لماذا قالت مريم (ع): لم يمسسني بشر، ولم تقل: رجل؟

السؤال: قال تعالى في سورة مريم: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾، فلماذا قالت (عليها السلام): لم يمسسني بشرٌ، ولم تقل: رجلٌ؟

: الشيخ نهاد الفياض

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

لقد عرض القرآن الكريم ولادة عيسى بن مريم (عليه السلام) بوصفها معجزةً إلهيّةً، إذْ خُلق من غير أبٍ بأمر الله تعالى ليدلَّ ذلك على كمال قدرته سبحانه، وقد شبَّه خلقه بخلق آدم (عليه السلام): ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: 59]، تأكيداً لكون الأمر خارجاً عن السنن المعتادة.

وأمَّا مريم بنت عمران (عليها السلام) فقد قدَّمها القرآن مثالاً للطهر والعفاف، كما أعلن اصطفاءها وتنزيهها بقوله: ﴿إِنَّ الله اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ﴾ [آل عمران: 42]، فكانت من صفوة نساء العالمين، وقد تعرَّضت لابتلاءٍ عظيمٍ، لكنَّ الله تولَّى الدفاع عنها، فأنطق وليدها تبرئةً لها، وبذلك يجمع القرآن بين بيان المعجزة في ولادة عيسى (عليه السلام) وإبراز عفّة مريم؛ لتكون مثالاً خالداً في الإيمان والطهارة.

إذا بان هذا فنقول: إنَّ قولها (عليها السلام): ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ قد ورد في موردين من القرآن الكريم، الأوَّل منهما في قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [آل عمران: 47]، والثاني في قوله سبحانه: ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [مريم: 20]. ولبيان الوجه في قولها (بشرٌ) دون (رجلٌ) في الآيتين المباركتين، نذكر في المقام احتمالين.

الاحتمال الأوَّل: أنَّ الوجه في قولها (بشرٌ) دون (رجلٌ) من باب استعمال العامّ وإرادة الخاصّ، لبيان أنَّ الخاصّ هو الممثل الحقيقيّ لمعنى العامّ، مبالغةً في التعظيم والتهويل، فقولها (بشرٌ) دالٌّ على التعظيم والتهويل للرجل، لكونه الممثل الحقيقيّ للعامّ (البشر) في مثل هذا المقام، كما لا يخفى؛ ولذلك ورد في جملةٍ من الكتب والمصنَّفات تفسير كلمة (بشرٍ) بـ(رجلٍ)، من باب استعمال العامّ وإرادة الخاصّ منه، كما قلنا.

فانظر مثلاً: الكشف والبيان للثعلبيّ ج3 ص69، تفسير البيضاويّ ج4 ص8، تفسير البغويّ ج2 ص39، تفسير الخازن ج1 ص246، عمدة القاري لبدر الدّين العينيّ ج16 ص25، السراج المنير للخطيب الشربينيّ ج1 ص216، تفسير أبي السعود ج5 ص260، روح البيان لأبي الفداء الحنفيّ ج5 ص322، تفسير الألوسيّ ج8 ص396، تفسير كنز الدقائق للمشهديّ ج8 ص٢٠٧، زبدة التفاسير للكاشانيّ ج4 ص١٦٩، وغيرها من المصادر.

الاحتمال الثاني: إنما عبَّرت (عليها السلام) بلفظ (بشرٍ) بدل (رجلٍ) لتدلّ على النفي المطلق، أي نفي كلِّ مساسٍ جسديٍّ من أيّ إنسانٍ، ذكراً كان أو أنثى، وليس خصوص الرجال، وتعبيرها هذا يدلُّ على تأكيد عفّتها وطهارتها البالغة، ويُبرِّز في الوقت نفسه المعجزة الإلهيّة في خلق نبيّ الله عيسى (عليه السلام) من دون أيّ تدخّلٍ بشريٍّ مطلقاً، وقد يُفهم هذا الاحتمال من بعض التفاسير للآية المباركة.

قال أبو السعود العماديّ في تفسير قوله تعالى ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ ما لفظه: (أي: والحال أنه لم يباشرني بالنكاح رجلٌ، وإنما قيل بشرٌ مبالغةً في بيان تنزُّهها من مبادئ الولادة) [تفسير أبي السعود ج5 ص260، وانظر أيضاً: روح البيان لأبي الفداء الخلوتيّ ج5 ص322، تفسير الألوسيّ ج8 ص396].

بيان ذلك: إنَّ كلمة (بشرٍ) أعمّ من (رجلٍ)، فهي تشمل كلَّ إنسانٍ، ذكراً كان أو أنثى؛ ولذلك (يُسوَّى فيه بين المذكَّر والمؤنَّث، والمفرد والمثنى والجمع. تقول: هذه بَشرٌ، وهذا بَشرٌ، وهؤلاء بَشرٌ. كقولك: هؤلاء خَلْقٌ) [يُنظر: اللباب في علوم الكتاب لابن عادل ج5 ص232]؛ ولذلك عبَّرت (عليها السلام) بكلمة بشرٍ، فإنها تريد أنْ تنفي بشكلٍ مطلقٍ وشاملٍ أيَّ سببٍ بشريٍّ يُمكن أنْ يؤدِّي إلى الولادة، لا من رجلٍ فقط، بل من أيّ إنسانٍ على الإطلاق.

والنتيجة النهائيّة من كلِّ ذلك، أنَّ التعبير بكلمة (بشرٍ) بدل (رجلٍ) هو أسلوبٌ من أساليب البلاغة، جيء به للتأكيد الشديد على عفّتها وطهارتها، وأنَّ حملها كان معجزةً إلهيّةً خالصةً، من دون أيّ سببٍ بشريٍّ محتملٍ.. والحمد لله ربِّ العالمين.