مثالب مروان بن الحكم الأموي

السؤال: يُعدُّ مروان بن الحكم من أكابر التابعين الذين دارت عليهم أسانيد الأحكام، وقد أخرج له الإمام البخاريّ في "صحيحه" واحتجَّ به أصحاب السنن ومالكٌ في "الموطأ"، فهو عند جَهابذة علم الرجال ثقةٌ في الرواية لا يُطعن في نقله. وقد كان فقيهاً متمكناً، بل قدَّم أهل المدينة فتاواه وأقضيته في مسائل مأثورة على مذهب ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما، وما شاع من مَثالب في حقّه إنَّما هو من قبيل التزييف الشيعيّ لنقض مرتبته الاعتبارية والتشويش على وثاقته الحديثيَّة.

: السيد أبو اَلحسن علي الموسوي

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم - أيَّدك الله - أنَّ مروان بن الحكم بن أبي العاص الأُمويّ، هو رابع ملوك بني أميَّة بدمشق، ولم تطل مدة ملكه إذ انقضت في دون السنة.

وهو من الشخصيات التي أثارت لغطاً تاريخيّاً واسعاً، وحامت حولها الشبهات والمطاعن.

وقد استفاضت المصادر التاريخيَّة ـ ولا سيَّما المعتبرة عند الجمهور ـ بذكر مثالبٍ جَمَّةٍ نُسبت إليه، تمحورت بصفةٍ أساسيَّةٍ حول تأجيجه نيران الفتنة، ومناصبته العداء لآل بيت النبوَّة (عليهم السلام)، ومواقفه السياسيَّة المثيرة للريبة.

واللافت في المقام أنَّ جُلَّ ما يستدلُّ به الإماميَّة في نقد شخصيته، إنَّما هو مستلٌّ ممَّا سطَّرته أقلام مؤرخي السنَّة في حقّه.

وفيما يأتي استعراضٌ لأبرز المثالب والمآخذ التاريخيَّة المسجَّلة عليه:

1ـ أنَّه الوزغ ابن الوزغ:

وصفه النبيّ (ص) بذلك، كما سطَّرته مصادر أهل السنَّة الأُمويَّة، فمن ذلك ما رواه نعيم بن حماد والحاكم بالإسناد إلى ميناء مولى عبد الرحمن بن عوف، عن عبد الرحمن بن عوف، قال: «كان لا يولد لأحدٍ مولودٌ إلَّا أُتي به النبيّ (ص)، فدعا له، فأُدخل عليه مروان بن الحكم، فقال: هو ‌الوزغ ‌بن ‌الوزغ ‌الملعون ابن الملعون» [الفتن ج1 ص131، المستدرك ج4 ص526].

2ـ إنَّه وأباه طريدا رسول الله (ص):

طرده النبيّ (صلى الله عليه وآله) من المدينة هو وأباه الحكم بن أبي العاص، ولم يرجع إلَّا في عهد عثمان بن عفان، إذ أرجعه إلى المدينة، فأنكر عليه الصحابة [ينظر: سير أعلام النبلاء ج3 ص477، البداية والنهاية ج8 ص284].

3ـ أنَّه من القردة الذين رآهم النبيّ (ص) ينزون على منبره:

روى ابن أبي حاتم بإسناده عن يعلى بن مرَّة، قال: «قال رسول الله (ص): أُريتُ بني أميَّة على منابر الأرض وسيتملَّكونكم، فتجدونهم أرباب سوء. واهتمَّ رسول الله (ص) لذلك، فأنزل الله: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ}» [تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص2336].

وروى أبو يعلى بالإسناد إلى أبي هريرة: «أنَّ رسول الله (ص) رأى في المنام كأنَّ بني الحكم ‌ينزون ‌على ‌منبره وينزلون، فأصبح كالمتغيظ، وقال: ما لي رأيتُ بني الحكم ينزون على منبري نزوَ القردة؟! قال: فما رُئي رسول الله (ص) مستجمعاً ضاحكاً بعد ذلك حتّى مات (ص)» [مسند أبي يعلى ج8 ص608].

وروى ابن أبي حاتم والكعبيّ البلخيّ والسمرقنديّ وابن عساكر بالإسناد إلى سعيد بن المسيَّب، قال: «رأى رسول الله (ص) بني أميَّة على المنابر فساءه ذلك، فأوحى الله إليه: إنَّما هي دنيا أُعطوها. فقرَّت عينه، وهي قوله: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ} يعني بلاءً للناس» [تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص2336، قبول الأخبار ج1 ص225، تفسير السمرقنديّ ج2 ص318، تاريخ دمشق ج57 ص341].

4ـ أنَّه من الشجرة الملعونة في القرآن:

روى الحسكانيّ وابن أبي الحديد عن المدائنيّ، قال: «ودخل سفيان بن أبي ليلى النهديّ عليه [أي: الإمام الحسن]، فقال: السلام عليك يا مذلَّ المؤمنين، فقال الحسن: اجلس يرحمك الله، إنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) رُفع له ملك بني أميَّة، فنظر إليهم يَعلُون منبره واحداً فواحداً، فشقَّ ذلك عليه، فأنزل الله تعالى في ذلك قرآناً، قال له: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ}» [شواهد التنزيل ج2 ص457، شرح نهج البلاغة ج16 ص16].

وقال الواحديّ: (وروى السدّيّ عن أبي مالك، عن ابن عباس، قال: «‌الشجرة ‌الملعونة ‌في ‌القرآن ‌بنو ‌أميَّة») [التفسير البسيط ج13 ص381].

5ـ أنَّه ملعونٌ على لسان رسول الله (ص):

روى أحمد والبزار بالإسناد إلى الشعبيّ، قال: سمعت عبد الله بن الزبير، يقول - وهو مستندٌ إلى الكعبة -: «وربّ هذا البيت لقد ‌لعن ‌الله ‌الحكم ‌وما ‌ولد ‌على ‌لسان ‌نبيّه» [مسند أحمد ج26 ص51، البحر الزخار ج6 ص159].

6ـ قتاله أمير المؤمنين (ع) في الجمل وصفين:

لقد استبان في صريح الآثار أنَّ مروان بن الحكم كان ممَّن شقَّ عصا الطاعة وناصب أمير المؤمنين (عليه السلام) العداء في وقعتي الجمل وصفين. وحيث إنَّ المحارب للوصيّ محاربٌ للنبيّ (صلى الله عليه وآله) بالضرورة؛ لما استفاض في الخبر النبويّ المرويّ في حقّ العترة الطاهرة: «أنا حربٌ لمن حاربتم، وسلمٌ لمن سالمتم»؛ فثبت بذلك خروجه عن جادَّة الحقّ بنصّ السنَّة القطعيَّة.

7ـ أنَّه سبَّ أمير المؤمنين (ع) على المنبر:

وممَّا سوَّد به صفيح عمله شنُّه للحرب النفسيَّة ضدّ العترة الطاهرة، حيث اتَّخذ من سبّ أمير المؤمنين (عليه السلام) سنَّةً راتبةً على أعواد المنابر إبَّان ولايته على المدينة لمعاوية، بل جعل ذلك ركيزةً لبقاء سلطنته وقواماً لملكه، كما نُقل عنه بصريح العبارة. وقد واجهه الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) بحقيقة طينته وما حاق بأصله (الحكم) من اللعن النبويّ وهو في صلبه [ينظر: البداية والنهاية لابن كثير، ج8، ص284؛ والصواعق المحرقة لابن حجر الهيثميّ، ج1، ص163].

8ـ منع دفن الإمام الحسن (عليه السلام):

كان الحسن قد أوصى أنْ يُدفن عند جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلمَّا تُوفّي أرادوا ذلك، وكان على المدينة ‌مروان ‌بن ‌الحكم ‌من ‌قبل ‌معاوية، فمنع من ذلك، وكاد يقع بين بني أميَّة وبين بني هاشم بسبب ذلك فتنةٌ، فقالت عائشة (رضي الله عنها): البيت بيتي ولا آذن أن يُدفن فيه، فدُفن بالبقيع، ولمَّا بلغ معاوية موت الحسن خرَّ ساجداً. فقال بعض الشعراء:

أصبح اليوم ابن هندٍ شامتاً * ظاهر النخوة إذ مات الحسن

يا ابن هندٍ إن تذق كأس الردى * تكُ في الدهر كشيءٍ لم يكن

لست بالباقي فلا تشمت به * كلُّ حيٍّ للمنايا مرتهن

[المختصر في أخبار البشر ج1 ص183].

ومن ظرافة المخالفين: اندفاعهم لتبجيله ورفع مكانه، مع أنَّه قتل الصحابيّ طلحة بن عبيد الله يوم الجمل، فقال: لا أطلب بثأري بعد اليوم، ورماه بسهمٍ فقتله [ينظر: مصنف ابن أبي شيبة ج3 ص60، المستدرك ج3 ص371، السنَّة للخلال ج3 ص517، الطبقات الكبرى ج3 ص167]، كما أنَّه كان من قبلُ سبباً لقتل عثمان بن عفان؛ إذ كان المحرّك الفعليّ للفتنة ضدّ عثمان، وقد تسبَّب في مقتله من خلال إدارته الخاطئة للأمور ككاتبٍ ومستشارٍ؛ لأنَّه زوَّر على لسانه كتاباً إلى مصر بقتل أولئك الوفد [ينظر: البداية والنهاية ج8 ص284].

وممَّا يُستوجب الوقوف عنده: أنَّ حتفَه كان على يد زوجِه (أمّ خالد)، إذ عمدت إلى خنقه بـ(الوسادة)؛ نكيراً منها لإهانة ولدها، ولِما وقع منه من «نقض العهد» المبرم في مؤتمر الجابية، حيث صَرَف الخلافة عن خالد بن يزيد، وعقدها لابنه عبد الملك، متجاوزاً بذلك ما استُقرَّ عليه من الترتيب في الاستخلاف [ينظر: شذرات الذهب ج1 ص73، الإصابة ج3 ص477].

ومع تضافر هذه الشناعات، فقد ذهب جملةٌ من أرباب الجرح والتعديل إلى توثيقه والاعتداد بروايته، فأخرجوا له في أُمَّهات الصحاح والمسانيد - كالبخاريّ ومالك وأصحاب السنن -.

وهو مسلكٌ يستدعي التأمُّل والنظر؛ إذ كيف يُعتمد قولُ مَن رُمي بالكذب صراحةً على لسان الصحابة؟ فقد كذَّبته أُمّ المؤمنين عائشة في قصة الاعتراض على بيعة يزيد، فقد روى النسائيّ بالإسناد إلى محمد بن زياد، قال: «لمَّا بايع معاوية لابنه، قال مروان: سنَّة أبي بكر وعمر، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: سنَّة هرقل وقيصر، فقال مروان: هذا الذي أنزل الله فيه {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا} [الأحقاف: 17]، فبلغ ذلك عائشة فقالت: كذب والله، ما هو به، وإن شئت أن أُسمّي الذي أُنزلت فيه لسمَّيته، ولكن رسول الله (ص) لعن أبا مروان، ومروان في صلبه، ‌فمروان ‌فضضٌ من لعنة الله» [السنن الكبرى ج10 ص257].

كما جَبَهه عبد الله بن عمرو بن العاص بالتكذيب العلنيّ في شأن أحاديث الفتن والآيات، فقد أخرج الطيالسيّ بالإسناد إلى أبي زرعة بن عمرو بن جرير، قال: «كنَّا عند عبد الله بن عمرو، فجاء رجلان فقالا: أتيناك من عند مروان، فسمعناه يقول: إنَّ أول الآيات خروجاً خروج الدجال، فقال عبد الله بن عمرو: ‌كذب ‌مروان، لقد سمعت من رسول الله (ص) حديثاً ما نسيته..» [مسند الطيالسيّ ج4 ص7].

وعليه، فإنَّ تخريج أصحاب السنن لرجلٍ عُرف بالانحراف والفسق، وشهد أقرانه بكذبه، لا ينهض حجَّةً لتنزيه ساحته أو تطهير عِرقه ممَّا علق به من مطاعن ثابتة، بل يضع تلك المباني الرجاليَّة تحت مِجهر النقد العلميّ.

نكتفي بهذا القدر، والحمد لله أوَّلاً وآخراً.