موقف الإمام الحسين (ع) من صلح أخيه الحسن (ع)
السؤال: ما هو موقف الإمام الحسين من صلح أخيه الإمام الحسن المجتبى (عليهما السلام)؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
في البداية لابدَّ أنْ يعلم السائل أنَّ ما صدر من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) في دار الدنيا كان وفق ما كتبه الله تعالى لهم وكلَّفهم به، فلكلِّ إمامٍ منهم دورٌ خاصٌّ ورسالةٌ معيَّنةٌ يؤدِّيها في ظرفه وزمانه؛ ولذلك لا يوجد أيُّ تنافٍ بين مواقفهم وأفعالهم، لأنَّ كلًّا منهم قد قام بما رسمه الله تعالى له من وظيفةٍ.
فالإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) هادن معاوية بن أبي سفيان امتثالاً لتكليفه الإلهيّ، والإمام الحسين (عليه السلام) نهض لقتال يزيد وفق ما كُلِّف به، وهكذا سائر أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، إذْ أدَّى كلُّ واحدٍ منهم دوره على أكمل وجهٍ وأتمِّه، كما هو مقرَّرٌ في جملةٍ من الروايات.
نعم، لا يعني ذلك القول بالجبر وسلب الاختيار، فإنَّ عقيدة الجبر باطلةٌ، وهي من أنواع الظلم، والله سبحانه وتعالى منزَّهٌ عن الظلم قطعاً، بل إنَّ أفعالهم (عليهم السلام) صدرت عن اختيارٍ تامٍّ وإرادةٍ كاملةٍ منهم، مع علمهم بما كتبه الله تعالى لهم، فكانوا ممتثلين لأمره سبحانه بإرادتهم واختيارهم، لا على وجه الإكراه والاضطرار، كما هو مقرَّرٌ في كتب العقيدة والكلام.
1ـ روى الصفَّار والكلينيُّ بسندٍ صحيحٍ إلى ضريس الكناسيّ، عن أبي جعفر (عليه السلام) - واللفظ للثاني -، وفيه: «فقال له حمران: جعلتُ فداك، أرأيت ما كان من أمر قيام عليِّ بن أبي طالبٍ والحسن والحسين (عليهم السلام) وخروجهم وقيامهم بدين الله (عزَّ ذكره)، وما أصيبوا من قتل الطواغيت إيَّاهم والظفر بهم حتَّى قتلوا وغلبوا؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): يا حمران، إنَّ الله (تبارك وتعالى) قد كان قدَّر ذلك عليهم وقضاه وأمضاه وحتمه على سبيل الاختيار ثمَّ أجراه، فبتقدُّم علمٍ إليهم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) قام عليٌّ والحسن والحسين (عليهم السلام)، وبعلمٍ صمت من صمت منَّا... وما كان ذلك الذي أصابهم يا حمران لذنبٍ اقترفوه، ولا لعقوبة معصيةٍ خالفوا الله فيها، ولكن لمنازل وكرامةٍ من الله، أراد أنْ يبلغوها، فلا تذهبنَّ بك المذاهب فيهم» [بصائر الدرجات ص١٤٤، الكافي ج١ ص٢٦١].
2ـ وروى الشيخ الكلينيُّ بسنده إلى أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) أنزل على نبيِّه (صلى الله عليه وآله) كتاباً قبل وفاته، فقال: يا محمَّد، هذه وصيَّتك إلى النجبة من أهلك، قال: وما النجبة يا جبرئيل؟ فقال: عليُّ بن أبي طالبٍ وولده (عليهم السلام)، وكان على الكتاب خواتيم من ذهبٍ، فدفعه النبيُّ (صلى الله عليه وآله) إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأمره أنْ يفكَّ خاتماً منه ويعمل بما فيه، ففكَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) خاتماً وعمل بما فيه، ثمَّ دفعه إلى ابنه الحسن (عليه السلام) ففكَّ خاتماً وعمل بما فيه، ثمَّ دفعه إلى الحسين (عليهما السلام)» [الكافي ج١ ص٢٨٠].
3ـ وروى أيضاً بسنده إلى معاذ بن كثيرٍ، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إنَّ الوصيَّة نزلت من السماء على محمَّدٍ كتاباً، لم ينزل على محمَّدٍ (صلى الله عليه وآله) كتابٌ مختومٌ إلَّا الوصيَّة... إلى قوله: وكان عليها خواتيم، قال: ففتح عليٌّ (عليه السلام) الخاتم الأوَّل ومضى لما فيها، ثمَّ فتح الحسن (عليه السلام) الخاتم الثاني ومضى لما أُمِر به فيها، فلمَّا توفِّي الحسن ومضى فتح الحسين (عليه السلام) الخاتم الثالث، فوجد فيها أنْ قاتل فاقتل وتُقتل، واخرج بأقوامٍ للشهادة، لا شهادة لهم إلَّا معك، قال: ففعل» [الكافي ج١ ص٢٧٩].
إلى غيرها من الروايات الواردة في هذا المعنى.
إذا بان هذا فنقول:
إنَّ الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) قد أبرم هدنةً مع الطاغية معاوية بن أبي سفيان، تحقيقاً لجملةٍ من المصالح والمنافع التي اقتضتها الظروف آنذاك، كما هو مبيَّنٌ في محلِّه. وقد كان موقف الإمام الحسين (عليه السلام) من هذا الصلح موقف الموافقة التامَّة والالتزام الكامل، إذْ سار وفق ما ارتآه أخوه الإمام الحسن (عليه السلام)، امتثالاً للتكليف الإلهيّ المقرَّر له، كما تقدَّم بيانه؛ ولذلك بقي الإمام الحسين (عليه السلام) ملتزماً بمقتضيات تلك الهدنة حتَّى هلاك معاوية وانقضاء مدَّتها، ويشهد لهذا الالتزام الحسينيُّ عددٌ من الشواهد أيضاً، نذكر منها ما يلي:
1ـ روى ابن قتيبة المتوفَّى عام (٢٧٦هـ)، فقال: «وكان أوَّل من لقي الحسن بن عليٍّ (رضي الله عنه)، فندمه على ما صنع، ودعاه إلى ردِّ الحرب حجر بن عديٍّ... إلى قوله: فخرج من عنده، ودخل على الحسين (رضي الله عنه) مع عبيدة بن عمرو، فقالا: أبا عبد الله، شريتم الذلَّ بالعزِّ، وقبلتم القليل، وتركتم الكثير، أطعنا اليوم، واعصنا الدهر. دع الحسن وما رأى من هذا الصلح، واجمع إليك شيعتك من أهل الكوفة وغيرها، وولِّني وصاحبي هذه المقدمة، فلا يشعر ابن هندٍ إلَّا ونحن نقارعه بالسيوف. فقال الحسين: إنَّا قد بايعنا وعاهدنا، ولا سبيل إلى نقض بيعتنا» [الأخبار الطوال ص٢٢٠].
2ـ وروى أيضاً، فقال: «وبلغ أهل الكوفة وفاة الحسن، فاجتمع عظماؤهم فكتبوا إلى الحسين (رضي الله عنه) يعزُّونه. وكتب إليه جعدة بن هبيرة بن أبي وهب، وكان أمحضهم حبّاً ومودَّةً: أمَّا بعد، فإنَّ من قبلنا من شيعتك متطلِّعةٌ أنفسهم إليك، لا يعدلون بك أحداً، وقد كانوا عرفوا رأي الحسن أخيك في دفع الحرب، وعرفوك باللين لأوليائك، والغلظة على أعدائك، والشدَّة في أمر الله، فإنْ كنت تحبُّ أنْ تطلب هذا الأمر فأقدم علينا، فقد وطَّنا أنفسنا على الموت معك. فكتب إليهم: أمَّا أخي فأرجو أنْ يكون الله قد وفَّقه وسدَّده فيما يأتي، وأمَّا أنا فليس رأيي اليوم ذلك، فألصقوا رحمكم الله بالأرض، واكمنوا في البيوت، واحترسوا من الظنَّة ما دام معاوية حيّاً، فلن يحدث الله به حدثاً وأنا حيٌّ، كتبتُ إليكم برأيي، والسلام» [الأخبار الطوال ص٢٢١].
3ـ وروى أيضاً، فقال: «رُوي عن عليِّ بن محمَّد بن بشيرٍ الهمدانيِّ، قال: خرجتُ أنا وسفيان بن ليلى حتَّى قدمنا على الحسن المدينة، فدخلنا عليه... فقلتُ: السلام عليك يا مذلَّ المؤمنين، قال: وعليك السلام، اجلس، لستُ مذلَّ المؤمنين، ولكنِّي معزُّهم، ما أردتُ بمصالحتي معاوية إلَّا أنْ أدفع عنكم القتل عندما رأيتُ من تباطؤ أصحابي عن الحرب، ونكولهم عن القتال، ووالله لئن سرنا إليه بالجبال والشجر ما كان بدٌّ من إفضاء هذا الأمر إليه. قال: ثمَّ خرجنا من عنده ودخلنا على الحسين، فأخبرناه بما ردَّ علينا، فقال: صدق أبو محمَّد، فليكن كلُّ رجلٍ منكم حلساً من إحلاس بيته، ما دام هذا الإنسان حيّاً» [الأخبار الطوال ص٢٢١].
4ـ وروى الكلينيُّ بسنده عن أبي الجارود، قال: سمعتُ أبا جعفرٍ (عليه السلام) يقول: «فرض الله (عزَّ وجلَّ) على العباد خمساً، أخذوا أربعاً وتركوا واحداً... إلى قوله: وإنَّ الحسين كان إذا حضر الحسن لم ينطق في ذلك المجلس حتَّى يقوم» [الكافي ج١ ص٢٩٠].
5ـ وروى ابن شهر آشوب عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: «ما تكلَّم الحسين بين يدي الحسن إعظاماً له، ولا تكلَّم محمَّد بن الحنفية بين يدي الحسين إعظاماً له» [مناقب آل أبي طالب ج٣ ص١٦٩].
6ـ وروى الشيخ عليُّ بن الحسن الطبرسيُّ عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: «ما مشى الحسين بين يدي الحسن (عليهما السلام) قطُّ، ولا بدره بمنطقٍ إذا اجتمعا تعظيماً له» [مشكاة الأنوار ص٢٩٥].
إلى غيرها من الروايات الدالَّة على عدم مخالفة الإمام الحسين لأخيه الحسن (عليهما السلام).
فتبيَّن من ذلك: أنَّ موقف الإمام الحسين (عليه السلام) من صلح أخيه الحسن (عليه السلام) هو الموافقة التامَّة والقبول الكامل.
بقي شيءٌ:
قد يُقال: بأنَّ هناك رواياتٍ تفيد اعتراض الإمام الحسين (عليه السلام) وعدم قبوله بالصلح.
من قبيل: ما رواه أحمد بن يحيى البلاذريُّ، وفيه: «لمَّا بلغ أهل الكوفة بيعة الحسن أطاعوه وأحبُّوه أشدَّ من حبِّهم لأبيه، واجتمع له خمسون ألفاً، فخرج بهم حتَّى أتى المدائن، وسرَّح بين يديه قيس بن سعد بن عبادة الأنصاريُّ في عشرين ألفاً، فنزل بمسكن، وأقبل معاوية من الشام في جيشٍ. ثمَّ إنَّ الحسن خلا بأخيه الحسين فقال له: يا هذا، إنِّي نظرتُ في أمري فوجدتني لا أصل إلى الأمر حتَّى تُقتل من أهل العراق والشام من لا أحبُّ أنْ أحتمل دمه، وقد رأيتُ أنْ أُسلِّم الأمر إلى معاوية، فأشاركه في إحسانه ويكون عليه إساءته. فقال الحسين: أنشدك الله أنْ تكون أوَّل من عاب أباك وطعن عليه ورغب عن أمره. فقال: إنِّي لا أرى ما تقول، ووالله لئن لم تتابعني لأسندتك في الحديد فلا تزال فيه حتَّى أفرغ من أمري. قال: فشأنك» [أنساب الأشراف ج٣ ص٥١].
فنقول: إنَّ هذه الرواية ـ وما يماثلها ـ لا يُمكن الالتزام بمضمونها، لمخالفتها لما نعتقده من عصمة الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام)، وأنَّ كلًّا منهما كان يعمل وفق التكليف الإلهيِّ الخاصِّ المقرَّر له، كما تقدَّم بيانه. يُضاف إلى ذلك أنَّ هذه الرواية تعارض ما تقدَّم من الأخبار الدالَّة على موافقة الإمام الحسين (عليه السلام) لأخيه الإمام الحسن (عليه السلام) والتزامه بما انتهى إليه من الصلح.
كما أنَّ مضمونها لا يُمكن القبول به أو التعويل عليه، لمخالفته لجملةٍ من الثوابت العقديَّة والتاريخيَّة التي نعتقد بها ونلتزم بمقتضاها، كما هو ظاهرٌ لمن كان على معرفةٍ بمقرَّرات مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).
من ذلك مثلاً، قوله في حقِّ معاوية: (فأشاركه في إحسانه)، المنافي لِما ثبت من نفي الإمام الحسن لصفة الخير عن معاوية أساساً.
فقد روى ابن شهر آشوب، وفيه: «قال معاوية للحسن بن عليٍّ: أنا أخير منك يا حسن. قال: وكيف ذاك يا ابن هند؟ قال: لأنَّ الناس قد أجمعوا عليَّ ولم يجمعوا عليك. قال: هيهات هيهات، لشرَّ ما علوت يا ابن آكلة الأكباد، المجتمعون عليك رجلان، بين مطيعٍ ومكرهٍ، فالطائع لك عاصٍ لله، والمكره معذورٌ بكتاب الله. وحاشى لله أنْ أقول أنا خيرٌ منك، فلا خير فيك، ولكنَّ الله برَّأني من الرذائل، كما برَّأك من الفضائل» [مناقب آل أبي طالب ج٣ ص١٨٦].
والنتيجة النهائيَّة من جميع ما تقدَّم، أنَّ موقف الإمام الحسين (عليه السلام) من صلح أخيه الحسن (عليه السلام) كان هو الموافقة التامَّة والقبول الكامل، كما بيَّنَّاه مفصَّلاً.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق