هل كل من يقول «لا إله إلا الله» عند موته يدخل الجنة؟
السؤال: جاء في كتاب الأمالي للصدوق قوله: حدَّثنا محمَّد بن عليّ ماجيلويه (رحمه الله)، قال: حدَّثنا محمَّد بن يحيى العطَّار، عن محمَّد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعريّ، عن الحسن بن موسى الخشاب، عن غياث بن كلوب، عن إسحاق بن عمار، عن الصادق جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام) أنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قال : «لقِّنوا موتاكم لا إله إلَّا الله، فإنَّ من كان آخر كلامه لا إله إلَّا الله دخل الجنّة»، فهل كلُّ من يقول «لا إله إلَّا الله» عند موته يدخل الجنّة، كبعض الطغاة والمجرمين من أمثال صدَّام حسين وغيره؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
لا يخفى أنَّ التوحيد من أُسس الدّين الحنيف، بل هو ركنه الركين الذي عليه مدار الشريعة الغرَّاء وبه قوام الإيمان، وهو الاعتقاد بوحدانيّة الله تعالى في الخالقيّة والربوبيّة والألوهيّة، ونفي الشريك عنه في جميع شؤون ذاته المقدَّسة وأفعاله، وقد أولت الشريعة المقدَّسة هذا الأصل عنايةً بالغةً، فجعلته شرطاً في قبول الأعمال وصحَّتها، إذْ لا يُعتدُّ بعملٍ مع اختلال التوحيد، ولا يترتَّب عليه أثرٌ مع فساد العقيدة، ومن هنا كان التوحيد بمنزلة الروح لسائر التكاليف، بل هو الميزان الذي تُوزن به الأعمال.
وفي قباله، ورد الذمّ الشديد للشرك، والتحذير الأكيد منه؛ لكونه أعظم الذنوب العقائديّة وأخطرها على مصير الإنسان، إذْ به تنقلب الموازين وتُحبط الأعمال، ويخرج العبد عن صراط العبوديّة الخالصة؛ وذلك لما فيه من جعل الندّ والشريك لله تعالى، وهو الغنيّ المطلق، الخالق لكلِّ شيءٍ، ولا نظير له ولا شبيهٌ، ولذا ورد وصف الشرك بأنه «ظلمٌ عظيمٌ» في الكتاب الكريم.
إذا بان هذا، فيقع الكلام في مقامين:
المقام الأوَّل: أنَّ مضمون الخبر المذكور في السؤال لم يرد في مصادرنا فحسب، بل قد نُقل في كتب أهل العامَّة أيضاً، وعليه فهو يُعدُّ من الأحاديث المشتركة عند الفريقين، فقد روي عندهم عن النبيّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) أنه قال: «من كان آخر كلامه لا إله إلَّا الله، وجبت له الجنّة».
[يُنظر: مسند أحمد ج36 ص443، سنن أبي داوود ج3 ص190، المعرفة والتاريخ للفسويّ ج2 ص312، مسند البزّار ج7 ص77 المعجم الكبير للطبرانيّ ج20 ص112]، وغيرها من المصادر الكثيرة عند العامَّة. وروى مثله الشيخ الصدوق (طاب ثراه) في كتاب [الأمالي ص633، الفقيه ج1 ص132، ثواب الأعمال ص195].
المقام الثاني: أنَّ المراد من هذا الحديث أنَّ قول «لا إله إلَّا الله» بشرطه وشروطه، وليس مجرَّد النطق به من دون الالتزام بسائر لوازمه الاعتقاديّة، كالإيمان بالنبوَّة، وكذلك الإمامة والمعاد من الأصول والأركان، والدليل على ذلك ـ مضافاً إلى بداهة ذلك ـ جملةٌ من الروايات الواردة في هذه الشأن، نذكر بعضاً منها:
1ـ روى الشيخ الصدوق (طاب ثراه) بسنده إلى أبي سعيد الخدريّ قال: «كان رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ذات يومٍ جالساً، وعنده نفرٌ من أصحابه فيهم عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) إذْ قال: مَن قال لا إله إلَّا الله دخل الجنّة. فقال رجلان من أصحابه: فنحن نقول لا إله إلَّا الله، فقال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): إنما تقبل شهادة أنْ لا إله إلَّا الله مِن هذا ومن شيعته الذين أخذ ربّنا ميثاقهم. فقال الرجلان: فنحن نقول: لا إله إلَّا الله. فوضع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يده على رأس عليٍّ (عليه السلام) ثمَّ قال: علامة ذلك أنْ لا تحلَّا عقده، ولا تجلسا مجلسه، ولا تكذِّبا حديثه» [ثواب الأعمال ص٧، بشارة المصطفى ص413].
2ـ وروى أيضاً (طاب ثراه) بسنده إلى إسحاق بن راهويه، قال: «لما وافى أبو الحسن الرضا (عليه السلام) نيسابور، وأراد أنْ يرحل منها إلى المأمون، اجتمع إليه أصحاب الحديث، فقالوا له: يا بن رسول الله، ترحل عنا ولا تحدِّثنا بحديثٍ فنستفيده منك، وقد كان قعد في العماريّة فأطلع رأسه، وقال: سمعتُ أبي موسى بن جعفر يقول: سمعتُ أبي جعفر بن محمَّد يقول: سمعتُ أبي محمَّد بن عليّ يقول: سمعتُ أبي عليّ بن الحسين يقول: سمعتُ أبي الحسين بن عليّ يقول: سمعتُ أبي أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام) يقول: سمعتُ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: سمعتُ جبرئيل (عليه السلام) يقول: سمعتُ الله (عزَّ وجلَّ) يقول: لا إله إلَّا الله حصني، فمن دخل حصني أمن عذابي. فلما مرَّت الراحلة نادانا: بشروطها، وأنا من شروطها» [الأمالي ص٣٠٦، التوحيد ص25].
3ـ وروى الشيخ الطوسيّ (طاب ثراه) بإسناده إلى أبي عاصم الضحَّاك بن مخلَّد النبيل، قال: سمعتُ الصادق (عليه السلام) يقول: «حدَّثني أبي محمَّد بن عليّ، عن جابر بن عبد الله، قال: كنتُ عند النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) أنا من جانبٍ وعليٌّ أمير المؤمنين (عليه السلام) من جانبٍ، إذْ أقبل عمر بن الخطَّاب ومعه رجلٌ قد تلبَّب به، فقال: ما باله؟ قال: حكى عنك يا رسول الله، أنك قلت: مَن قال: لا إله إلَّا الله، محمَّدٌ رسول الله دخل الجنّة. وهذا إذا سمعه الناس فرَّطوا في الأعمال، أفأنت قلت ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم، إذا تمسَّك بمحبّة هذا وولايته» [الأمالي ص٢٨٢].
ومن خلال هذا يتَّضح أنَّ بعض طغاة العصر الذين قالوا: «لا إله إلَّا الله، محمَّدٌ رسول الله» عند موتهم لا ينتفعون بها، وذلك لعدم تحقق باقي الشروط لكلمة التوحيد والرسالة، وهي الإمامة، كما لا يخفى.
بقي شيءٌ:
وهو مَن قال: «لا إله إلَّا الله» من أهل الولاية والاعتقاد الحقّ، فهل تُغني عنه عند موته من تبعات بعض الذنوب المتعلِّقة بحقوق العباد، كأكل أموال اليتيم، أو التعدِّي على إرث الأخوات، وغيرهما من حقوق العباد؟
والجواب: كلَّا، فإنَّ الله تعالى لو أراد أنْ يعفو عن حقِّه المختصّ به فهو أهلٌ للعفو والكرم، وأمَّا حقوق الناس فلا تغفر إلَّا بعد الاستحلال من أصحابها وإرضائهم؛ ولذلك ورد في بعض الأخبار أنَّه من الظلم الذي لا يُترك [يُنظر: نهج البلاغة ص255]؛ وعليه، فلا يغترّ البعض من أهل الولاية بذلك فيتعدَّى على حقِّ غيره بالظلم والقهر، فإنَّ الله تعالى حَكمٌ عدلٌ، لا يضيع في حكمه حقٌّ، ولا تجوز في محكمته مظلمةٌ.
والنتيجة النهائيّة من كلِّ ذلك، أنَّ كلمة التوحيد ما لم تُقرن بسائر العقائد الحقَّة، كالإيمان بالنبوَّة والإمامة ونحوهما لا تُجدي نفعاً لقائلها، كما اتَّضح جليّاً ممَّا سبق.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق