حديث: «النظر إلى وجه علي عبادة» سنداً ودلالةً
السؤال: هل يصحّ حديث: «النظر إلى وجه عليّ عبادة» عند العامّة؟ وما هي دلالته؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم – أيّدك الله -أنَّ هذا الحديث يُصنّف ضمن المناقب المختصّة بأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) التي لم يشركه فيها أحدٌ، وقد اعتنى بتخريجه أئمة الحديث والحفّاظ في مصنّفاتهم المسندة؛ حيث رُوي عن خمس عشر صحابيّاً بطرقٍ متعدّدةٍ، وحكم بعض علماء العامّة بحُسنه، وبعضهم بصحّته، بل حكم بعضهم بتواتره، كما أنّ دلالته واضحة جدّاً.
وتفصيل الكلام بما يسعه المجال، يقع في مقامين:
المقام الأوَّل: طرق الحديث وصحّته:
ورد هذا الحديث عن جمعٍ غفير من الصحابة
1ـ حديث أبي بكر بن أبي قحافة:
أخرج ابن عساكر بإسنادين إلى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: «رأيت أبا بكر الصدّيق يكثر النظر إلى وجه عليّ بن أبي طالب، فقلت: يا أبه، إنك لتكثر النظر إلى عليّ بن أبي طالب، فقال لي: يا بنيّة، سمعت رسول الله (ص) يقول: النظر إلى وجه عليّ عبادة» [تاريخ دمشق ج42 ص350].
2ـ حديث عائشة ابنة أبي بكر:
أخرج ابن عساكر والأصبهانيّ بالإسناد إلى عروة عن عائشة: أنَّ النبيّ (ص) قال: «النظر إلى عليّ عبادة» [تاريخ دمشق ج42 ص355، حلية الاولياء ج2 ص182].
3ـ حديث عثمان بن عفان:
أخرج ابن عساكر بالإسناد إلى ابن عباس قال: «رجع عثمان إلى عليّ فسأله المصير إليه، فصار إليه، فجعل يحدّ النظر إليه، فقال له عليّ: مالك يا عثمان؟ مالك تحدّ النظر إليّ؟ قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: النظر إلى عليّ عبادة» [تاريخ دمشق ج42 ص350].
4ـ حديث أنس بن مالك:
أخرج ابن عساكر بالإسناد إلى مطر بن أبي مطر، عن أنس بن مالك قال: قال النبيّ (ص): «النظر إلى وجه عليّ عبادة» [تاريخ دمشق ج42 ص355].
5ـ حديث عمران بن حصين:
أخرج الطبرانيّ ووكيع والحاكم والأصبهانيّ بالإسناد إلى عمران بن خالد بن طليق بن محمد بن عمران بن حصين، قال: حدثني أبي عن أبيه، عن جده، قال: «مرض عران بن حصين مرضة له، فعاده النبيّ (ص)، فقال له: يا أبا نجيد، أتى لآنس لك من وجعك، قال: يا رسول الله، إنّ أحبّه إليّ أحبّه إلى الله، قال: فمسح يده على رأسه وقال: لا بأس عليك يا عمران، وعوفي من مرضه ذاك، وخرج من عنده، فلقيه عليّ بن أبي طالب (رض)، فقال: عدت أخاك يا أبا نجيد؟ قال: لا، قال: عزمت عليك لتأتينّه، قال: فجاء حتّى دخل عليه فلم يزل ينظر إليه مقبلاً، فلمّا أتبعه بصره قال له بعض أصحابه: يا أبا نجيد، لم نرك تنظر إلى أحد نظرك إلى عليّ، قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: النظر إلى عليّ عبادة» [معجم الكبير ج18 ص109، أخبار القضاة ج2 ص123، المستدرك ج3 ص152، معرفة الصحابة ج4 ص2111].
وأخرجه الحاكم بالإسناد إلى حميد بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدريّ، عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله (ص): «النظر إلى عليّ عبادة»، وقال: (هذا حديثٌ صحيح الإسناد) [المستدرك ج3 ص152].
6ـ حديث عبد الله بن مسعود:
أخرج الطبرانيّ والحاكم وابن عساكر، بالإسناد إلى علقمة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله (ص): «النظر إلى وجه عليّ عبادة» [المعجم الكبير ج10 ص76، المستدرك ج3 ص152، تاريخ دمشق ج42 ص351].
ذكر الحاكم حديث عمران بن حصين المتقدّم وقال: (هذا حديثٌ صحيح الإسناد، وشواهده عن عبد الله بن مسعود صحيحةٌ) [المستدرك ج3 ص152].
قال الجلال السيوطيّ: (وأخرج الطبرانيّ والحاكم عن ابن مسعود (رض): أنّ النبيّ (ص) قال: «النظر إلى عليّ عبادة»، إسناده حسن) [تاريخ الخلفاء ص291].
وقال ابن حجر الهيثميّ – بعد ذكره –: (إسناده حسن) [الصواعق المحرقة ج2 ص360]. وقال أيضاً: (وكان أبو بكر يكثر النظر إلى وجه عليّ، فسألتْه عائشة، فقال: سمعت رسول الله (ص) يقول: «النظر إلى وجه عليّ عبادة»، ومرّ نحو هذا، وأنّه حديث حسن) [الصواعق المحرقة ج2 ص517].
وقال مؤمن الشبلنجيّ: (وأخرج الطبرانيّ والحاكم بسند حسن..) [نور الأبصار ص89].
7ـ حديث معاذ بن جبل:
أخرج الخطيب وابن عساكر بالإسناد إلى أبي هريرة قال: «رأيت معاذ بن جبل يديم النظر إلى عليّ بن أبي طالب، فقلت: ما لك تديم النظر إلى عليّ، كأنك لم ترَه؟ فقال: سمعت رسول الله (ص) يقول النظر إلى وجه عليّ عبادة» [تاريخ بغداد ج2 ص51، تاريخ دمشق ج42 ص 352].
8ـ حديث واثلة بن الاسقع:
أخرج ابن المغازليّ بالإسناد إلى مكحول عن واثلة بن الاسقع قال: قال رسول الله (ص): «النظر الى عليّ عبادة» [المناقب ص210].
9ـ حديث أبي ذر الغفاريّ:
أخرج ابن عساكر بالإسناد إلى يديم بن العلاء، عن أبي ذر قال: قال رسول الله (ص): «مثل عليّ فيكم - أو قال: في هذه الأمّة - كمثل الكعبة المستورة، النظر إليها عبادة، والحجّ إليها فريضةٌ» [تاريخ دمشق ج42 ص355].
10ـ حديث جابر بن عبد الله الانصاريّ:
أخرج ابن عساكر بالإسناد إلى جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال: قال: رسول الله (ص) «النظر إلى عليّ عبادة» [تاريخ دمشق ج42 ص354].
11ـ حديث ثوبان مولى رسول الله (ص):
أخرج ابن عساكر بالإسناد إلى يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن سالم، عن ثوبان قال: قال النبيّ (ص): «النظر إلى عليّ عبادة» [تاريخ دمشق ج42 ص355].
12ـ حديث عبد الله بن العباس:
أخرج ابن الجوزيّ بالإسناد إلى الحمانيّ، عن ابن فضيل، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عبّاس: أنّ النبيّ (ص) قال: «النظر إلى وجه عليّ عبادة» [الموضوعات ج1 ص362].
13ـ حديث معاذة الغفاريّة:
أخرج ابن الأثير بالإسناد إلى يعلى بن عبيد، حدّثنا حارثة بن أبي الرجال، عن عمرة قالت: قالت لي معاذة الغفاريّة: «كنت أنيساً برسول الله (ص)، أخرج معه في الأسفار، أقوم على المرضى، وأداوي الجرحى، فدخلت على رسول الله (ص) بيت عائشة وعليٌّ (رض) خارجٌ من عنده، فسمعتُه يقول: يا عائشة، إنّ هذا أحبّ الرجال إليَّ، وأكرمهم عليَّ، فاعرفي له حقّه، واكرمي مثواه، وذكر الحديث في النظر إلى عليّ عبادة» [أسد الغابة ج5 ص548].
14ـ حديث أبي هريرة الدوسيّ:
أخرج ابن عدي بالإسناد إلى شعبة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): «النظر إلى وجه عليّ عبادة» [الكامل ج2 ص339].
15ـ حديث عمرو بن العاص:
قال محبّ الدين الطبريّ: (وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله (ص): «النظر إلى وجه عليّ عبادة»، أخرجه أبو الحسن الحربيّ. وعن عمرو بن العاص مثله. أخرجه الأبهريّ) [ذخائر العقبى ص95].
أقول:
قد تباينت آراء النقّاد في رتبة هذا الحديث، فبينما ذهب الحاكم النيسابوريّ إلى تصحيحه، جنح ابن الجوزيّ – المعروف بتسرّعه - إلى القول بوضعه، وذهب آخرون كالشوكانيّ للحكم بتحسين الحديث لغيره، كمنزلةٍ وسطى بين التصحيح والوضع، قال: (فظهر بهذا أنَّ الحديث من قسم الحسن لغيره، لا صحيحاً كما قال الحاكم، ولا موضوعاً كما قال ابن الجَوْزيّ) [الفوائد المجموعة ص 361]، وذهب الجلال السيوطيّ وابن حجر الهيتميّ إلى حسنه، كما تقدّم نقل كلامهما.
بل ذهب بعضُ العلماء إلى أنّه ليس من أخبار الآحاد، بل من الأخبار المتواترة؛ وذلك لأنّه ورد من طرق كثيرة، كما تقدّم.
قال العلّامة الفتنيّ – بعد الإشارة لما صنعه ابن الجوزيّ بخصوص هذا الحديث –: (المتروك والمنكر إذا تعدّدت طرقه ارتقى إلى درجة الضعف القريب، بل ربّما ارتقى إلى الحسن. وهذا ورد من رواية أحد عشر صحابيّاً بعدّة طرقٍ، وتلك طرق عدّة التواتر في رأيي) [تذكرة الموضوعات ص97].
وقال العلّامة الكتانيّ: (صرّح جماعةٌ من الائمة بتواتر أحاديث أخر عديدة، ولكنّهم نُوزِعوا فيها.. ومنها: حديث: «النظر إلى عليّ عبادة»، ورد من رواية أحد عشر صحابيّاً بعدّة طرقٍ، قال السيوطيّ في التعقبات: وتلك عدّة التواتر في رأي جماعةٍ) [نظم المتناثر من الحديث المتواتر ص255].
المقام الثاني: معنى الحديث ودلالته:
يعدّ هذا من جملة الخصائص التي اختصّ بها أمير المؤمنين (ع) وانفرد بها عن جميع المسلمين، كما صرّح بذلك بعض علماء العامّة، قال ابن شاهين – بعد ذكر الحديث –: (تفرّد عليٌّ بهذه الفضيلة، لم يشركه فيها أحدٌ) [شرح مذاهب أهل السنة ص145]. وقال أبو نعيم الأصبهانيّ: (ذكر فضيلة أخرى لأمير المؤمنين (رض)، لم يشركه فيها أحد..) [فضل الخلفاء الراشدين ج1 ص67].
والحديث واضح الدلالة على أنّ نفس النظر إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) عبادة، ينال الناظر بها الثواب والأجر عند الله تعالى، هذا.
وذهب الحافظ الكنجيّ الشافعيّ إلى أنَّ النظر إلى وجه عليّ (ع) عبادةٌ، من حيث إنّه ابن عمّ الرسول (ص)، وزوج البتول (ع)، ووالد السبطين الحسن والحسين (ع)، وأخو الرسول، ووصيّه، وباب علمه، والمبلّغ عنه، والمجاهد بين يديه، والذابّ عنه، والمجلي الكرب والهموم عنه، والباذل نفسه لله تعالى ولرسوله لنصرة دين الله، وداعي الناس إلى دار السلام ومعرفة العزيز العلام. ويدلّ على فضل النظر إليه: فضل النظر إلى الكعبة، كما جاء في الحديث: أنَّ النبيّ (ص) وقف حيال الكعبة وقال: «ما أجلّك وما أشرفك وما أعظمك عند الله عزّ وجلّ، والمؤمن عند الله عز وجل أعظم وأشرف منك عليه» - إلى أن قال - عن أبي هريرة قال: «رأيت معاذ بن جبل يديم النظر إلى عليّ بن أبي طالب، فقلت: مالك تديم النظر إلى عليّ كأنك لم تره؟ فقال: سمعت رسول الله (ص) يقول: النظر إلى وجه عليّ عبادةٌ» [كفاية الطالب ص75].
وذهب الخطابيّ إلى أنَّ معناه النظر إلى وجهه يدعو إلى ذكر اللَّه؛ لِمَا يتوسّم فيه من نور الإسلام، ويُرى عليه من بهجة الإيمان، ولما يتبيّن فيه من أثر السجود وسيّما الخشوع، وبذلك نعته الله فيمَن معه من صحابة الرسول (ع)، فقال: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [غريب الحديث ج2 ص181].
وذهب آخرون إلى أنّ رؤيته تحمل الناظر على النطق بكلمة التوحيد لِـما علاه من سيماء العبادة. قال ابن الأعرابيّ: (إنّ عليّاً (ع) كان إذا برز قال الناس: لا إله إلاّ الله ما أشرف هذا الفتى، لا إله إلاّ الله ما أشجع هذا الفتى، لا إله إلاّ الله ما أعلم هذا الفتى، لا إله إلاّ الله ما أكرم هذا الفتى، فكانت رؤيته تحمل على النطق بكلمة الشهادة التي هي رأس كلّ عبادة) [الغريبين ج6 ص1859، الفائق في غريب الحديث ج1 ص455].
وقال الأمير الصنعانيّ – بعد ذكر قول ابن الأعرابيّ –: (قلت: ولا يبعد في أنّ مجرّد النظر إليه يُكتب به الثواب، بل هو الأظهر) [التنوير ج10 ص526].
وقال السيّد ابن طاوس: (ظاهر الحديث يحتمل النظر إلى عليّ (ع) مطلقاً، سواء قال الناس أو لم يقولوا، أو لعلّ معناه النظر إليه كما يريد الله تعالى من المعرفة بحقّه وتعظيم أمره وامتثال طاعته ومحبّته عبادةٌ) [سعد السعود ص204].
وقال العلّامة المجلسيّ: (أراد أنْ ينفي عنه (ع) منقبةً، فأثبت له أضعافها، وما الباعث على ذلك؟ وأيّ استبعادٍ في أنْ يكون محض النظر إليه عبادةً) [بحار الأنوار ج38 ص159].
نكتفي بهذا القدر، والحمد لله أوّلاً وآخراً.
اترك تعليق