هل كان أمير المؤمنين (ع) سفاكاً للدماء؟

السؤال: الحقيقة التي يغفل عنها كثيرٌ من الشيعة في معرض دراستهم لسيرة عليٍّ، هي كونه المنفذ لأحكام الإعدام التي كان يأمر بها النبيّ محمَّد (صلى الله عليه وآله)، فمثلاً هو من نفَّذ أمر قتل النضر بن الحارث، ومعلومٌ أنَّ من يتم اختياره لتنفيذ أحكام الإعدام هو شخصٌ ميت القلب وبلا رحمةٍ، فلا يتم اختيار ذوي الإحساس المرهف لهذه المهمَّة. وهذه النقطة تعطي انطباعاً دقيقاً عن شخصيَّة عليٍّ الحقيقيَّة، التي تختلف جذريّاً عن شخصيَّة عليٍّ المذهبيّ الذي جعله القوم إمام الليبراليَّة، والمتحدث الرسميّ باسم عصر التنوير والمدافع عن حقوق الإنسان!

: الشيخ أمير الخزاعي

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

إنَّ هذا الإشكال في حقيقته قائمٌ على قراءةٍ مجتزأةٍ وغير حياديَّةٍ للتاريخ؛ إذ يعمد الكاتب إلى اقتطاع ظاهرةٍ أو حادثةٍ معيَّنةٍ من حياة الشخصيَّة، ثم يحاول تعميمها على تمام شخصيَّتها وهويَّتها الفكريَّة والروحيَّة، مع أنَّ الحكم على الشخصيَّات التاريخيَّة -خصوصاً الشخصيَّات الدينيَّة الكبرى -لا يمكن أنْ يُبنى على قراءةٍ انتقائيَّةٍ لجزءٍ محدودٍ من حياتها، فضلاً عن أنَّ هذا الجزء نفسه لم يُقرأ ضمن سياقه التاريخيّ والمعرفيّ الصحيح.

ثم إنَّ الإشكال لا ينطلق أصلاً من منظورٍ إسلاميٍّ، بل من منظورٍ ماديٍّ أو إلحاديٍّ مفروضٍ مسبقاً على النصّ والتاريخ، ثم تُفسَّر الوقائع بعد ذلك على ضوء تلك الخلفيَّة المسبقة.

ومن هنا، جاءت النتيجة مشحونةً بالقفزات المنطقيَّة والمصادرات والقراءات الانتقائيَّة، بحيث أصبح المستشكل يفسّر الوقائع لا كما هي، بل كما يريدها.

وعليه، فإنَّ جوهر الجواب أنَّ المستشكل - وإن أراد الذمّ والطعن - قد انتهى في كثيرٍ من المواضع إلى ما يقتضي المدح من حيث لا يشعر؛ لأنَّ ما طرحه - عند تحليله ضمن الإطار التاريخيّ والعقديّ الصحيح - لا يدلّ على النقص، بل يكشف عن طبيعة المرحلة وظروفها.

ومن هنا وقبل مناقشة التفاصيل كان علينا أنْ نكشف أوَّلاً عن الخلل المنهجيّ العامّ الذي بُني عليه المقال، ثم نبيّن بعد ذلك المغالطات والقفزات المنطقيَّة التي اعتمدها في استنتاجاته، فنقول:

أوَّلاً: إنَّ قيام أمير المؤمنين عليٍّ (عليه السلام) بتنفيذ أوامر النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وتصدِّيه للمهامّ الصعبة والخطيرة، لا يدلّ بحالٍ على قسوةٍ في القلب أو جفافٍ عاطفيٍّ، بل يدلّ على عكس ذلك تماماً؛ إذ يكشف عن كونه الشخص الأوثق والأكثر اعتماداً عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) في اللحظات الحساسة والمواقف المصيريَّة.

فالنبيّ (صلى الله عليه وآله) لم يكن ليسند مسؤولياته إلى شخصٍ بعيدٍ عنه روحيّاً، بل إلى من بلغ أعلى درجات الطاعة والثبات وضبط النفس، بحيث يقدّم التكليف الإلهيّ على انفعاله الشخصيّ ومشاعره الخاصَّة. ومن هنا، فإنَّ امتثال الإمام عليٍّ (عليه السلام) لأوامر النبيّ (صلى الله عليه وآله) من قتالٍ أو قعودٍ أو تنفيذ مهمَّة الإعدام وغيرها في تلك الظروف إنَّما هو مظهرٌ لكمال العبوديَّة والطاعة لله ورسوله، لا علامة نقصٍ أو قسوةٍ.

وعليه، فما يحاول المستشكل جعله موضع طعنٍ، هو في الحقيقة من أبرز وجوه الفضيلة والمنقبة؛ لأنَّه يكشف عن شدَّة قربه من النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وكمال امتثاله لأوامره، وثباته في المواطن التي تضطرب فيها النفوس وتضعف فيها القلوب.

وثانياً: أنَّ الطريقة التي صوَّر بها الكاتب المسألة توحي وكأنَّ الإمام عليّاً (عليه السلام) كان يعيش حالةً اعتياديَّةً من القتل والتنفيذ المستمرّ للأحكام، وكأنَّ ممارسة الإعدام كانت سلوكاً يوميّاً يكشف عن قسوةٍ أو موتٍ في القلب، بينما هذه الصورة بعيدةٌ عن الواقع التاريخيّ، وهي مبنيَّةٌ على تضخيمٍ انتقائيٍّ لبعض الوقائع الاستثنائيَّة، ثم إسقاطها على مجمل شخصيَّة الإمام (عليه السلام).

فالحالات التي صدر فيها أمرٌ بالقتل في زمن النبيّ (صلى الله عليه وآله) كانت محدودةً جدّاً، وتدور في سياقاتٍ أمنيَّةٍ وعسكريَّةٍ خاصَّةٍ، ترتبط بالخيانة، والتحريض، ومحاولة تقويض المجتمع الإسلاميّ، ولم تكن ممارساتٍ يوميَّةً اعتياديَّةً كما يحاول الكاتب الإيحاء به.

ثم إنَّ الإمام عليّاً (عليه السلام) لم يكن المنفّذ الوحيد للإعدامات، بل شارك غيره من الصحابة في تنفيذ أوامر مشابهةٍ بحسب الموارد والظروف.

فعاصم بن ثابتٍ هو الذي قتل عقبة بن أبي معيط بعد بدرٍ [ينظر: سيرة ابن هشام ج1 ص664]، وعمير بن عديٍّ الخطميّ هو الذي قتل عصماء بنت مروان بسبب تحريضها المستمرّ على المسلمين وهجائها النبيّ، كما أنَّ سالم بن عميرٍ قتل أبا عفكٍ اليهوديّ لدوره في التحريض وإثارة الفتنة [ينظر: المغازي للواقديّ ج1 ص172، الطبقات الكبرى ج2 ص27]، وكذلك عبد الله بن عتيكٍ مع مجموعةٍ من الصحابة نفَّذوا عمليَّة قتل أبي رافعٍ بن أبي الحقيق لما كان يقوم به من دعم الأحزاب والتحريض العسكريّ ضد المدينة، فهذه الوقائع لم تكن مختصَّةً بالإمام عليٍّ (عليه السلام) أصلاً، وإنَّما كانت أوامر مرتبطةً بإدارة الصراع السياسيّ والعسكريّ في ظرفٍ استثنائيٍّ.

أمَّا المثال الذي ذكره -ولعلَّه المثال الأبرز الذي يستند إليه غير مسألة بني قريظة -، وهو قضيَّة النضر بن الحارث، فحتّى هذه الواقعة نفسها محلّ نقاشٍ تاريخيٍّ، ولم يثبت على نحوٍ قطعيٍّ أنَّ الإمام (عليه السلام) هو الذي تولّى قتله مباشرةً، بل توجد رواياتٌ مختلفةٌ في ذلك-لسنا في مقام تحقيقها-بل بعضها يربط مقتله بعذابٍ إلهيٍّ أو بوقوع ما أشارت إليه بعض الآيات، كقوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [ينظر: الكشكول فيما جرى على آل الرسول ص179].

وعليه، فإنَّ بناء صورةٍ نفسيَّةٍ وأخلاقيَّةٍ كاملةٍ عن الإمام (عليه السلام) اعتماداً على وقائع محدودةٍ ومحلّ نقاشٍ في ثبوتها، هو قفزٌ استنتاجيٌّ واضحٌ، وقراءةٌ غير حياديَّةٍ للتاريخ.

ثم إنَّه حتّى على فرض ثبوت ذلك، فإنَّه لا يدلّ على قسوةٍ أو موت قلبٍ - كما ذكرنا - بل العكس تماماً؛ إذ إنَّ اختيار النبيّ (صلى الله عليه وآله) يكشف عن طاعته وانضباطه وعدم خضوعه للعواطف الشخصيَّة في أمور الدين، فالقضيَّة ليست تعبيراً عن نزعةٍ دمويَّةٍ، بل عن مقامٍ من الثقة والطاعة وتحمل المسؤوليَّة.

ومن هنا، وبملاحظة ما تقدَّم، تتّضح جملةٌ من المغالطات المنهجيَّة والمنطقيَّة التي وقع فيها المستشكل:

فمن أبرزها مغالطة (التعميم المتسرّع)؛ إذ عمد إلى حادثةٍ أو حادثتين مختلفٍ فيها، ثم استخرج منهما حكماً كلّيّاً على شخصيَّة الإمام بأكملها، متغافلاً عن بقيَّة سيرته ومواقفه المعروفة تاريخيّاً من رحمته، وعدله، ومساعدته للفقراء، ودفاعه عن الضعفاء، وزهده، وعفوه في موارد كثيرةٍ. ومن الواضح أنَّ القراءة المنهجيَّة لأيّ شخصيَّةٍ تاريخيَّةٍ تقتضي النظر إلى مجموع حياتها وسلوكها، لا اقتطاع مشاهد ثم تحويلها إلى تفسيرٍ شاملٍ لجوهر الشخصيَّة.

كما وقع الكاتب في مغالطة (الثنائيَّة الزائفة)، حين صوَّر المسألة وكأنَّ الإنسان لا يمكن أن يكون إلَّا أحد نموذجين متقابلين: إمَّا «قاتلاً ميت القلب»، وإمَّا «شخصاً رقيقاً مدافعاً عن القيم والحقوق»، وهذا تصويرٌ عاطفيٌّ لا يقوم على أساسٍ منطقيٍّ؛ لأنَّ الصفات الإنسانيَّة لا تتنافى بهذا الشكل الساذج، فقد يكون الإنسان شديداً وحازماً في تنفيذ ما يعتقد أنَّه عدلٌ أو حكمٌ مشروعٌ، وفي الوقت نفسه رحيماً بالفقراء والضعفاء، وصاحب رؤيةٍ أخلاقيَّةٍ وإنسانيَّةٍ عاليةٍ، بل إنَّ كثيراً من الشخصيَّات الكبرى في التاريخ جمعت بين الحزم في مواضع الصراع، والرحمة في مواضعها، ولا يُعدّ هذا تناقضاً.

كذلك نجد أنَّ الكاتب وقع في مغالطة (تجاهل المطلوب) أو (القفز إلى نتيجةٍ لا تلازم المقدّمة)؛ إذ إنَّ أقصى ما يمكن أن يثبت من كلامه - على فرض التسليم بها - هو أنَّ الإمام (عليه السلام) نفَّذ أمراً صدر من النبيّ (صلى الله عليه وآله)، أمَّا القفز من هذا الفعل إلى الحكم بأنَّه «شخصٌ بلا رحمةٍ» أو «ميت القلب»، فهو استنتاجٌ نفسيٌّ وأخلاقيٌّ لا يلزم منطقيّاً من أصل الواقعة؛ لأنَّ تنفيذ حكمٍ صادرٍ عن الشارع المقدَّس في سياق الحرب أو الأمن العامّ يكشف عن الطاعة، والانضباط، والشجاعة، والالتزام بالمبدأ، لا عن القسوة أو التجرّد من الرحمة، ومن ثمَّ، فإنَّ تحويل فعلٍ جزئيٍّ ظرفيٍّ إلى تحليلٍ نفسيٍّ شاملٍ للشخصيَّة ليس استدلالاً منطقيّاً، بل إسقاطٌ انفعاليٌّ مسبقٌ على الوقائع التاريخيَّة.