هل كان الحسين (ع) خائفاً عند خروجه من المدينة؟

السؤال: ذكر بعض العلماء أنَّ الحسين (عليه السلام) لم يكن خائفاً حين خرج من المدينة، وأنَّ بيت الشعر الذي يقول: (خرج الحسين من المدينة خائفاً * كخروج موسى خائفاً يترقَّب) خطأ، فما هو تعليقكم على ذلك؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

يُشير السائل إلى قصَّة خروج الإمام الحسين (عليه السلام) من المدينة المنوَّرة إلى مكَّة المكرَّمة، وقد استشهد (عليه السلام) بقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: 20ـ21]. وقد صاغ الشاعر هذا المعنى بشِعْره المتقدِّم.

روى الشيخ المفيد، وفيه: «فخرج (عليه السلام) من تحت ليلته ـ وهي ليلة الأحد ليومين بقيا من رجب ـ متوجِّهاً نحو مكَّة ومعه بنوه وإخوته وبنو أخيه وجل أهل بيته إلَّا محمَّد بن الحنفية (رضوان الله عليه)، فإنه لما عَلِم عزمه على الخروج عن المدينة لم يدر أين يتوجَّه، فقال له: يا أخي، أنت أحب الناس إليَّ وأعزَّهم عليَّ ولستُ أدَّخر النصيحة لأحدٍ من الخلق إلَّا لك وأنت أحق بها، تنح ببيعتك عن يزيد بن معاوية وعن الأمصار ما استطعت، ثمَّ ابعث رسلك إلى الناس فادعهم إلى نفسك، فإنْ تابعك الناس وبايعوا لك حمدت الله على ذلك، وإنْ أجمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك، ولا تذهب به مروءتك ولا فضلك، إنّي أخاف أنْ تدخل مصراً من هذه الأمصار فيختلف الناس بينهم، فمنهم طائفة معك وأخرى عليك، فيقتتلون فتكون أنت لأوَّل الأسنة، فإذا خير هذه الأمَّة كلها نفساً وأباً وأماً أضيعها دماً وأذلها أهلاً... إلى قوله: فسار الحسين (عليه السلام) إلى مكَّة وهو يقرأ: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: 21]. ولزم الطريق الأعظم، فقال له أهل بيته: لو تنكَّبت الطريق الأعظم كما صنع ابن الزبير، لئلَّا يلحقك الطلب، فقال: لا والله لا أفارقه حتَّى يقضي الله ما هو قاض» [الإرشاد ج2 ص34، مقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص273، وغيرهما].

إذا بان هذا، فنقول:

إنَّ خوف الإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن بمعنى الجُبن والهلع المذمومين جزماً، وإلَّا لما لزم الطريق الأعظم، ولتنكَّب الطريق كما صنع عبد الله بن الزبير، فضلاً عمَّا هو معلوم من أنه (عليه السلام) كان عازماً على الشهادة والقتل في سبيل الله من أوَّل الأمر، مما يُشير إلى أنَّ الخوف المذكور كان لبعض المعاني السامية والنبيلة المناسبة لحجم الإمام (عليه السلام) وحجم نهضته المباركة، كما هو واضح.

معنى الخوف:

إنَّ خوف الإمام الحسين (عليه السلام) المشار إليه كان خوفاً على دين جدِّه (صلَّى الله عليه وآله)، وعلى مشروعه الإصلاحيّ ونهضته المباركة من الإجهاض وعدم ترتُّب الأثر المقصود منها فيما لو قُتل في هذه الأثناء، فإنَّ الخوف في هذه الحالة أمرٌ حَسَنٌ، لكونه يرجع إلى هدف عظيم، وهو حفظ الدين من الضياع والزيغ.

وبعبارة أُخرى: إنَّ خوفه (عليه السلام) كان بمعنى «الحذر» على مشروعه الذي خطَّط له مسبقاً، وهو ما صرَّح به في وصيته لأخيه محمَّد بن الحنفية من إرادة الإصلاح في أمَّة جدِّه (صلَّى الله عليه وآله)، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسير بسيرة جدِّه وأبيه. وهذا المعنى من الخوف راجحٌ ومقبول.

والشاهد على مشروعية خوفه هذا، هو علمه (عليه السلام) بإرادة قتله من قبل الحزب الأموي وإجهاض نهضته المباركة، خصوصاً بعد علمهم برفض الإمام الحسين لبيعة الطاغية يزيد بن معاوية.

1ـ فقد روى اليعقوبيُّ، وفيه: «فكتب إليه عبد الله بن عبَّاس: من عبد الله بن عبَّاس إلى يزيد بن معاوية... إلى قوله: وما أنسَ من الأشياء، فلستُ بناسٍ اطرادك الحسين بن علي من حرم رسول الله إلى حرم الله، ودسَّك إليه الرجال تغتاله، فأشخصته من حرم الله إلى الكوفة، فخرج منها خائفاً يترقَّب، وقد كان أعز أهل البطحاء بالبطحاء قديماً، وأعز أهلها بها حديثاً، وأطوع أهل الحرمين بالحرمين لو تبوَّأ بها مقاماً واستحل بها قتالاً، ولكن كره أنْ يكون هو الذي يستحل حرمة البيت وحرمة رسول الله، فأكبر من ذلك ما لم تكبر، حيث دسست إليه الرجال فيها ليقاتل في الحرم» [تاريخ اليعقوبي ج2 ص248].

2ـ وروى أحمد بن أعثم الكوفيّ، وفيه: «فعندها كتب الوليد إلى يزيد بن معاوية يخبره بما كان من أهل المدينة، وما كان من ابن الزبير وأمر السجن، ثمَّ ذكر له بعد ذلك أمر الحسين بن علي أنه ليس يرى لنا عليه طاعة ولا بيعة. قال: فلما ورد الكتاب على يزيد غضب لذلك غضباً شديداً، وكان إذا غضب انقلبت عيناه فعاد أحول، قال: فكتب إلى الوليد بن عتبة: من عبد الله يزيد أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة، أمَّا بعد، فإذا ورد عليك كتابي هذا فخذ البيعة ثانياً على أهل المدينة بتوكيد منك عليهم، وذر عبد الله بن الزبير، فإنه لن يفوتنا ولن ينجو منَّا أبداً ما دام حياً، وليكن مع جوابك إليَّ رأس الحسين بن علي، فإنْ فعلت ذلك فقد جعلتُ لك أعنَّة الخيل، ولك عندي الجائزة والحظ الأوفر، والنعمة واحدة والسلام» [الفتوح ج5 ص17].

فتبيَّن مما مضى أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) كان «قد خرج من المدينة خشية الاغتيال خوفاً على نفسه الشريفة، وخوفاً من أنْ تهتك حرمة حرم رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بقتله غيلة أو في مواجهة مسلَّحة. لكنَّ الصحيح في العمق ـ أيضاً ـ أنَّ هذا الخوف كان يقع ضمن إطار خوفٍ أكبر، وهو خوفه (عليه السلام) من أنْ تخنق ثورته المقدَّسة قبل اشتعالها بقتله غيلة في المدينة في ظروف زمانية ومكانية وملابسات مفتعلة يقوم بإعدادها وإخراجها الأمويون أنفسهم، يستطيعون من خلالها الاستفادة حتَّى من حادثة قتله لصالحهم إعلامياً، فتبقى مأساة الإسلام على ما هي عليه، بل تترسَّخ المصيبة وتشتد. لذا كان الإمام (عليه السلام) حريصاً على أنْ يتحقَّق مصرعه ـ الذي كان لابدَّ منه ما لم يبايع ـ في ظروف زمانية ومكانية يختارها هو (عليه السلام)، لا يتمكَّن العدو فيها أنْ يعتِّم على مصرعه، أو أنْ يستفيد من واقعة قتله لصالحه، فتختنق الأهداف المنشودة من وراء هذا المصرع الذي أراد منه (عليه السلام) أنْ تهتز أعماق وجدان الأمَّة، لتتحرَّك بالاتجاه الصحيح الذي أراده (عليه السلام) لها. فكان خروجه (عليه السلام) من المدينة ـ وكذلك من مكَّة ـ في الأصل انفلاتاً بالثورة المقدَّسة من طوق الحصار والتعتيم الأموي، إضافة إلى خوفه (عليه السلام) من أنْ تهتك حرمة أحد الحرمين الشريفين بقتله» [يُنظر: مع الركب الحسيني ج1 ص376].

والنتيجة النهائيَّة من جميع ذلك، أنَّ خوف الإمام الحسين (عليه السلام) كان خوفاً على دين جدِّه (صلَّى الله عليه وآله وسلم)، وعلى مشروعه الإصلاحي ونهضته المباركة، وهو أمرٌ حَسَنٌ ومطلوب، كما تبيَّن تفصيله .. والحمد لله ربِّ العالمين.