هل يناقض خلق الإنسان من التراب خلقه من النطفة؟
السؤال: يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾، كيف خلقنا من ترابٍ ثمَّ انتقل إلى نطفةٍ مباشرةً، وكأنَّ هناك فاصلٌ زمنيٌّ بينهما؟ الإنسان جاء من عمليةٍ جنسيَّةٍ وتلقيحِ نطفةٍ بالبويضةِ ولا دور للترابِ في أيِ مرحلةٍ بالخلق؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
هذا الإشكال مبنيٌّ على استعجالٍ شديدٍ في فهم الآية الكريمة، وكأنَّ السائل يتصوّر أنَّ القرآن يقول: إنَّ الإنسان كان تراباً داخل الرحمِ، ثمَّ تحوَّل فجأةً إلى نطفةٍ! وهذا فهمٌ غريبٌ للنصِّ، بل هو تحميلٌ للآية ما لم تقلهُ.
الآية لا تقول: إنَّ الجنين في بطن أمه يمر بمرحلةٍ اسمها «التراب»، ثمَّ بعدها مباشرةً يدخل مرحلة «النطفة». وإنَّما تتحدّث عن أصل خلق الإنسان من جهةٍ، وعن مراحل تكوّنه القريب من جهةٍ أخرى. فهناك أصلٌ بعيدٌ هو التراب، وهناك سببٌ قريبٌ هو النطفة، ثمَّ العلقة، ثمَّ المضغة، ثمَّ تدرّج الجنين في الرحمِ.
وهذا المعنى واضحٌ جدّاً في آيةٍ أخرى تفسّر هذا التسلسلَ، وهي قوله تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ﴾ [السجدة: 7ـ8]. فبداية الخلقِ من طينٍ أو ترابٍ، وأمَّا استمرار النسلِ فبواسطة النطفة والماء المهين.
فعندما يقول القرآن: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍۢ﴾ [الحج: 5]، فليس المقصود أنَّ كلَّ فردٍ من الناس كان تراباً محسوساً في رحم أمّه، ثمَّ صار نطفةً، وإنَّما المقصود أنَّ الإنسان من حيث أصله ومادّته الأولى راجعٌ إلى الأرض، ومن حيث تكاثره وتناسله راجعٌ إلى النطفة، وهذا استعمالٌ عربيٌّ واضحٌ؛ لأنَّ الإنسان ينسب إلى أصله البعيدِ كما ينسب إلى سببه القريبِ.
ولذلك نقول عن الإنسانِ إنَّه «من الأرضِ»، مع أنَّه ولد من أبٍ وأمٍّ. ونقول إنَّه «من نطفةٍ»، مع أنَّه بعد ذلك صار عظماً ولحماً ودماً وعقلاً وشعوراً، ولا عاقلَ يفهم من هذه العباراتِ أنَّ هناك تناقضاً بين الأصل البعيد والمرحلة القريبة.
والسياق نفسه مهمٌّ جدّاً؛ لأنَّ الآية الكريمة لا تأتي أصلاً في درسٍ تفصيليٍّ عن علم الأجنة، وإنَّما تأتي في مقام الاحتجاج على مَن يشكّ في البعثِ. كأنَّ الآية تقول: أيَّها الإنسان، إنْ كنت تشكّ في الإعادة بعد الموت، فانظر إلى بدايتكَ؛ ألم تكن تراباً في أصل مادتكَ؟ ألم تكن نطفةً لا تملك لنفسها شيئاً؟ ألم تمرّ بأطوار ضعفٍ وتحوّلٍ حتى صرت إنساناً سويّاً؟ فالذي نقلكَ من التراب إلى الحياة، ومن النطفة إلى الإنسان، قادرٌ على أنْ يعيدكَ بعد الموتِ.
المشكلة أنَّ بعض الناسِ يريد من القرآنِ الكريم أنْ يتكلم بلغة كتابِ أحياءٍ حديثٍ، فإذا لم يستعملْ مصطلحات المختبر قال: هذا خطأٌ! وهذا منطقٌ ساذجٌ.
القرآن ليس كتاب تشريح، ولا كتاب مصطلحاتٍ طبيَّةٍ، وإنَّما كتاب هدايةٍ يستعمل الحقائق الكونيَّة والإنسانيَّة في بناءِ الوعي والإيمانِ. فإذا أشار إلى أصل الإنسان من التراب؛ فذلك لتذكيره بحقيقته الوجوديَّةِ والماديَّةِ، وإذا أشار إلى النطفةِ، فذلك لتذكيره بضعفِ بدايتهِ القريبةِ. وإذا أشار إلى العلقة والمضغة، فذلك ليكشف له تدرجَ الخلق وقدرة الخالقِ.
وفي المحصّلةِ، الاعتراض كلّه قائمٌ على تصوّرٍ بدائيٍّ للآيةِ: أين كان التراب أثناء العملية الجنسية؟
والجواب: التراب ليس طرفاً ثالثاً في عملية التلقيح حتّى نبحث عنه بجانب النطفة والبويضةِ! التراب هو أصل المادّة، والنطفة هي طريق التناسل، والعلقة والمضغة مراحل التكوين، ومَن يخلط بين هذه المستوياتِ يصنع إشكالاً من عندِ نفسه ثمَّ ينسبه إلى القرآنِ الكريم.
اترك تعليق