هل صح أن أصحاب الإمام الحسين (ع) لم يجدوا ألم الحديد؟
السؤال: هل صحيحٌ أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) قال لأصحابه: إنَّه لن يؤلمهم حرُّ الحديد عند الموت وخروج الروح؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
روى الثقة الجليل الشيخ قطب الدين الراونديّ عن أبي سعيد سهل بن زياد، قال: حدَّثنا الحسن بن محبوب، قال: حدَّثنا ابن فضيل، قال: حدَّثنا سعد الجلاب، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال الحسين بن علي (عليهما السلام) لأصحابه قبل أنْ يُقتل: «إنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قال: يا بنيَّ، إنَّك ستُساق إلى العراق، وهي أرضٌ قد التقى بها النَّبيُّون، وأوصياء النَّبيِّين، وهي أرضٌ تدعى عموراً، وإنَّك تستشهد بها، ويُستشهد معك جماعةٌ من أصحابك لا يجدون ألم مسِّ الحديد، وتلا: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾، تكون الحرب عليك وعليهم برداً وسلاماً» [الخرائج والجرائح ج2 ص848].
ورواها أيضاً الثقة الجليل الشيخ حسن بن سليمان الحلِّيّ في [مختصر بصائر الدرجات ص٥٠].
والخبر المذكور صريحٌ في أنَّ أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) لا يجدون ألم مسِّ الحديد بشهادة النَّبيِّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله)، وإنَّما يكون عليهم برداً وسلاماً، كما كانت على نبيِّ الله إبراهيم (عليه السلام).
ولا يخفى أنَّ هذه الكرامة العظيمة إنَّما نالوها ببركة طاعتهم لإمام زمانهم (عليه السلام) وانقطاعهم إليه، إذْ بذلوا الغالي والنفيس في سبيل الله تعالى، حتَّى استشهدوا بين يدي أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، فاستحقوا بذلك تلك المقامات العالية.
نماذج من طاعتهم وإخلاصهم:
1ـ روى الشيخ المفيد، وفيه: «فجمع الحسين (عليه السلام) أصحابه عند قرب المساء. قال علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام): فدنوتُ منه لأسمع ما يقول لهم، وأنا إذْ ذاك مريضٌ، فسمعتُ أبي يقول لأصحابه: أثني على الله أحسن الثناء، وأحمده على السرَّاء والضرَّاء، اللهم إنِّي أحمدك على أنْ أكرمتنا بالنَّبوَّة وعلَّمتنا القرآن وفقَّهتنا في الدِّين، وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدة، فاجعلنا من الشاكرين. أمَّا بعد: فإنِّي لا أعلمُ أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرَّ ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عنِّي خيراً، ألا وإنِّي لأظنُّ أنَّه آخر يوم لنا من هؤلاء، ألا وإنِّي قد أذنتُ لكم فانطلقوا جميعاً في حلٍّ ليس عليكم منِّي ذمام، هذا الليل قد غشيكم فاتَّخذوه جملاً. فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه وابنا عبد الله بن جعفر: لِـمَ نفعل ذلك؟! لنبقى بعدك؟! لا أرانا الله ذلك أبداً. بدأهم بهذا القول العبَّاس بن علي (عليه السلام) واتبعته الجماعة عليه فتكلَّموا بمثله ونحوه. فقال الحسين (عليه السلام): يا بني عقيل، حسبكم من القتل بمسلم، فاذهبوا أنتم فقد أذنتُ لكم. قالوا: سبحان الله، فما يقول الناس؟ يقولون: إنَّا تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الأعمام ولم نرمِ معهم بسهمٍ، ولم نطعن معهم برمحٍ، ولم نضرب معهم بسيفٍ، ولا ندري ما صنعوا، لا والله ما نفعل ذلك، ولكن تفديك أنفسنا وأموالنا وأهلونا، ونقاتل معك حتَّى نرد موردك، فقبَّح الله العيش بعدك. وقام إليه مسلم بن عوسجة فقال: أنخلِّي عنك ولما نعذر إلى الله سبحانه في أداء حقِّك؟ أمَّا والله حتَّى أطعن في صدورهم برمحي، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولو لم يكن معي سلاحٌ أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة، والله لا نخليك حتَّى يعلم الله أنْ قد حفظنا غيبة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) فيك، والله لو علمتُ أنِّي أُقتل ثمَّ أُحيا ثمَّ أُحرق ثمَّ أُحيا ثمَّ أُذرَّى، يُفعل ذلك بي سبعين مرَّةً ما فارقتك حتَّى ألقى حمامي دونك، فكيف لا أفعل ذلك وإنَّما هي قتلةٌ واحدةٌ ثمَّ هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً. وقام زهير بن القين البجليّ (عليه السلام) فقال: والله لوددتُ أنِّي قُتلت ثمَّ نُشرت ثمَّ قُتلت حتَّى أُقتل هكذا ألف مرَّةٍ، وأنَّ الله تعالى يدفع بذلك القتل عن نفسك، وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك. وتكلَّم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضاً في وجهٍ واحدٍ، فجزاهم الحسين (عليه السلام) خيراً وانصرف إلى مضربه» [الإرشاد ج2 ص91].
2ـ وروى الشيخ قطب الدين الراونديّ بسنده عن أبي حمزة الثماليّ قال: قال علي بن الحسين (عليهما السلام): «كنتُ مع أبي الليلة التي قُتل صبيحتها. فقال لأصحابه: هذا الليل فاتَّخذوه جملاً، فإنَّ القوم إنَّما يريدونني، ولو قتلوني لم يلتفتوا إليكم، وأنتم في حلٍّ وسعة. فقالوا: لا والله، لا يكون هذا أبداً. قال: إنَّكم تُقتلون غداً كذلك، لا يفلت منكم رجلٌ. قالوا: الحمد لله الذي شرَّفنا بالقتل معك. ثمَّ دعا وقال لهم: ارفعوا رؤوسكم وانظروا. فجعلوا ينظرون إلى مواضعهم ومنازلهم من الجنة، وهو يقول لهم: هذا منزلك يا فلان، وهذا قصرك يا فلان، وهذه درجتك يا فلان. فكان الرجل يستقبل الرماح والسيوف بصدره ووجهه، ليصل إلى منزله من الجنة» [الخرائج والجرائح ج2 ص847].
هذا، وقد قرَّب هذا الأمر ـ عدم الشعور بالألم ـ العلَّامة المقرَّم بالنظر إلى أحوال المحبِّين الذين يُذهلون عن الشعور بالألم عند لقاء من يحبُّون، فكيف لو كان المحبوب هو الإمام الحسين (عليه السلام)؟
قال ما نصُّه: (ولا يُستغرب هذا من يعرف حالة المحب وأنَّه عند توجُّه مشاعره نحو المحبوب لا يشعر بما يلاقيه من عناءٍ ونكدٍ. ولقد حكى المؤرِّخون أنَّ كُثَيِّراً الشاعر كان في خبائه يبري سهاماً له، فلما دخلت عليه عزَّة ونظر إليها أدهشه الحال، فأخذ يبري أصابعه وسالت الدماء وهو لا يحسُّ بألمٍ. ويتحدَّث الرواة أنَّ شاباً من الأنصار استقبل امرأةً فأعجبته فأتبعها النظر، فدخلت في زقاقٍ وهو خلفها ينظر إليها فاعترضت وجهه زجاجةٌ في حائطٍ فشقَّت وجهه وهو لا يشعر، فلما مضت المرأة رأى الدماء تسيل على ثوبه وصدره، فأتى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وحكى له، فنزل قوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾. ويُحدِّث النَّبيُّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بأنَّ الشهيد المقتول في سبيل الدعوة الإلهيَّة لا يجدُ من مسِّ القتل إلَّا كما يجد الإنسان من مسِّ القرصة) [مقتل الحسين ص ٧٠، بتصرُّف].
وقال في السياق ذاته: (وهذا الحال يفيد المتأمِّل بصيرةً بأنَّ كلَّ من اتجهت مشاعره نحو المولى سبحانه، وتجلَّت له المظاهر الربوبيَّة، وشاهد ما أُعدَّ له من النعيم الخالد في سبيل دعوة الدِّين هان عليه ألم الجراح. ويُؤكِّد ما قلنا من ذهول المحب عندما يشاهد محبوبه عن كلِّ ما يرد عليه من الأذى. غفلة النسوة عن ألم قطع المدية أيديهنَّ لمحض مشاهدة جمال الصدِّيق يوسف (عليه السلام) كما حكاه جلَّ شأنه: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَا حَاشَ لِلهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾، وإذا لم تشعر النسوة بمضض الجراح فليس من الغريب ألَّا يجد أصحاب الحسين (عليه السلام) وهم زبدة العالم كلِّه ألم مسِّ الحديد عند نهاية حبِّهم لمظاهر الجمال الإلهيّ، ونزوع أنفسهم إلى الغاية القصوى من القداسة، بعد التكهرب بولاء سيِّد الشهداء (عليه السلام)) [مقتل الحسين ص72، بتصرُّف].
والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، أنَّ الأخبار الشريفة قد دلَّت على أنَّ أصحاب الحسين (عليه السلام) لم يجدوا ألم مسِّ الحديد، كرامةً لهم من الله تعالى، ببركة طاعتهم وإخلاصهم لإمامهم وسيِّدهم يوم عاشوراء. رزقنا الله تعالى شفاعتهم في الدنيا والآخرة.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق