لماذا لعن آل مروان في زيارة عاشوراء؟
السؤال: ما الوجه في تكرار لعن «آل مروان» في زيارة عاشوراء، مع أنَّهم لم يشهدوا واقعة كربلاء ولم يباشروا القتال فيها؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم – أيَّدك الله وسدَّد خطاك – أنَّ تكرار لعن آل مروان في زيارة عاشوراء يستند إلى حيثيَّاتٍ عقديَّةٍ وتاريخيَّةٍ ثابتةٍ، فإنَّ اللعن في منطق القرآن والسنَّة لا يختصُّ بمَن باشر الجريمة بيده، بل يعمُّ كلَّ مَن أسَّس لها، أو حرَّض عليها، أو رضي بها، أو تولَّى أهلها، أو واصل مسيرتهم في ظلم أولياء الله تعالى.
ومن هنا، كان ذكر آل مروان في الزيارة الشريفة أكثر من مرّة، لأنَّهم يمثِّلون الامتداد السياسيّ والعقائديّ للمشروع الأمويّ المعادي لأهل البيت (عليهم السلام)، وإنْ لم يشتركوا جميعاً في القتال يوم عاشوراء.
ويتَّضح ذلك من خلال أمور:
الأمر الأوَّل: تحريض مروان بن الحكم على قتل الإمام الحسين (ع) والتأسيس للجريمة:
لم يكن مروان بن الحكم بمنأىً عن مشروع القضاء على الإمام الحسين (عليه السلام)، بل كان من أبرز المحرِّضين عليه قبل خروجه من المدينة. فقد ذكر المؤرِّخون: أنَّه لما استدعى الوليد بن عتبة الإمام الحسين (عليه السلام) لأخذ البيعة ليزيد، وكان مروان حاضراً، فلما امتنع الإمام من البيعة قال مروان للوليد: «والله لئن فارقك الحسين الساعة ولم يبايع، لا قدرت منه على مثلها أبداً، حتَّى يكثر القتلى بينكم وبينه، فاحبس الرجل، فلا يخرج من عندك حتَّى يبايع أو تضرب عنقه». فوثب الإمام الحسين (عليه السلام) مغضباً وقال له: «أنت يا ابن الزرقاء تقتلني أو هو؟ كذبت والله وأثمت» [الإرشاد ج2 ص34].
وهذا النصُّ يكشف بوضوحٍ أنَّ مروان كان يرى قتل الإمام (عليه السلام) الخيارَ الأوَّل لتثبيت سلطان بني أميَّة، وأنّه كان محرّضاً أساسيّاً لذلك.
الأمر الثاني: الرضا بالجريمة شراكة فيها:
ومن المقرَّرات الشرعيَّة أنَّ الاشتراك في الإثم لا يختصُّ بالمباشرة، بل يشمل الرضا والتولِّي.
قال تعالى: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ﴾ [البقرة: 91]، وقد روى العيَّاشيّ عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّ الله تعالى نسب القتل إلى اليهود المعاصرين للنَّبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) مع أنَّهم لم يباشروه؛ لأنَّهم تولَّوا أسلافهم ورضوا بصنيعهم [ينظر: تفسير العيَّاشيّ ج1 ص51]. كما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «الراضي بفعل قومٍ كالداخل فيه معهم، وعلى كلِّ داخلٍ في باطلٍ إثمان: إثم العمل به، وإثم الرضا به». [نهج البلاغة ج4 ص41].
وممَّا يدلُّ على رضا مروان بالجريمة: تشفِّيه بمقتل الإمام الحسين (عليه السلام)، وإظهار الشماتة والافتخار بذلك، وذلك عندما أمر اللعين أن يُطاف برأس الإمام الحسين (عليه السلام) في البلدان، فإنّه «لمّا أُتي به إلى المدينة، وعاملُه عليها يومئذٍ عمرو بن سعيد الأشدق، فسمع صياح النساء، فقال: ما هذا؟ قيل: نساء بني هاشم يبكين لَمَّا رأينَ رأس الحسين. وكان عنده مروان بن الحكم. فقال مروان اللعين متمثّلاً:
عجّت نساءُ بني زياد عجة * كعجيج نسوتنا غداة الأرنب
عنى اللعين عجيج نساء بني عبد الشمس لمَن قُتل منهم يوم بدر..
قال عمرو بن سعيد - عامل المدينة يومئذٍ -: لوددتُ - والله - أنَّ أمير المؤمنين لم يكن يبعثُ إلينا برأس الحسين. فقال له مروان: اسكت لا أمَّ لك، وقل كما قال الأول:
ضربوا رأس شريزٍ ضربة * أثبتتْ أوتاد ملكٍ فاستقر
ثم أُتى برأس الحسين إلى عمرو بن سعيد، فأعرض بوجهه عنه، واستعظم أمرَه، فقال مروانُ اللعين لحامل الرأس: هاته. فدفعه إليه، فأخذَه بيده، وقال:
يا حبَّذا بردك في اليدين * ولونُك الأحمر في الخدَّين» [ينظر: شرح الأخبار ج3 ص159، أنساب الأشراف ج3 ص217، الأمالي الخميسية ج1 ص212].
وفي بعض المصادر: «ثمّ أخذ ينكت وجهه بقضيب، ويقول:
يا حبّذا بردك في اليدين * ولونك الأحمر في الخدّين
كأنّه بات بمجسدين * شفيت منك النفس يا حسين» [مثير الأحزان ص75].
وفي بعض المصادر: «ثمّ رمى بالرأس نحو قبر النبيّ، وقال: يا محمّد، يوم بيوم بدر» [شرح نهج البلاغة ج4 ص71].
ومن هنا، فإنَّ آل مروان لم يعلنوا البراءة من جريمة كربلاء، بل تلقَّوا نتائجها السياسيَّة، وعدُّوها نصراً لدولتهم، وهو عين ما تشير إليه زيارة عاشوراء بقولها: «ولعن الله أمةً سمعت بذلك فرضيت به».
الأمر الثالث: إقامة الدولة المروانيَّة على نهج العداء لأهل البيت (ع):
بعد هلاك يزيد وانقراض الفرع السفيانيّ، انتقلت الخلافة إلى الفرع المروانيّ بقيادة مروان بن الحكم، ثمَّ عبد الملك بن مروان، فاستمرَّ النهج الأمويّ في أشدِّ صوره. وقد تجلَّى ذلك في أمرينِ اثنينِ:
الأوَّل: جعل سبِّ أمير المؤمنين عليٍّ (عليه السلام) سنَّةً رسميَّةً على منابر المسلمين، حتَّى أبطله عمر بن عبد العزيز.
قال ابن الأثير: (كان بنو أميَّة يسبُّون أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، حتَّى ولي عمر بن عبد العزيز فترك ذلك) [الكامل في التاريخ ج4 ص98].
الثاني: استمرار سياسة التضييق على أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، حتَّى استشهد الإمام السجَّاد (عليه السلام) مسموماً في عهد الوليد بن عبد الملك المروانيّ، واستمرَّ الحصار على الإمامينِ الباقر والصادق (عليهما السلام).
وعليه، فإنَّ المشروع المروانيّ لم يكن منفصلاً عن جريمة كربلاء، بل كان امتداداً لها وتكريساً لآثارها.
الأمر الرابع: اللعن النَّبويّ السابق لآل مروان:
وردت رواياتٌ في مصادر الفريقينِ تدلُّ على أنَّ النَّبيَّ (صلَّى الله عليه وآله) لعن الحكم بن العاص، ومروان وهو في صلب أبيه.
فقد روي عن عائشة أنَّها قالت لمروان: «أشهد أنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) لعن أباك وأنت في صلبه» [السنن الكبرى للبيهقيّ ج10 ص257].
وروي عن عبد الله بن الزبير أنَّه قال: «وربِّ هذا البيت لقد لعن الله الحكم وما ولد على لسان نبيّه» [مسند أحمد ج26 ص51، البحر الزخار ج6 ص159].
وروي أيضاً في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: 60]: أنَّها بنو أميَّة، لمّا أراه الله تعالى نبيه (صلَّى الله عليه وآله) من تسلُّطهم على منبره، كما ورد عن الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، ونقل ذلك الحسكانيّ وابن أبي الحديد، وروي عن ابن عبَّاسٍ أيضاً أنَّ المراد بالشجرة الملعونة بنو أميَّة [ينظر: شواهد التنزيل ج2 ص457، شرح نهج البلاغة ج16 ص16، التفسير البسيط ج13 ص381].
الخاتمة:
إنَّ لعن آل مروان في زيارة عاشوراء لم يكن لمجرّد الانتماء النسبيّ، وإنَّما لأنَّهم كانوا ركناً أساسيّاً في المشروع الأمويّ؛ فقد حرَّضوا على قتل الإمام الحسين (عليه السلام)، ورضوا بجريمته، وجنوا ثمارها السياسيَّة، ثمَّ واصلوا سياسة اضطهاد أهل البيت (عليهم السلام) وترسيخ آثار فاجعة كربلاء، فاستحقُّوا اللعن بوصفهم شركاء في الجريمة تأسيساً وتولِّياً واستمراراً.
نكتفي بهذا القدر، والحمد لله أوَّلاً وآخراً.
اترك تعليق