هل يؤسس الإسلام للفحش؟

السؤال: ذكر أحدهم: أنّ التأسيس والتّأصيل الشّرعيّ والأخلاقيّ للفشاير يتحمّله الرّسول وأصواته القرآنيَّة وغيرها، وبثّ ثقافته في أصحابه الكبار كأبي بكرٍ وعمرٍ وعثمانٍ وعليٍّ، خصوصاً وهو القائل كما في الصّحيح: "من تعزّى بعزاء الجاهليَّة فعضّوه بهن أبيه"؛ لذا يجب على أصحاب {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} أن يخرسوا وينضبطوا وأن يقرأوا سطوراً قليلاً بعدها فيلاحظوا الفشار: {عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ}، ولا شكّ في أنَّ هذا التّأسيس لن يولّد انضباطاً أخلاقيّاً ولا رفعةً ولا مثاليَّةً ولا عصمةً ولا إمامةً، ولن يكون مدعاةً للتّفاخر بدعوى: "كنتم خير أمَّةٍ أخرجت للنّاس"

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

هذا الكلام لا يُعدّ طرحاً علميّاً يمكن مناقشته، بل يعكس أسلوباً يقوم على العداء أكثر ممَّا يقوم على الفهم. إذ يُنتزع النصّ من سياقه، وتُحمَّل عباراته معاني معاكسةً لمقصوده، ثم تُبنى عليها نتيجةٌ جاهزةٌ، كما فعل صاحب هذا الكلام حين اختار عباراتٍ محددةً ليخلص منها إلى أنَّ الإسلام «يؤسس للفحش». وهذا ليس نقاشاً موضوعيّاً، بل حكمٌ مسبقٌ يُبحث له عن شواهد مبتورةٍ.

فالمنهج الذي اعتمده يقوم على تجاهل الصورة الكاملة للنصوص، وإلغاء عشرات الآيات والأحاديث التي تضبط اللسان وتنهى عن الفحش والسِّباب، ثم القفز إلى تعبيراتٍ محدودةٍ لتمرير حكمٍ شاملٍ. بينما النصوص الصريحة في هذا الباب واضحةٌ لا لبس فيها، من قبيل قوله تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83]، وقوله: { وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ} [الحجرات: 11]، وما ورد عن النبيّ (صلى الله عليه وآله): «ليس المؤمن بالطَّعَّان ولا اللَّعَّان ولا الفاحش ولا البذيء» [سنن الترمذي ج3 ص236، المستدرك ج1 ص12]. فكيف تُلغى هذه المنظومة المحكمة لصالح قراءةٍ مبتورةٍ لعباراتٍ جزئيَّةٍ؟

ثم إنَّ محاولة نقض قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] بهذه الطريقة، تكشف عن خللٍ في أبسط قواعد الفهم؛ لأنَّ الأصل الكلّيّ يُفسَّر به الجزئيّ، لا العكس. فإذا ثبتت عظمة الخلق بنصٍّ صريحٍ، فإنَّ أي تعبيرٍ خاصٍّ يُفهم في ضوء هذا الأصل، لا أن يُتخذ ذريعةً لهدمه.

أمَّا الحديث الذي استُدلّ به: «من تعزّى بعزاء الجاهليَّة فعضّوه بهن أبيه…»، فليس من تراث أهل البيت (عليهم السلام)، بل رواه أحمد بن حنبلٍ في [مسنده ج5 ص136]، ولا وجود له في المصادر الشيعيَّة.

ومع ذلك، لم يُفهم عند أهل العلم على أنَّه تشريعٌ للفحش، بل هو أسلوبٌ زجريٌّ شديدٌ لمواجهة العصبيَّة الجاهليَّة التي كانت تمزّق المجتمع.

وقد بيَّن العلماء معناه بوضوحٍ، فقالوا: إنَّ المقصود أنَّ من أحيا سنن الجاهليَّة في الشتم واللعن والتعيير والتكبر، يُواجَه بذكر قبائح تلك الجاهليَّة صراحةً - لا كنايةً - حتى يرتدع، لا أنَّه يُؤمر بالفحش ابتداءً. فهو ردعٌ للفحش لا تأسيسٌ له.

وأمَّا ذكر التعبير «فعضّوه بهنِّ أبيه» فلأنَّه سبب وجوده، فجاء التعبير على هذا النحو تأديباً له وتذكيراً بأصله، ليُكسر عنه غرور العصبيَّة التي يتعالى بها على غيره، لا لإطلاق لغة الفحش أو إقرارها.

وأمَّا قوله تعالى: {عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} [القلم: 13]، فليس خطاباً تشريعيّاً يُراد به توجيه الناس إلى هذا الأسلوب، بل هو توصيفٌ لحالةٍ منحرفةٍ متعيِّنةٍ في الواقع، والقرآن حين يكشف الانحراف لا يجامله، بل قد يستخدم أوصافاً مباشرةً وشديدةً لتعريته وفضحه. فهناك فرقٌ واضحٌ بين التوصيف في مقام الذمّ وكشف الواقع، وبين التشريع في مقام التوجيه وبناء السلوك، إلا أنَّ هذا الطرح يتعمد إلغاء هذا الفرق ليحوّل نصوص الذمّ إلى دعوى تشريعٍ، وهو خلطٌ لا يصمد أمام أدنى تدقيقٍ.

وفي المحصِّلة، ما قُدِّم ليس دليلاً على خللٍ أخلاقيٍّ في الإسلام، بل نموذجٌ لسوء القراءة وسوء القصد معاً: اقتطاعٌ للنصّ، وعزلٌ له عن سياقه، ثم تحميله ما لا يدلّ عليه. والنتيجة ليست كشفاً علميّاً، بل تشويهاً متعمداً، لأنَّ من يقرأ النصوص ضمن منظومتها الكاملة يدرك أنَّها جاءت لضبط اللسان وتهذيب السلوك، لا لإطلاق الفحش أو تبريره.