هل الفرد أسير المجتمع في عقيدته، أم يملك حرية الاختيار؟

السؤال: الدكتور عليّ الورديّ يقول: في رأي الجاحظ: أنَّ آراء الإنسان وعقائده ليست إراديّةً بل هي مفروضةٌ عليه فرضاً، وأنَّها نتيجةٌ حتميّةٌ لكيفيّة تكوين عقله وما يعرض عليه من الآراء، فمن عُرض عليه دينٌ فلم يستحسنه عقله فهو مضطرٌّ إلى عدم الاستحسان، وليس في الإمكان أنْ يستحسن، وهو إذن ليس مسؤولاً عن اعتقاده، إذ لا يكلف الله نفساً إَّلا وسعها فمن أُصيب بعمى الألوان فرأى الأحمر أسود فلا لوم عليه في ذلك. إذ ليس في استطاعته إلا أنْ يفتح عينيه أو يقفلها، أمّا أنْ يرى هذا أسود أو أحمر فلا دخل له فيه، وكذلك الشأن في المعقولات.

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

هذا النصّ الذي يُنسب إلى الجاحظ كما ينقله الدكتور عليّ الورديّ، يقرّر فكرةً خطيرةً في باب المعرفة والعقيدة، خلاصتها: أنَّ الإنسان ليس مسؤولاً عن اعتقاده؛ لأنَّ اعتقاده – بحسب هذا الطرح – نتيجةٌ حتميّةٌ لتكوينه العقليّ وما يعرضه عليه المجتمع من أفكارٍ. وهذه الفكرة وإنْ كان في ظاهرها مقبولةً، إلَّا أنَّها تقوم على خلطٍ عميقٍ بين "تأثير العوامل" و"الحتميّة المطلقة"، وهو خلطٌ يؤدّي – إذا أُخذ بجدّيّةٍ – إلى انهيار فكرة المسؤوليّة من أساسها، لا في الدّين فقط، بل في كلّ مجالات الحياة.

أوَّل ما ينبغي توضيحه: أنَّ القول بتأثير البيئة والتكوين العقليّ في تشكيل القناعات قولٌ صحيحٌ في الجملة، ولا أحد ينكره، بل هو من البديهيّات، الإنسان يتأثر بما يسمع ويرى ويتعلم، ويتشكل وعيه عبر التجربة والتنشئة. لكنَّ الإشكال يبدأ حين يتحول هذا "التأثير" إلى "حتميّةٍ"، أي إلى قولٍ بأنَّ الإنسان لا يملك أيَّ قدرةٍ على المراجعة أو الاختيار أو تجاوز ما فُرض عليه، هنا لا نكون أمام تحليلٍ اجتماعيٍّ، بل أمام إنكارٍ ضمنيٍّ لحرية الإنسان.

والفرق بين التأثير والحتميّة فرقٌ جوهريٌّ. التأثير يعني أنَّ الإنسان يتحرك ضمن ظروفٍ وضغوطٍ، لكنّه لا يُسلب القدرة على النظر والمراجعة والتغيير. أمّا الحتميّة فتعني أنَّ الإنسان مجرد نتيجةٍ، لا فاعل له، وأنه لا يمكنه أنْ يخرج عمّا فُرض عليه بأيِّ حالٍ. وهذا القول لا ينسجم حتى مع أبسط تجاربنا اليوميّة؛ فكم من إنسانٍ نشأ في بيئةٍ معينةٍ ثم غيَّر قناعاته، وكم من شخصٍ تربَّى على فكرةٍ ثم تراجع عنها بعد بحثٍ وتأملٍ.

ولو كانت الحتميّة صحيحةً لما وُجد التحوّل الفكريّ أصلاً، ولما كان لأيِّ حوارٍ أو دعوةٍ أو تعليمٍ معنىً.

ثمَّ إنَّ القياس الذي يطرحه الجاحظ – بين الاعتقاد والإدراك الحسّيّ كعمى الألوان – قياسٌ غير دقيقٍ؛ لأنَّ الإدراك الحسّيّ في كثيرٍ من حالاته يكون خارج الإرادة فعلاً، كمن فقد البصر أو أُصيب بخللٍ عضويٍّ، أمّا الاعتقاد فهو عمليةٌ مركبةٌ يدخل فيها النظر، والمقارنة، والبحث، والقبول أو الرفض، فالإنسان لا "يُجبر" على الاعتقاد كما يُجبر الأعمى على عدم الرؤية، بل هو يتفاعل مع ما يُعرض عليه، وقد يقبل وقد يرفض، وقد يتوقف، وقد يبحث عن بدائل. نعم، قد يكون هذا التفاعل صعباً أو متفاوتاً بين الناس، لكنّه ليس معدوماً.

الأهمّ من ذلك أنَّ هذا الطرح لو أُخذ إلى نهايته المنطقيّة فإنّه يهدم فكرة المسؤوليّة الأخلاقيّة بالكامل، فإذا كان الإنسان مضطرّاً إلى اعتقاده، فهو أيضاً مضطرٌّ إلى سلوكه؛ لأنَّ السلوك نتيجةٌ للاعتقاد. وإذا كان كذلك، فلا معنى للمدح والذم، ولا للثواب والعقاب، ولا حتّى للقوانين البشريّة. بل حتّى الجاحظ نفسه – حين يطرح هذا الرأي – يفترض ضمنيّاً أنَّ القارئ قادرٌ على فهمه وقبوله أو رفضه، وهذا تناقضٌ مع فكرة الحتميّة التي يسوقها.

من جهةٍ أخرى، الرؤية القرآنيّة – التي نحتكم إليها – لا تنكر وجود العوائق، لكنَّها لا تسقط المسؤولية بالكامل، القرآن يتحدث عن "الاستطاعة" لا بوصفها حالةً مثاليّةً مجردةً، بل ضمن الواقع البشريّ، ولذلك يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، أي ضمن قدرتها الممكنة، لا ضمن حالة انعدام التأثير، ويُحمّل الإنسان مسؤوليّةً بقدر ما أُعطي من قدرةٍ على النظر والتفكير؛ ولذلك يكرّر: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، ﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾. هذه الخطابات لا معنى لها إذا كان الإنسان مسلوب القدرة بالكامل.

ثمَّ إنَّ التجربة الإنسانيّة نفسها تشهد بوجود مساحةٍ داخليّةٍ من الحريّة، حتى في أقسى الظروف، قد لا يختار الإنسان كلَّ ما يُعرض عليه، لكنّه يختار كيف يتعامل معه: هل يستسلم له؟ هل يشك فيه؟ هل يبحث عن بديلٍ؟ هذه المساحة – وإنْ كانت محدودةً – هي مناط المسؤولية. وليست المسؤولية أنْ يكون الإنسان حرّاً مطلقاً، بل أنْ يكون قادراً على قدرٍ من الاختيار ضمن ما أُتيح له.

وفي المحصّلة، أنَّ طرح الجاحظ – كما نُقل هنا – صحيحٌ في الإشارة إلى أثر العوامل الاجتماعيّة والعقليّة، لكنّه يخطئ حين يحوّل هذا الأثر إلى حتميّةٍ تنفي الإرادة. والقول الدقيق هو أنَّ الإنسان "متأثرٌ لكنّه ليس مجبراً"، وأنّه "مقيّدٌ بظروفه لكنّه ليس أسيراً لها بالكامل". ومن هنا تستقيم فكرة المسؤوليّة: ليست على ما لا يملك، ولا على ما فُرض عليه قهراً، بل على ما كان في وسعه أنْ ينظر فيه، وأنْ يراجعه، وأنْ يتخذ فيه موقفاً. وهذا هو الميزان الذي يجمع بين فهم الواقع الإنسانيّ، وعدم إلغاء إنسانيّته.