نفاق الصحابة ونشرهم للإسلام
السؤال: يقولون إنّ أبا بكر وعمر قد فتحا البلاد طمعاً في الغنائم باسم الإسلام، فالسؤال: إذا كان الصحابة كفاراً، وأهل العراق والشام نصارى ومجوس، فلماذا النفاق؟ الآن هم يعتبرون الصحابة منافقين كفاراً يظهرون الكفر ويبطنون الإسلام، وأهل العراق وفارس وهذه المناطق هم من الفرس الكفار المجوس، والشام فيها النصارى من الروم، فلماذا الصحابة يبطنون الكفر وقتها؟! يعني المنافق يبطن الكفر لوجود قوة للمؤمنين؟ فبحسب اعتقاد الشيعة لم يكن في الأرض مؤمن إلَّا عليٌّ، والسبعة الأشخاص الذين بايعوه، ومعهم فاطمة والحسن والحسين، فلماذا الصحابة وقتها أخفوا كفرهم وأظهروا الإسلام بل ونشروه في أصقاع الأرض؟!
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
هذا الإشكال يرجع في حقيقته إلى ثلاثة أسئلة:
أولاً: هل تعتقد الشيعة أن جميع الصحابة – باستثناء قلة – كانوا كفاراً ومنافقين؟
ثانياً: لماذا هؤلاء المنافقون نشروا الإسلام؟
ثالثاً: لماذا لم يُظهروا نفاقهم؟ هل كانوا يخافون من سبعة أشخاص؟
والجواب عن السؤال الأول:
إنّ رأي الشيعة في الصحابة هو أوسط الآراء؛ فلا هم يقولون بعدالة جميع الصحابة على نحو الإطلاق مهما صدر منهم، ولا يقولون بكفر الجميع إلا نفرٍ قليل، بل يعتقدون أنّ الصحابة كسائر البشر فيهم المؤمن المخلص، وفيهم المنافق، وفيهم من دخل الإسلام عن قناعة، وفيهم من دخله طمعاً أو لأغراض دنيويّة، وفيهم من ثبت على العهد، وفيهم من خالف بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، فهم طبقات ومراتب وليسوا على درجة واحدة، ومن هنا فما يُنسب إلى الشيعة من القول بأنّ «الصحابة كلهم كفار إلا سبعة» أو نحو ذلك، هو من البهتان والتشويه الذي لا يعبّر عن حقيقة الموقف الإماميّ.
فعليه، فالرؤية الإماميّة ترى أنّهم كانوا طبقات مختلفة؛ فمنهم المؤمن المخلص الثابت، ومنهم من آمن بالله ورسوله (صلى الله عليه وآله) إيماناً حقيقياً، ومنهم من دخل الإسلام نفاقاً أو طمعاً في الجاه أو السلطة أو الخلافة ونحو ذلك، ثم ظهر ما كان كامناً بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) في مسألة الإمامة والولاية، ومن هنا ورد في بعض الروايات التعبير بـ«الارتداد»، والمقصود به – عند كثير من علماء الإماميّة – الارتداد عن الولاية والطاعة في أمر الإمامة، لا الرجوع إلى عبادة الأصنام أو الكفر الفقهيّ المخرج عن الإسلام.
ومع ذلك، فهذه الروايات لا تتحدث عن جميع الصحابة، بل عن بعضهم؛ إذ إنّ المصادر التاريخيّة تنقل أنّ جماعةً من الصحابة اعترضوا على ما جرى في السقيفة، وتمسكوا بموقفهم إلى جانب أمير المؤمنين عليه السلام، فقد روى ابن قتيبة والطبري أنّ جماعةً من بني هاشم وغيرهم تحصّنوا في بيت عليّ عليه السلام اعتراضاً على ما آلت إليه الأمور، كما ذُكر من هؤلاء: خالد بن سعيد بن العاص، والمقداد بن الأسود، وأُبيّ بن كعب، وعمّار بن ياسر، وأبو ذر الغفاريّ، وسلمان الفارسيّ، وعبد الله بن مسعود، وبريدة الأسلمي، وخزيمة بن ثابت، وسهل بن حنيف، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو الهيثم بن التيهان وغيرهم [ينظر: تاريخ الطبري ج2 ص442، الإمامة والسياسة ج1 ص10-12].
فالثابت – بحسب الرؤية الإماميّة – أنّه وقع بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله) انقلاب سياسيّ عسكريّ وعقديّ من بعض الصحابة الذين آمنوا نفاقاً وطمعاً منذ البداية، لا من جميعهم، وأنّ الناس لم يكونوا على موقفٍ واحد. وعليه يسقط أصل هذا الإشكال من أساسه؛ لأنه مبنيّ على افتراض أنّ الشيعة يكفّرون جميع الصحابة، ثم يسأل: لماذا نشر هؤلاء الإسلام؟ بينما الشيعة لا يقولون بذلك ابتداءً، كما أنّ دعوى أنّ «النفاق لم يظهر منهم» غير صحيحة أيضاً؛ لأنّ النزاع في أمر السقيفة ومخالفة بيعة الغدير هو بنفسه مظهرٌ من مظاهر ذلك النفاق الذي تتحدث عنه هذه الروايات [للمزيد ينظر: بحوث في الملل والنحل للشيخ جعفر السبحاني].
والجواب عن السؤال الثاني:
فالقول بأنهم نشروا الإسلام قولٌ غير دقيق؛ إذ ما حصل بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) كان فتوحاتٍ عسكرية توسعية سادها القتل والسبي والغنائم – إلا في موارد خاصة – وليس دعوةً رحيمةً إلى الدين بالحكمة والموعظة الحسنة. لم يكن هدفها الأساس إيصال نور الإسلام إلى الشعوب، بل تحقيق المكاسب الدنيوية والسيطرة السياسية تحت غطاء الإسلام، فهل يُعقل أن يُقال إنّ الإسلام انتشر بسبب ما فعله خالد بن الوليد – مثلاً – من مجازر مروعة بعد الانتصار، حيث أمر بقتل الأسرى في أُلَّيْس عند الفرات وجعل الدماء تجري كالأنهار، حتى اشتهر المكان باسم (نهر الدم)، ويقال: إنّ عدد القتلى في تلك الوقعة بلغ سبعين ألفاً؟! [ينظر: تاريخ الطبري ج3 ص358، الكامل في التاريخ ج2 ص388]. وغيرها من الوقائع التي تظهر في مراجعة التاريخ، ولا يمكن أن تكون أفعال كهذه – مهما كانت مبرراتها عند البعض – وسيلةً لنشر دينٍ إلهيٍّ يقوم على الرحمة والعدل، وهذا الجانب وحده يحتاج إلى مقالٍ مستقل يُفصّل فيه مدى مطابقة تلك الوقائع لتعاليم الإسلام الأصيلة، لسنا هنا في صدده.
فإنّ انتشار الإسلام الحقيقي حصل بفضل جوهر هذا الدين العظيم وتعاليمه النقية التي جاء بها النبي (صلى الله عليه وآله)، والسيرة العملية المشرقة لأهل البيت عليهم السلام، لا بفضل من حملوا سيوفهم باسمه، وقد رأينا ذلك في بلادٍ لم يدخلها جيش، كإندونيسيا وماليزيا، حيث دخل الناس في دين الله أفواجاً بسبب عدالة الشريعة لا بسبب الغزو والسلاح، فهذه مغالطة من نوع المصادرة على المطلوب وقع فيها المستشكل؛ إذ افترض ابتداءً أنّ أولئك قد نشروا الإسلام، مع أنّ هذا هو موضع النزاع نفسه، فلا يصح جعله مقدّمة في الاستدلال.
والجواب عن السؤال الثالث:
فنقول: إنّ تمسّك أولئك بالإسلام الشكليّ لم يكن عن خوفٍ من المؤمنين، بل لأنهم وجدوا في الإسلام وسيلةً مثالية لتحقيق أطماعهم في الحكم والسلطة، فتمسّكوا بظاهره ليحكموا باسمه، لا إيماناً بجوهره.
ومن هنا فإنّ عدم إظهارهم للكفر الأول لا يدل على الإيمان، بل على استثمارهم للإسلام كغطاءٍ لمآربهم الدنيوية، وتحقيقهم لمقاصدهم، من دون أن يُظهروا مخالفة صريحة قد تُفجّر الرأي العام ضدهم، لقد تحققت أهدافهم، وأُقصي أهل البيت عن الساحة، وتحكموا في مقاليد الحكم، فماذا يريد المنافق أكثر من ذلك؟
فقد تغيّرت معادلات المجتمع الإسلاميّ بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله)، فلم يكن أحدٌ ليجرؤ على الدعوة إلى الجاهلية الأولى أو الجهر بترك الإسلام، وإن كان قلبه يضمر غير ذلك، من هنا نرى أنّ حتى حكّاماً مثل يزيد – الذي كان يجاهر بشرب الخمر وانتهاك الأحكام – لم يجد بداً من التظاهر بالإسلام، وادعاء خلافة النبي (صلى الله عليه وآله)، حفاظاً على صورته أمام الجمهور، رغم أنّ أفعاله كانت تناقض أبسط تعاليم الدين، فهذا هو السبب في عدم إظهارهم الكفر.
والحمد لله ربّ العالمين.
اترك تعليق