كيف يؤسس الأئمة (ع) علم الأصول وهم لا يحتاجونه؟

السؤال: يقول بعض العلماء: إنّ من العلوم التي فَتَق أبوابها الإمام الباقر علم الأصول، وهو من أجلّ العلوم الإسلامية بعد علم الفقه؛ لأنّ الاجتهاد يتوقف عليه، فإنّه لا يكون المجتهد قد حصل على ملكة الاجتهاد حتى يجتهد في بحوث هذا العلم. وقد اتفق البُحّاث والعلماء على أنَّ الإمام أبا جعفر هو أسبق من أسّس هذا العلم وأرسى قواعده [موسوعة سيرة أهل البيت للقرشي 17: 238]. كيف أسّس الأئمّة علم الأصول وهم لا يحتاجونه، وعلمهم كله وراثة عن الرسول صلى الله عليه وآله؟

: الشيخ أمير الخزاعي

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

إنّ الإجابة عن هذا السؤال تتوقّف على فهم أمرين أساسيّين:

الأمر الأوّل: هو الفهم الدقيق لمقام المعصوم (عليه السلام)، فإنّ وظيفة الإمام لا تقتصر على تبليغ الأحكام، بل تتمثّل في حفظ الدين من التحريف والتشويه، وصيانة معالم الشريعة وهداية الناس إلى الصراط المستقيم، ومن أهمّ ما يجب حفظه من أمور الدين هو الفقه؛ لأنّ الفقه يمثّل الأساس الذي يقوم عليه السلوك العملي للمسلم، فلا بدّ من المحافظة عليه وصيانته من الانحراف، وضمان استنباط الأحكام الشرعيّة الصحيحة وفق الأسس المقرّرة.

الأمر الثاني: أنّ العالم الإسلاميّ شهد بعد عصر النبوّة توسّعاً كبيراً؛ فُتحت فيه بلادٌ جديدة، ودخل الإسلامَ أقوامٌ من قبائل ودول بعيدة عن المدينة وسائر الحواضر الإسلاميّة، ومع هذا الاتّساع الحضاريّ، تطوّرت العلوم الإسلاميّة، ومن جملتها علم الفقه الذي يُعدّ من أوائل العلوم التي تأسّست في صدر الإسلام؛ إذ هو العلم الذي يجسّد الإيمان العملي للمسلمين، وقد انتشر هذا العلم بسرعة بين المسلمين، غير أنّه لم يَسلم من الانحراف والاضطراب في بعض مباحثه ومناهجه.

ومن جهةٍ أخرى، فإنّ الظروف الاجتماعيّة والجغرافيّة في ذلك العصر لم تكن تُمكّن جميع المسلمين من الرجوع المباشر إلى الإمام عليه السلام، إذ كان كثيرٌ من أصحابه منتشرِين في مناطق نائية كخراسان وسائر الأقاليم البعيدة عن مركز الإمامة، وقد كان هؤلاء يواجهون مشكلات عمليّة متعدّدة، منها أنّهم كانوا يتلقّون روايات وأخباراً من رواةٍ مختلفين، قد يتعارض بعضها مع بعضٍ آخر، كما أنّهم كانوا كثيراً ما يُعرض لهم مسائل جديدة ومستحدثة لم يُنقل فيها نصٌّ صريح عن الإمام، ولم يكن الوصول إليه ممكناً للسؤال والاستيضاح.

ثمّ إنّ الإمام (عليه السلام)، بوصفه هادياً للأمّة، لم يكن دوره محصوراً في زمن حضوره المادّي، بل كانت هدايته ممتدّة على مرّ العصور، فالإمامة ليست مجرّد حضورٍ جسديّ، بل هي استمرارٌ للوظيفة الإلهيّة في حفظ الدين وصيانة الشريعة من الانحراف، ومن ثمّ كان لزاماً أن يُراعى حال الشيعة في زمن الغيبة، حتى لا يذهب الدين إلى الاضمحلال أو يُطمس أثره بمرور الزمن.

ومن أجل معالجة هذه الأزمات المعرفيّة والعمليّة، وانطلاقاً من هذا الواقع، تصدّى أهل البيت عليهم السلام لمعالجة تلك الانحرافات، فوضعوا الأسس الفكريّة والمنهجيّة لعلم أصول الفقه، ليكون ميزاناً دقيقاً لاستنباط الأحكام الشرعيّة على نحوٍ صحيحٍ ومنهجيّ، وقد أرادوا من خلال ذلك أن يجعلوا للفتوى الفقهيّة إطاراً علميّاً منضبطاً، يضمن سلامة الفهم والاجتهاد، ويمنع من التسرّع أو الخطأ في استنباط الحكم الشرعيّ.

ومن الشواهد على ذلك:

ما ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) في حقّ أبان بن تغلب، حيث قال له: «اجلس في مسجد المدينة وأفتِ الناس، فإنّي أحبّ أن يُرى في شيعتي مثلك» [رجال النجاشيّ ص10].

وذلك أنّ الأئمّة (عليهم السلام) كان لهم مجلسٌ تعليميٌّ لخاصّة أصحابهم، يعلّمونهم كيفيّة الاستنباط.

ومن نماذج ذلك: ما ورد عن زرارة بن أعين قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ألا تخبرني من أين علمت وقلت: إنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟ فضحك ثمّ قال: .. {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} فعرفنا حين قال: {بِرُءُوسِكُمْ} أنّ المسح ببعض الرأس؛ لمكان الباء..» [الكافي ج3 ص30]، فيُلاحظ أنّ زرارة لا يسأل عن الحكم وإنّما يسأل عن مدرك الحكم، فيجيبه الإمام بأنّ الحكم يُستفاد من القرآن الكريم بالتقريب المذكور. [وللمزيد من البحث يُنظر الإجابة السابقة في مركزنا بعنوان: علم الأصول عند الشيعة].

فوضع أهل البيت (عليهم السلام) قواعدَ كلّيّةً وأصولاً عامّةً تجري في كلّ عصر، وتمكّن العلماء من استنباط الأحكام الشرعيّة وترجيح الروايات المتعارضة من غير حاجةٍ إلى الرجوع المباشر إليهم في كلّ واقعة، فبهذه الأصول أصبح الفقه الإسلاميّ الإماميّ علماً منضبطاً يمكن أن يستمرّ في عطائه حتّى بعد غيبة الإمام، وتُحفظ به الشريعة من الاضمحلال أو الانقطاع، وتبقى قادرةً على مواكبة تطوّر الوقائع والأزمنة، محافظةً على روحها الأصيلة ومقاصدها الإلهيّة.