هل كان أمير المؤمنين (ع) فقيراً ولا يعمل؟

السؤال: يقول بعض مشايخ السلفيَّة: علي بن أبي طالب (عليه السلام) لم يكن ذا مهنةٍ، بل كان فقيراً، وفي بعض الروايات التاريخيَّة: لما أخبر النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) فاطمة بأنَّه سيزوِّجها علياً بكت وقالت: ما وجدتَ إلَّا فقير قريشٍ! فكان (عليه السلام) فقيراً؛ ولذا كان عمر يصفه بـ(البطَّال) يعني بدون عملٍ، فكان فقيراً؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

بدايةً لابدَّ أنْ يُعلم بأنَّ الفقر في ميزان الإسلام ليس نقصاً يُعاب به الإنسان، كما أنَّ الغنى ليس فضيلةً يُمدح بها لذاته، إذْ لا يُقاس قدر الإنسان بما يملك من مالٍ، بل بما يحمله من إيمانٍ وتقوىً، وما يقدِّمه من عملٍ صالحٍ، فكم من فقيرٍ رفعه الله تعالى بتقواه حتَّى صار عنده من المقرَّبين، وكم من غنيٍّ أهوته دنياه فأبعدته عن الله تعالى ورضوانه.

ومن هنا، جاءت النصوص الشرعيَّة مادحةً للمتَّقين بما هم متَّقون، لا بما يملكون، وذامَّةً للفاسقين بما هم منحرفون، لا لفقرهم أو غناهم. فالفقر قد يكون ابتلاءً يرقى به الإنسان بالصبر، كما قد يكون الغنى امتحاناً يُسأل عنه في موارد الإنفاق والشكر؛ ولذلك فلا هذا بذاته موجبٌ للرفعة، ولا ذاك سببٌ للضعة، كما هو واضحٌ.

إذا بان هذا فلنا وقفاتٌ ثلاثةٌ، نذكرها في أمورٍ:

الأمر الأوَّل: إنَّ القول بأنَّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان فقيراً لا يملك شيئاً من المال، ليس دقيقاً ولا يُعبّر عن حقيقة هذا الأمر؛ وذلك لوجود رواياتٍ كثيرةٍ تثبت أنَّه (عليه السلام) كان كثير المال، نذكر منها:

1ـ ما رواه عمر بن شبَّة النميريّ عن ابن أبي يحيى قال: «اشترى عليٌّ (رضي الله عنه) إليها قطعةً، وحفر بها عبيناً، ثمَّ تصدَّق بها على الفقراء والمساكين وابن السبيل، القريب والبعيد، في الحياة والسلم والحرب، ثمَّ قال: صدقةٌ لا توهب ولا تورث، حتَّى يرثها الله الذي يرث الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين .... قال: وكانت أموال عليٍّ (رضي الله عنه) عيوناً متفرقةً بينبع، منها عينٌ يقال لها: «عين البحير»، وعينٌ يقال لها: «عين أبي نيزر»، وعينٌ يقال لها: «عين نولا»، وهي اليوم تدعى العدر، وهي التي يقال لها: إنَّ علياً (رضي الله عنه) عمل فيها بيده» [تاريخ المدينة ج1 ص221].

2ـ وكذلك ما رواه عنه أنَّه قال: «عمل عليٌّ (رضي الله عنه) أيضاً بينبع «البغيبغات» وهي عيونٌ منها: عينٌ يقال لها «خيف الأراك» ومنها عينٌ يقال لها: «خيف ليلى» ومنها يقال لها: «خيف بسطاس» فيها خليجٌ من النخل مع العين. وكانت البغيبغات ممّا عمل عليٌّ (رضي الله عنه) وتصدَّق به، فلم تزل في صدقاته حتَّى أعطاها حُسين بن علي بن عبدَ الله ابن جعفر بن أبي طالب» [تاريخ المدينة ج1 ص222].

3ـ وروى إبراهيم بن محمَّد الثقفيّ الكوفيّ عن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب قال: «عتق عليٌّ (عليه السلام) ألف أهل بيتٍ بما مجَلت يداه، وعرق جبينه» [الغارات ج1 ص ٩١].

4ـ وروى الشيخ الكلينيّ بسنده عن الفضل بن أبي قرة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «كان أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) يضرب بالمَرِّ ويستخرج الأرضين، وكان رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يمصُّ النوى بفيه ويغرسه فيطلع من ساعته، وإنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أعتق ألف مملوكٍ من ماله وكدّ يده» [الكافي ج5 ص74].

5ـ وروى أيضاً بسنده عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) وفيه قوله عن جدِّه أمير المؤمنين (عليه السلام): «والله، لقد أعتق ألف مملوكٍ لوجه الله (عزَّ وجلَّ) دَبِرَت فيهم يداه» [الكافي ج8 ص164].

6ـ وجاء في شرح النهج: «قد علم كلُّ أحدٍ أنَّ علياً (عليه السلام) استخرج عيوناً بكدّ يده بالمدينة وينبع وسويعة، وأحيا بها مواتاً كثيراً، ثمَّ أخرجها عن ملكه وتصدَّق بها على المسلمين، ولم يمت وشيءٌ منها في ملكه .... وفضلهم أمير المؤمنين (عليه السلام) بأنَّه كان يعمل بيده، ويحرث الأرض، ويستقى الماء، ويغرس النخل، كلُّ ذلك يباشره بنفسه الشريفة، ولم يستبقِ منه لوقته ولا لعقبه، قليلاً ولا كثيراً، وإنَّما كان صدقةً» [شرح نهج البلاغة للمعتزليّ ج15 ص146].

إلى غيرها من الروايات الدالَّة كثرة الصدقات التي كان يتصدَّق بها، ممّا يدلُّ على أنَّ ما نُسب إليه (عليه السلام) من وصف الفقر لم يكن ناشئاً عن عدم امتلاك المال، بل كان نتيجة بذله وإنفاقه في وجوه الخير ومواساة المحتاجين.

وممّا تقدّم، بانَ لك أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يكن مُعْدماً لا مال عنده كما صوّره ويصوّره خصومه، بل كان ذا مالٍ وفيرٍ وضياعٍ، وإنَّما السبب الرئيس وراء عدم بقاء ذلك المال بيده الشريفة هو أنَّه كان كثير الإنفاق في سبيل الله تعالى، مواسياً للفقراء والمساكين وأهل الحاجات، كما لا يخفى على المنصِف.

الأمر الثاني: إنَّ الزعم بأنَّ أمير المؤمنين عليَّ بن أبي طالب (عليه السلام) كان بطَّالاً ولا يعمل هو محض افتراءٍ لا أساس له، إذِ الثابت من سيرته (عليه السلام) شدَّة انهماكه في العمل حتَّى مجَلت يداه وابتلَّ جبينه عرقاً.

وقد شهدت بذلك الروايات المذكورة في الأمر الأوَّل، كما لا يخفى، ونزيدها ما رواه السيّد ابن طاووس عن كتاب (المناقب) للحافظ أحمد بن مردويه بسنده عن أبي عيلان قال: حدَّثني أبو سعيدٍ ـ وهو رجلٌ ممَّن شهد صفِّين ـ قال: حدَّثني سالم المنتوف مولى عليٍّ قال: «كنت مع عليٍّ (عليه السلام) في أرضٍ له وهو يحرثها، حتَّى جاء أبو بكر وعمر فقالا: سلامٌ عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. فقيل: كنتم تقولون في حياة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)؟ فقال عمر: هو أمرنا بذلك» [اليقين ص١٣٣].

الأمر الثالث: وأمَّا زعمه الآخر أنَّ الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) كانت تكره الزواج بأمير المؤمنين (عليه السلام) لفقره، فهو من الأخبار الموضوعة والمكذوبة؛ لكونه ينافي سيرة الزهراء وزهدها في الدنيا، كما هو بيِّنٌ. وللمزيد عن ذلك يُنظر كتاب [الصحيح من سيرة الإمام عليّ (ع) ج3 ص30].

والصحيح في هذا المجال هو أنَّ جمعاً من نساء قريشٍ قلن للزهراء (عليها السلام) - وليست هي من قالت ذلك، ولذلك أضجرها قولهنَّ هذا - إنَّ أباك قد زوَّجك من رجلٍ فقيرٍ لا مال، وقد ردَّ (صلَّى الله عليه وآله) على ذلك، تارةً بأنَّ الله تعالى هو من زوَّجكما. وأُخرى بأنَّ علياً (عليه السلام) لم يكن فقيراً كما يدَّعون، ممّا يدلُّ على بطلان هذه الدعوى، كما لا يخفى. ننقل بعض الروايات في هذا المجال:

1ـ روى أبو القاسم البستيّ المعتزليّ، وفيه: «أنَّه لما وقع التزويج بين فاطمة وبين عليٍّ، دخلت فاطمة على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وهي باكيةٌ، فقال لها: لم تبكين، لا بكت عيناك؟ فقالت: عيَّرتني نساء قريشٍ وقلن: أبوك قد زوَّجك من أنزع بطين، مصفار، كبير الرأس، دقيق الساقين، فقير، فأضجرتني أقاويلهنَّ. فقال لها رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): أما ترضين أنَّ الله تعالى نظر إلى الخلق نظر الرحمة، فاختار منهم رجلاً جعله أباك، ثمَّ نظر ثانياً نظر الرحمة، فاختار آخر، فجعله زوجك» [المراتب ص90].

2ـ وروى الشيخ حسين بن عبد الوهاب، وفيه: «أنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قال: أوحى الله إليَّ: أني زوَّجتُ علياً فاطمة تحت شجرة طوبى، فزوِّجه إياها، فزوَّجتُ علياً فاطمة بأمر الله تعالى. وحدَّث الغلابيّ يرفع الحديث برجاله إلى أبي ذرٍّ قال: دخلت فاطمة على النبيّ وقالت: تُعيِّرني نساء قريشٍ أنَّ أباك زوَّجك من عليٍّ، وهو فقيرٌ. فتبسم (صلَّى الله عليه وآله) وقال: والله لقد خاطبك مني أشراف قريشٍ فما أجبتهم إلى ذلك توقفاً لخبر السماء» [عيون المعجزات ص٤٨].

3ـ وروى الموفَّق الخوارزميّ، وفيه: «قال (صلَّى الله عليه وآله): كيف أنت يا بنية، وكيف رأيت زوجك؟ قالت: يا أبتِ، خير زوجٍ، إلَّا أنَّه دخل عليَّ نساء قريشٍ وقلن لي: زوَّجك رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) من رجلٍ فقيرٍ لا مال له. فقال لها رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): ما أبوك بفقيرٍ ولا بعلك بفقيرٍ، ولقد عرضت عليَّ خزائن الأرض من الذهب والفضة فاخترتُ ما عند ربي (عزَّ وجلَّ)» [المناقب ص ٣٥٣].

إلى غيرها من الروايات الدالَّة على أنَّ وصف الفقر ليس من قبل الزهراء (عليها السلام) وإنَّما من بعض نساء قريشٍ، كما لا يخفى.

والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، أنَّ ما ورد في كلام السائل من دعوى كون أمير المؤمنين (عليه السلام) فقيراً لا يملك مالاً، وأنَّه كان بطَّالاً لا عمل له، وأنَّ السيدة الزهراء (عليها السلام) كانت تبكي بسبب ذلك، من الأباطيل التي منشؤها الحسد والضغينة، كما هو واضحٌ.. والحمد لله ربِّ العالمين.