معجزة تكلم رأس سيد الشهداء (ع)

السؤال: هل ورد في مصادر الفريقين أنَّ رأس الإمام الحسين (عليه السلام) قد تكلّم على الرمح بعد استشهاده (عليه السلام)؟

: السيد أبو اَلحسن علي الموسوي

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

اعلمْ – أيدك الله – فإنَّ فاجعة كربلاء واستشهاد الإمام الحسين بن عليّ (عليهما السلام) لم تكن حَدَثاً سياسيّاً عابراً في تاريخ الأمَّة، بل كانت هِزَّةً عَقَديةً وأخلاقيةً جَسَّدت مَعالم المظلوميَّة العُظمى في أبهى صور الصَّبْرِ والتَّضحية.

ومن جُملةِ ما تَعاقبَ الرُّواة والمؤرخون على نَقلهِ في الآثار والتَّواريخ، تلك الظَّواهر الخارقة للعادةِ – الكرامات -التي تلت مقتله الشَّريف، والتي جاءت تباعاً لتؤكِّدَ عظيمَ مَنزلتهِ عند الله عزَّ وجلَّ، وتشهدَ بضلالةِ الفئة الباغية التي استباحت دمهُ الزَّكيّ.

ومن أبرز تلك الظواهر -التي استرعت انتباه الباحثين في الموروث الروائيّ الإسلاميّ -: تكلّم رأس الإمام الحسين (عليه السلام) وتلاوته للقرآن الكريم وهو مرفوعٌ على القنا (الرِّماح).

ولم يقتصر ذِكر هذه الحادثة الخارقة على مَصادر مَدرسة أهل البيت (عليهم السلام) التي تفيضُ بذكرها تصريحاً وتفصيلاً، بل امتدَّت لتجدَ لها مَوطئ قَدَمٍ جليّاً في مصادر غير الإماميَّة؛ حيث قَيَّدها جملةٌ من المحدِّثين وأصحابُ السِّير والتراجم في مُصنَّفاتهم المعتمدة.

القسم الأول: الأخبار الواردة في مصادر الإماميَّة:

1ـ نقل ابنُ شهر آشوب بالإسناد إلى أبي مخنف، عن الشعبيّ قال: «أنَّه لمَّا صُلب رأسُ الحسين بالصيارف في الكوفة، فتنحنح الرأسُ وقرأ سورةَ الكهف إلى قولِه تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: 13].

وفي أثرٍ: أنَّهم لمَّا صلبوا رأسَه على الشجرة سُمع مِنه: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 227].

وسُمع صوته بدمشق يقول: ﴿لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: 39].

وسُمع أيضاً يقرأُ: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ [الكهف: 9]، فقال زيد بن أرقم: أمرُك عجيبٌ يا بنَ رسول الله» [مناقب آل أبي طالب ج3 ص 218].

2ـ روى الشيخ المفيدُ بالإسناد إلى زيد بن أرقم أنَّه قال: «مُرَّ به [أي رأس الحسين] عليَّ وهو على رمحٍ، وأنا في غرفةٍ لي، فلمَّا حاذاني سمعتُه يقرأ: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾، فقفَّ -واللهِ – شعري، وناديتُ: رأسُك واللهِ يا ابنَ رسول الله أعجبُ وأعجب» [الإرشاد ج2 ص117].

3ـ روى المحدِّث الطبريّ بالإسناد إلى الحارث بن وكيدة قال: «كنتُ فيمَن حملَ رأس الحسين (عليه السلام)، فسمعتُه يقرأ: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: 13]، وقرأ: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 227]. فجعلتُ أشكُّ في نفسي وأنا أسمع نغمةَ أبي عبد الله (عليه السلام)، فقال لي: يا ابنَ وكيدة، أمَّا علمتَ أنَّا معشر الأئمَّة أحياءٌ عند ربِّنا» [دلائل الامامة ص188، نوادر المعجزات ص462].

4ـ روى العلَّامة الطريحيّ: «…خرجتُ من شهرزور أُريد بيت المقدس، فصار خروجي أيام قتل الحسين (عليه السلام)، فدخلتُ الشام فرأيتُ الأبواب مفتَّحةً، والدكاكين مغلقةً، والخيل مسرجةً، والأعلام منشورةً، والرايات مشهورةً، والناس أفواجاً امتدَّتْ منهم السكك والأسواق، وهم في أحسن زينةٍ يفرحون ويضحكون، فقلتُ لبعضهم: أظنُّ حدث لكم عيدٌ لا نعرفه؟ قالوا: لا. قلتُ: فما بال الناس كافَّةً فرحين مسرورين؟ فقالوا: أغريبٌ أنت، أمْ لا عهد لك بالبلد؟ قلتُ: نعم، فماذا؟ قالوا: فُتح لأمير [المفسدين] فتحٌ عظيمٌ. قلتُ: وما هذا الفتح؟ قالوا: خرج عليه في أرض العراق خارجيٌّ فقتله، والمنَّة لله وله الحمد. قلتُ: ومَن هذا الخارجي؟ قالوا: الحسين بن علي بن أبي طالب. قلتُ: الحسين بن فاطمة بنت رسول الله؟! قالوا: نعم. قلتُ: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، وإنَّ هذا الفرح والزينة لقتل ابن بنت نبيكم؟! وما كفاكم قتله حتى سميتموه خارجياً؟! فقالوا: يا هذا، أمسكْ عن هذا الكلام واحفظْ نفسك؛ فإنَّه ما من أحدٍ يذكر الحسين بخيرٍ إلَّا ضُربتْ عنقه. فسكتُّ عنهم باكياً حزيناً، فرأيتُ باباً عظيماً قد دخلتْ فيه الأعلام والطبول. فقالوا: الرأس يدخل من هذا الباب. فوقفتُ هناك، وكلَّما تقدَّموا بالرأس كان أشدَّ لفرهم وارتفعتْ أصواتهم، وإذا برأس الحسين والنور يسطع من فيه كنور رسول الله (عليها السلام)، فلطمتُ على وجهي، وقطعتُ أطماري، وعلا بكائي ونحيبي، وقلتُ: واحزناه! للأبدان السليبة النازحة عن الأوطان، المدفونة بلا أكفان، واحزناه! على الخدِّ التريب والشيب الخضيب، يا رسول الله! ليت عينيك ترى رأس الحسين في دمشق يُطاف به في الأسواق، وبناتك مشهوراتٌ على النياق مشققات الذيول والأزياق، ينظر إليهم شرار الفسَّاق، أين علي بن أبي طالب يراكم على هذا الحال؟! إلى أن قال: وكان معي رفيقٌ نصرانيٌّ يريد بيت المقدس وهو متقلِّدٌ سيفاً تحت ثيابه، فكشف الله عن بصره فسمع رأس الحسين، وهو يقرأ القرآن ويقول: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّـهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾، فقد أدركته السعادة، فقال: أشهد أنْ لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمداً عبده ورسوله، ثمَّ انتضى سيفه وشدَّ به على القوم، وهو يبكي وجعل يضرب فيهم، فقتل منهم جماعةً كثيرةً، ثمَّ تكاثروا عليه فقتلوه» [المنتخب ص282].

5ـ روى ابن شهر آشوب عن النطنزيّ في الخصائص قال: «لمَّا جاؤوا برأس الحسين ونزلوا منزلاً - يُقال له: قنسرين -، اطَّلع راهبٌ من صومعته إلى الرأس فرأى نوراً ساطعاً يخرج من فيه ويصعد إلى السماء، فأتاهم بعشرة آلاف درهمٍ وأخذ الرأس، وأدخله صومعته فسمع صوتاً ولم يرَ شخصاً، قال: طوبى لك، وطوبى لمَن عرف حرمته. فرفع الراهب رأسه قال: يا ربِّ، بحقِّ عيسى تأمر هذا الرأس بالتكلُّم معي، فتكلَّم الرأس وقال: يا راهب، أيّ شيءٍ تريد! قال مَن أنت؟ قال: أنا ابن محمد المصطفى، وأنا ابن علي المرتضى وأنا ابن فاطمة الزهراء، وأنا المقتول بكربلاء، أنا المظلوم أنا العطشان. فسكت، فوضع الراهب وجهه على وجهه، فقال: لا أرفع وجهي عن وجهك حتى تقول: أنا شفيعك يوم القيامة. فتكلَّم الرأس، فقال: ارجعْ إلى دين جدِّي محمد. فقال الراهب: أشهد أنْ لا إله إلَّا الله وأشهد أنَّ محمداً رسول الله. فقبل له الشفاعة، فلما أصبحوا أخذوا منه الرأس والدراهم، فلمَّا بلغوا الوادي نظروا الدراهم قد صارت حجارةً» [مناقب آل أبي طالب ج3 ص217].

6ـ نقل العلَّامة المجلسيّ عن كتاب المناقب القديم، حيث قال: «روي: أنَّه لما حُمل رأسه إلى الشام جنَّ عليهم الليلُ فنزلوا عند رجلٍ من اليهود، فلمَّا شربوا وسكروا، قالوا: عندنا رأس الحسين (عليه السلام). فقال: أروه لي. فأروه وهو في الصندوق يسطع منه النور نحو السماء؛ فتعجَّب منه اليهودي، فاستودعه منهم وقال للرأس: اشفعْ لي عند جدِّك فأنطق الله الرأس، فقال: إنَّما شفاعتي للمحمديين، ولست بمحمدي. فجمع اليهودي أقرباءه، ثمَّ أخذ الرأس ووضعه في طستٍ وصبَّ عليه ماء الورد، وطرح فيه الكافور والمسك والعنبر، ثمَّ قال لأولاده وأقربائه: هذا رأس ابن بنت محمد (عليه السلام)، ثمَّ قال: يا لهفاه، حيث لم أجدْ جدَّك محمداً (عليه السلام) فأُسلم على يديه! يا لهفاه حيث لم أجدْك حيّاً فأُسلم على يديك وأُقاتل بين يديك! فلو أسلمتُ الآن أتشفع لي يوم القيامة؟ فأنطق الله الرأس، فقال بلسانٍ فصيحٍ: إنْ أسلمتَ فأنا لك شفيعٌ، قاله ثلاث مراتٍ وسكت فأسلم الرجل وأقرباؤه» [بحار الأنوار ج45 ص303].

7ـ نقل السيد هاشم البحرانيّ: «روي: أنَّ عبيد الله بن زياد بعد ما عُرِض عليه رأس الحسين عليه السلام دعا بخولي بن يزيد الأصبحيّ، وقال له: خذ هذا الرأس حتى أسألك عنه. فقال: سمعاً وطاعةً. فأخذ الرأس وانطلق به إلى منزله، إلى أن قال: فخرجت امرأته في الليل، فرأت نوراً ساطعاً من الرأس إلى عنان السماء، فجاءت إلى الإجانة فسمعت أنيناً، وهو يقرأ إلى طلوع الفجر، وكان آخر ما قرأ: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾» [مدينة المعاجز ج4 ص124].

8ـ نقل عن البهبهانيّ أنَّه روى عن أبي مخنف أنَّه قال: «حدَّثني مَن حضر اليوم الذي ورد فيه رأس الحسين (عليه السلام) على ابن زياد لعنه الله، قال: رأيتُ قد خرجتْ من القصر نارٌ، فقام عبيد الله بن زياد هارباً من سريره إلى أنْ دخل بعض البيوت، وتكلَّم الرأس الشريف بصوتٍ فصيحٍ جهوريٍّ، يسمعه ابن زياد ومَن كان معه: إلى أين تهرب من النار يا ملعون؟! لئنْ عَجَزتُ عَنك في الدنيا فإنَّها في الآخرة مَثْواك ومصيرك. قال: فوقع أهل القصر سجَّداً لما رأوا من رأس الحسين (عليه السلام)، فلَّما ارتفعت النار سكت رأس الحسين عليه السلام» [موسوعة الإمام الحسين (عليه السلام) ج5 ص766].

9ـ نقل السيد المقرّم عن بعض المصادر روايةً، وفيها: «قال هلال بن معاوية: رأيتُ رجلاً يحمل رأس الحسين (عليه السلام)، والرأس يخاطبه: فرَّقتَ بين رأسي وبدني؟! فرَّق الله بين لحمك وعظمك وجعلك آيةً ونكالاً للعالمين. فرفع السوط وأخذ يضرب الرأس حتى سكت» [مقتل الحسين ص415].

القسم الثاني: الأخبار الواردة في مصادر غير الإماميَّة:

1ـ روى محمّد بن سليمان الكوفيّ بالإسناد إلى المنهال بن عمرو قال: «رأيتُ رأس الحسين بن عليّ على الرمح وهو يتلو هذه الآية: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾. فقال رجلٌ من عرض الناس: رأسك ـ يا ابن رسول الله ـ أعجبُ» [مناقب أمير المؤمنين ج2 ص267].

2ـ روى ابن عساكر بالإسناد إلى المنهال بن عمرو قال: «أنا -والله -رأيتُ رأس الحسين بن عليّ حين حُمل وأنا بدمشق، وبين يدي الرأس رجلٌ يقرأ سورة الكهف حتَّى بلغ قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾، قال: فأنطق الله الرأس بلسانٍ ذربٍ فقال: أعجبُ من أصحاب الكهف قتلي وحملي» [تاريخ دمشق ج60 ص370].

3ـ وروى ابن عساكر أيضاً بالإسناد إلى سلمة بن كهيل قال: «‌رأيتُ ‌رأس ‌الحسين ‌بن ‌عليٍّ (رضي الله عنهما) على القنا وهو يقول: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [تاريخ دمشق ج22 ص117].

4ـ نقل البدخشيّ عن زيد بن أرقم قال: «مُرَّ به [أي: رأس الحسين (عليه السلام)] عليَّ وهو على رمحٍ، وأنا في غرفةٍ، فلمَّا حاذاني سمعته يقرأ: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾، فوقف ـ والله ـ شعري، وناديتُ: رأسك -والله - يا ابن رسول الله وأمرك أعجبُ وأعجبُ» [مفتاح النجا في مناقب آل العبا ص145].

أقول: يتحصل من مجموع النصوص والآثار المتقدمة أمورٌ كثيرةٌ، نذكر منها أمرين:

1ـ أنَّ أصل نطق الرأس الشريف مشهورٌ، ومستفيضٌ، ورد نقله من طرقٍ مختلفةٍ، في مصادر الإماميَّة والزيديَّة والعامَّة، فلم تنفرد بها مصادر الإماميَّة. وهذا الاشتهار بين المسلمين والاستفاضة في الطرق يورث وثوقاً واطمئناناً بوقوع هذه المعجزة.

2ـ أنَّ الرأس الشريف تكلَّم في مواطن مختلفةٍ، لا في موطنٍ واحدٍ، فقد نطق عدَّة مرَّاتٍ في الكوفة، وعِدَّة مراتٍ في الشام، وعِدَّة مراتٍ في الطريق. كما أنَّه نطق آياتٍ قرآنيةً مختلفةً، وخاطب بعض الناس.

نكتفي بهذا القدر، والحمد لله أولاً وآخراً.