

ومن هنا يظهر أنَّ الفرق بين الإسرائيليّ المؤمن وفرعون الكافر ليس في أصل الاستغاثة بموسى (عليه السلام)، بل في حقيقة الاعتقاد الكامن خلفها؛ فالإسرائيليّ استغاث به مع اعتقاده بأنَّ الأمور كلَّها بيد الله تعالى، وأنَّ موسى شفيعٌ وعبدٌ مأذونٌ، أمَّا فرعون فقد توجَّه إليه بنحو الاستقلال عن الله تعالى، وظنَّ فيه قدرةً ذاتيَّةً منفصلة عن إرادة الله ومشيئته، فلذلك خاب وخسر، فالرواية إنَّما تنفي الإغاثة الاستقلاليّة التي هي من شؤون الربوبيَّة، لا أصل التوسّل والاستغاثة بعباد الله المقرّبين بإذن الله تعالى.

وهذه في الحقيقة إحدى العلل التي تذكرها الرواية، بل إنَّ الرواية نفسها قد صرَّحت في صدرها بعلةٍ أخرى مستقلَّةٍ، فقال الإمام الرضا (عليه السلام): بأنَّه آمن عند رؤية البأس والإيمان في ذلك الظرف غير مقبول في حكم الله تعالى في السلف والخلف حيث قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٤-٨٥]، وقال عزَّ وجلَّ ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨].

فالرواية لا تذكر علةً واحدة فقط، بل تبيّن مجموع جهات الهلاك وعدم القبول؛ ولذلك لا يصحّ تجزئة الرواية وأخذ بعض فقراتها وترك بعضها الآخر، بل لا بدَّ من فهمها كوحدةٍ مترابطةٍ يفسّر بعضها بعضاً.

ومن هنا يتّضح أنَّ المستشكل وقع في عدة مغالطات منهجيَّةٍ؛ منها مغالطة «السبب الزائف»؛ إذ حصر علة عدم نجاة فرعون في مجرد استغاثته بموسى (عليه السلام)، كما وقع في مغالطة «القياس الزائف»، حين قاس استغاثة فرعون ـ القائمة على الاعتقاد بالاستقلال ـ على التوسّل المشروع بالأنبياء والأولياء، يضاف إلى ذلك وقوعه في مغالطة «إهمال السياق»، سواء سياق الرواية نفسها أو السياق القرآنيّ العامّ.