هل كان يزيد بن معاوية كافراً؟

السؤال: يقول البعض: (لم يقل أحدٌ إنَّ يزيد خارجٌ من ملَّة الإسلام، بل أكثر ما قيل فيه إنَّه فاسقٌ، وهذا كما قلنا مبنيٌّ على ثبوت ما ذكروه عنه من فسقٍ، وعلمه عند الله تبارك وتعالى) [حقبة من التاريخ ص154]، فما هو تعليقكم عليه؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

لا بأس في البداية من التنبيه إلى أنَّ فسق يزيد بن معاوية واستهتاره بالقيم الدينيَّة والأخلاقيَّة من الأمور التي لا يكاد يقع فيها نزاعٌ عند أهل الإنصاف؛ لما تواتر من الأخبار والآثار الدالَّة على ذلك. وإنَّما وقع الخلاف في مسألةٍ أُخرى، وهي: هل كان يزيد كافراً بالله تعالى، منكراً للرسالة المحمَّديَّة، خارجاً عن ربقة الإسلام أم لا؟

فقد ذهب شيعة أهل البيت (عليهم السلام) إلى الحكم بكفره وخروجه عن الإسلام قولاً واحداً، بينما اختلف أهل العامَّة في ذلك على قولين:

الأوَّل: هو القول بكفره وخروجه عن الإسلام، والثاني: هو القول ببقائه على الإسلام.

والحقُّ في هذه المسألة: هو القول بكفره وخروجه عن ملَّة الإسلام، ولبيان هذه المسألة بشيءٍ من التفصيل والتوضيح، نتحدَّث عنها في مقامينِ اثنينِ، فنقول ومن الله تعالى نستمدُّ العون والقدرة.

المقام الأوَّل: كلمات علماء الشيعة:

إنَّ القول بكفر يزيد بن معاوية وخروجه عن ملَّة الإسلام من المسائل الواضحة والمشهورة في كلمات علماء الشيعة؛ ولذلك نقتصر ـ طلباً للاختصار ـ على نقل كلام الشيخ عبَّاس القمِّيّ في هذا الشأن.

قال (طاب ثراه): (أمَّا دلالة أقواله فأوضح من أنْ تُذكر، فمن يرجع إلى كلامه وأشعاره، يجد هذا الأمر واضحاً بيِّناً، وليس هذا الموجز مقاماً لبسطها، ولكن من باب المثال تحسن الإشارة إلى بعضها، فمن جملة أشعاره الدالَّة على كفره وزندقته شعره المعروف في وصف الخمرة... وأمَّا دلالة أفعاله على كفره: فيكفي قتله سيِّد الشهداء (عليه السلام)، ريحانةَ النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وسيِّدَ شباب أهل الجنة، ومحبوبَ حبيب الله، علاوة على ما فعله من استخفافٍ بالعترة الطاهرة، بعد قتله فلذة كبد الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)... ودليلٌ آخر على كفره: واقعة الحرَّة، وانتهاك حرمة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم). أضف إلى ذلك هتكه للكعبة المعظَّمة... وإجمالاً: فإنَّ الكلام عن كفر يزيد وزندقته وإلحاده، إلى أشعاره الناضحة بالكفر، ولعن أبي الفرج بن الجوزيّ له على منبر بغداد قد فاضت بها الكتب، كما أنَّ لفيفاً من أهل السنَّة والجماعة أيضاً يعتقدون بكفره) [يُنظر: منتهى الآمال ج3 ص74 ـ 76].

المقام الثاني: كلمات علماء العامَّة:

1ـ قال ابن عبد ربه الأندلسيّ: (وبعث مسلم بن عقبة برؤوس أهل المدينة إلى يزيد، فلما أُلقيت بين يديه جعل يتمثَّل بقول ابن الزبعرى يوم أحد:

ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الأسل

لأهلُّوا واستهلُّوا فرحاً * ولقالوا ليزيد لا فشل

فقال له رجلٌ من أصحاب رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم): ارتددت عن الإسلام يا أمير المؤمنين؟! قال: بلى. نستغفر الله. قال: والله لا ساكنتك أرضاً أبداً، وخرج عنه) [العقد الفريد ج5 ص139].

2ـ وقال سبط ابن الجوزيّ: (قال ابن عقيل: وممَّا يدلُّ على كفره وزندقته فضلاً عن سبِّه ولعنه أشعاره التي أفصح بها بالإلحاد وأبان عن خبث الضمائر وسوء الاعتقاد) [تذكرة الخواص ص٢٦٠].

3ـ وقال العلَّامة التفتازانيّ: (واتفقوا على جواز اللعن على مَن قتله أو أمر به أو أجازه أو رضي به. والحق: أنَّ رضا يزيد بقتل الحسين واستبشاره بذلك، وإهانته أهل بيت النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، ممَّا تواتر معناه، وإنْ كانت تفاصيله آحاداً، فنحن لا نتوقَّفُ في شأنه، بل في إيمانه، لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه) [شرح العقائد النسفيَّة ص206].

أي: لا نتوقَّف في لعنه فقط، بل لا نتوقَّف في عدم إيمانه أيضاً. ممَّا يعني عدم كونه مؤمناً بالله تعالى أصلاً، كما هو ظاهر العبارة.

قال الشبراويّ: (وقول السعد: «بل في إيمانه»، أي: بل لا نتوقَّف في عدم إيمانه، بقرينة ما بعده وما قبله) [الإتحاف بحب الأشراف ص169].

4ـ وقال مُحمَّد بن أحمد الدمشقيّ الباعونيّ الشافعيّ: (وما قال به يزيد بن معاوية (عليه اللعنة) عند وضع رأسه الشريف بين يديه حين قُدم به عليه، وهذا قوله:

ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الأسل

وقال أيضاً:

نَعَبَ الغرابُ، فقلت: قل أو لا تقل * فقد اقتضيتُ من الرسول ديوني

فقال له رجلٌ من الصحابة: ارتددت عن الإسلام يا أمير المؤمنين... وقرع ثغره الشريف بالقضيب، وهو الحبيب وابن الحبيب وسبط الحبيب. وكلُّ هذا ممَّا يدلُّ على صريح الكفر) [جواهر المطالب ج1 ص15].

5ـ وقال أيضاً: (قال ابن القفطيّ في تاريخه: إنَّ السبي لما ورد على يزيد بن معاوية خرج لتلقِّيه، فلقي الأطفال والنساء من ذرِّيَّة علي والحسن والحسين، والرؤوس على أسنَّة الرماح وقد أشرفوا على ثنية العقاب، فلما رآهم أنشد:

لـمَّا بدت تلك الحمول وأشرقت * تلك الرؤوس على ربا جيرون

نَعَبَ الغرابُ، فقلت: قل أو لا تقل * فقد اقتضيتُ من الرسول ديوني

يعني بذلك: أنَّه قتل الحسين بمن قتله رسول الله يوم بدر، مثل عتبة جدِّه ومن مضى من أسلافه! وقائل مثل هذا القول بريءٌ من الإسلام ولا يُشكُّ في كفره) [جواهر المطالب ج2 ص300].

6ـ وقال أيضاً: (سُئل الكيا الهراسيّ - وهو من كبار الأئمَّة - عن لعنة يزيد بن معاوية؟ فقال: لم يكُ يزيد من الصحابة، وُلد في زمان عمر بن الخطَّاب، وركب العظائم المشهورة، ثمَّ قال: وأمَّا قول السلف ففيه لأحمد قولان: تلويحٌ وتصريحٌ، ولمالك أيضاً قولان تصريحٌ وتلويحٌ، ولنا قولٌ واحدٌ وهو التصريح دون التلويح. قال: وكيف لا وهو اللاعب بالنرد، المتصيِّد بالفهد، والتارك للصلوات، والمدمن للخمر، والقاتل لأهل بيت النبيِّ، والمصرِّح في شعره بالكفر الصريح) [جواهر المطالب ج2 ص301].

7ـ وقال ابن حجر الهيتميّ: (واعلم أنَّ أهل السنَّة اختلفوا في تكفير يزيد بن معاوية ووليِّ عهده من بعده، فقالت طائفةٌ: إنَّه كافرٌ؛ لقول سبط ابن الجوزيّ وغيره المشهور: أنَّه لما جاء رأس الحسين (رضي الله عنه) جمع أهل الشام وجعل ينكتُ رأسه بالخيزران، وينشد أبيات ابن الزبعرى: ليت أشياخي ببدر شهدوا… الأبيات المعروفة، وزاد فيها بيتين مشتملين على صريح الكفر) [الصواعق المحرقة ج2 ص630].

وقال أيضاً: (ولا عجب، فإنَّ يزيد بلغ من قبائح الفسق والانحلال عن التقوى مبلغاً لا يستكثر عليه تلك القبائح منه، بل قال أحمد بن حنبل بكفره، وناهيك به ورعاً وعلماً يقضيان بأنَّه لم يقل ذلك إلَّا لقضايا وقعت منه صريحة في ذلك ثبتت عنده) [المنح المكيَّة في شرح الهمزيَّة ص519].

8ـ وقال المناويّ: (قال المولى ابن الكمال: والحق: أنَّ لعن يزيد على اشتهار كفره وتواتر فظاعته وشرِّه على ما عُرف بتفاصيله جائزٌ) [فيض القدير ج1 ص205].

9، وقال ابن العماد الحنبليّ: (قال اليافعيّ: وأمَّا حكم من قتل الحسين أو أمر بقتله ممَّن استحلَّ ذلك، فهو كافرٌ، وإنْ لم يستحلَّ فهو فاسقٌ فاجرٌ، والله أعلم) [شذرات الذهب في أخبار من ذهب ج1 ص289].

10ـ وقال إسماعيل حقِّي الحنفيّ: (قال بعضهم: لعن يزيد على اشتهار كفره وتواتر فظاعة شرِّه، لما أنَّه كفر حين أمر بقتل الحسين (رضي الله عنه)، ولما قال في الخمر:

فإنْ حُرِّمت يوماً على دين أحمدٍ * فخذها على دين المسيح بن مريم) [روح البيان ج1 ص179].

11ـ وقال الآلوسيّ: (وعلى هذا القول: لا توقُّف في لعن يزيد، لكثرة أوصافه الخبيثة وارتكابه الكبائر في جميع أيَّام تكليفه، ويكفي ما فعله أيَّام استيلائه بأهل المدينة ومكَّة... والطامة الكبرى ما فعله بأهل البيت، ورضاه بقتل الحسين، على جدِّه وعليه الصلاة والسلام، واستبشاره بذلك، وإهانته لأهل بيته ممَّا تواتر معناه وإنْ كانت تفاصيله آحاداً... وقد جزم بكفره وصرَّح بلعنه جماعةٌ من العلماء، منهم الحافظ ناصر السنَّة ابن الجوزيّ، وسبقه القاضي أبو يعلى) [تفسير الآلوسيّ ج16 ص72].

12ـ وقال الشبراويّ - بعد نقله أبيات ابن الزبعرى -، ما نصُّه: (أخزاه الله، وخزَّاه في هذه الأبيات، إنْ كانت صحيحة عنه فقد كفر فيها بإنكار الرسالة) [الإتحاف بحب الأشراف ص159].

إلى غير ذلك من كلمات القوم في كفر يزيد بن معاوية.

خلاصة البحث:

والمتحصَّل من مجموع هذه الأخبار والآثار وكلمات الأعلام هو قيام عدَّة أدلَّة على كفر يزيد بن معاوية بالله تعالى وعدم إيمانه، منها:

1ـ أمره ورضاه بقتل سيِّد الشهداء (عليه السلام) وأهل بيته، وسبي نسائه وإهانتهم.

2ـ إهانته لرأس سيِّد الشهداء (عليه السلام) في مجلسه.

3ـ استحلاله المحرَّمات، كشرب الخمر ونحوها، وإنشاده الشعر فيها.

4ـ تصريحه بالأشعار الكفريَّة والإلحاديَّة.

5ـ أمره ورضاه برمي الكعبة بالمنجنيق وحرقها.

6ـ أمره باستباحة المدينة المنوَّرة لجيشه، وما ارتُكب فيها من المنكرات.

7ـ نصبه العداء لأهل البيت (عليهم السلام).

إلى غيرها من الأدلَّة الموجبة لكفره وعدم إيمانه بالله تعالى، كما لا يخفى على أهل العلم والمعرفة.

بقي شيء:

وهو أنَّ قوله في السؤال: (وهذا كما قلنا مبنيٌّ على ثبوت ما ذكروه عنه من فسقٍ، وعلمه عند الله تبارك وتعالى)، يدلُّ على عدم قناعته بثبوت فسق يزيد، فضلاً عن القول بكفره، مع أنَّ فسقه من الواضحات التي تواترت بها الأخبار والنقول، حتَّى صار إنكارها من قبيل التعصُّب المذموم. ولإتمام الكلام في هذا المجال، نذكر بعض الشواهد والكلمات الدالَّة على ذلك إنْ شاء الله تعالى.

1ـ قال الذهبيّ: (وروى الواقديّ بإسنادٍ قال: «لما وثب أهل الحرَّة، وأخرجوا بني أميَّة من المدينة، بايعوا ابن الغسيل على الموت، فقال: يا قوم، والله ما خرجنا حتَّى خفنا أنْ نُرجم من السماء، رجلٌ ينكح أمَّهات الأولاد، والبنات، والأخوات، ويشرب الخمر، ويدع الصلاة») [سير أعلام النبلاء ج3 ص324].

2ـ وقال أيضاً في حقِّه: (وكان ناصبياً فظاً غليظاً جلفاً، يتناول المسكر، ويفعل المنكر. افتتح دولته بمقتل الشهيد الحسين، واختتمها بواقعة الحرَّة، فمقته الناس ولم يُبارك في عمره. وخرج عليه غير واحدٍ بعد الحسين) [سير أعلام النبلاء ج5 ص6].

إلى غير ذلك من الكلمات الواضحة في فسقه ومجونه، كما هو واضحٌ.

والنتيجة النهائيَّة من جميع ما تقدَّم: أنَّ كفر يزيد بن معاوية وخروجه عن ملَّة الإسلام من القطعيَّة عند الإماميَّة، وقد وافقهم على ذلك جمعٌ من علماء العامَّة، كما تقدَّم بيانه.. والحمد لله ربِّ العالمين.